يمثل العلامة نوري جعفر نموذجاً فريداً للمفكر الموسوعي الذي جمع بين الدقة العلمية والاتساع المعرفي، سعى إلى تفسير الفكر الإنساني من خلال تداخل البيولوجيا والمجتمع والثقافة، تاركاً إرثاً علمياً يستحق المزيد من الدراسة والاهتمام في الفكر العربي المعاصر.

يُعدّ البروفسور الراحل نوري جعفر واحداً من أبرز أعلام الفكر التربوي والنفسي في العالم العربي، من بين العلماء الخمسة الذين أسهموا في وضع مناهج خاصة للأطفال الموهوبين.

وُلد سنة 1914م في إحدى قرى مدينة القرنة التابعة آنذاك للواء البصرة، حيث نشأ في بيئة بسيطة، إلا أنه أظهر تفوقاً مبكراً مكّنه من إكمال دراسته الأولية والإعدادية بامتياز. ألتحق بعدها بـدار المعلمين العالية، وتخرج فيها متفوقاً، ليُرشَّح ضمن بعثات وزارة المعارف إلى الولايات المتحدة.

في الولايات المتحدة، درس في معهد التربية العالي على يد كبار أساتذة التربية، في مقدمتهم جون ديوي، حيث تأثر بأفكاره التربوية الحديثة. واصل مسيرته العلمية حتى نال شهادة الدكتوراه سنة 1949م، ليعود بعدها إلى وطنه بوصفه أحد أبرز المتخصصين في مجالي التربية وعلم النفس.

لم تتوقف مسيرته العلمية عند هذا الحد، بل أفاد في دراساته اللاحقة من أبحاث كبار العلماء، مثل ليف فيغوتسكي، وأليكسي ليونتيف، وألكسندر لوريا، إضافة إلى إيفان بافلوف صاحب نظرية الارتباط الشرطي، هو ما انعكس بوضوح في منهجه الذي جمع بين الفسيولوجيا وعلم النفس والاجتماع.

أثرى نوري جعفر المكتبة العربية بأكثر من 31 مؤلفاً تنوعت بين التربية، وعلم النفس، والتاريخ، وفسيولوجيا الدماغ، والفلسفة، والفكر، والأدب، فضلاً عن عدد من المخطوطات التي لم تُنشر بعد. وقد عملت ابنته نجود نوري جعفر على جمع هذا الإرث العلمي ضمن مشروع موسوعي بعنوان الأنسكلوبيديا.

قد كتب عنه د. رشيد الخيون مشيراً إلى تميّزهُ في الربط بين مختلف مجالات المعرفة وتخصصه الأساس، إذ لم يكن يكتب في موضوع إلا ويعيده إلى جذوره النفسية والاجتماعية. من أبرز الأمثلة على ذلك كتابه الذي جمع فيه بين الجاحظ وجورج برنارد شو في سياق تحليلي فريد، حيث تناول التأثيرات النفسية والاجتماعية لكليهما، وربط بين الأدب والبيئة والثقافة.

وقد أُعدّ هذا العمل أصلًا لبحث كان من المقرر تقديمه في مؤتمر البصرة لألفية الجاحظ سنة 1983م، إلا أن ظروف الحرب آنذاك حالت دون انعقاده. مع ذلك، صدر البحث في كُتيّب صغير ضمن سلسلة "الموسوعة الصغيرة"، لكنه – كما يصفه الخيون – يحمل في مضمونه عمق ثلاثة مجلدات بما احتواه من معلومات وأفكار ومصادر غنية.

رغم هذا العطاء العلمي، وبعد التواصل مع ابنته السيدة نجود لقد اوضحت لي أن سبب وفاة د. نوري جعفر هو (مضاعفات زكام حاد، وكنا معه وحوله أنا وأخوتي لحظة وفاته .. أما قصة مقتله على يد سائق ليبي في طرابلس وهو في طريقه الى المطار، فهي كذبة انتشرت على مواقع الإنترنت وحاولت ولا زلت احاول تصحيح هذه المعلومة للجميع).

الفكر البشري بين البيولوجيا والبيئة

يُعد كتاب "الفِكر: طبيعته وتطوره" أحد أبرز الأعمال العلمية والفلسفية في دراسة طبيعة الفكر البشري وتفسير اختلافاته. استغرق د. نوري جعفر تسع سنوات من البحث والتحليل، ليقدم رؤية شاملة تربط بين الفسيولوجيا البشرية والبيئة الاجتماعية والثقافية في تشكيل الفكر.

يبدأ البحث بتأكيد أن الإنسان يولد متماثلاً في الأسس الفسيولوجية للمخ، التي تشكل القاعدة الحيوية للحياة العقلية. هذه الأسس تشمل العمليات العصبية الأساسية والقدرة على التعلم والتفكير، والتي هي مشتركة بين جميع البشر.

وفق رؤية وعلمية د. نوري جعفر، فإن أي اختلافات عقلية كبيرة أو ملموسة بين الأفراد أو الأمم لا تعود إلى الفسيولوجيا نفسها، بل إلى البيئة الاجتماعية والثقافية التي ينشأ فيها الإنسان، بما في ذلك التعليم، التقاليد، القيم، والخبرات الحياتية.

يؤكد المؤلف أن التخلف أو التفاوت الفكري لا ينبع من ضعف الذكاء الفردي، بل من نقص البيئة الداعمة أو وجود قيود اجتماعية وثقافية تحد من نمو الفكر. إذا استثنينا الأفراد الذين يولدون بنقص فسيولوجي أو يتعرضون له لاحقاً، فإن أي قصور في التفكير يُعزى إلى البيئة المحيطة. من هنا، يصبح البحث في البيئة الاجتماعية أكثر أهمية من تقييم الذكاء الفردي بمعزل عن سياقه، هو ما يمثل نقطة جوهرية في فهم تطور الفكر البشري.

اعتمد د. نوري جعفر على جمع وتحليل البيانات الفسيولوجية والنفسية وربطها بعوامل اجتماعية وثقافية متنوعة. يعتبر المؤلف أنه محاولة أولى تمهداً لأبحاث أعمق. قد أشار الراحل نوري جعفر إلى أن هذا العمل أول من نوعه باللغة العربية من حيث المعطيات الفسيولوجية الدقيقة المتعلقة بالعقل، هو ما يجعله مرجعاً مهماً للباحثين في علم النفس وعلم الاجتماع العصبي في العالم العربي.

يؤكد د. جعفر في مؤلفه "أن الإنسان يولد بقدرات عقلية متساوية أساسية. لكن لاختلافات الفكرية بين الأفراد والأمم ليست فطرية بحتة، بل نتيجة تفاعل الفرد مع بيئته الاجتماعية والثقافية". فالذكاء وحده لا يفسر اختلاف الأداء الفكري، بل البيئة هي العامل الحاسم في تنمية أو تقييد التفكير. البحث يقدم منظوراً تكاملياً يجمع بين الفسيولوجيا، علم النفس، وعلم الاجتماع لفهم تطور الفكر.

أما أهمية موضوع الكتاب، فهو يفتح الباب أمام دراسات مستقبلية أعمق في علم النفس، الفلسفة، وعلم الاجتماع العصبي. ليقدّم قاعدة علمية لفهم كيف تؤثر الظروف الاجتماعية والثقافية على النمو العقلي، مما يمكن أن يحدث تحولاً في التعليم، التنمية البشرية، والسياسات الاجتماعية.

شكّل الكتاب إسهاماً رائداً في الفكر العربي العلمي، لأنه يربط بين النظرية العلمية الدقيقة والفهم الثقافي والاجتماعي. قدّم الكتاب رؤية شاملة ومتوازنة لطبيعة الفكر البشري وتطوره، مؤكّداً على أن الفكر لا يحكم عليه بمعزل عن بيئته. إن فهم الإنسان لا يكتمل إلا عندما ندرس العلاقة بين الجسد والعقل والمجتمع، هو ما يجعل هذا الموضوع نقطة انطلاق مهمة لأي دراسة مستقبلية عن الفكر البشري في العالم العربي.