لم يكن سؤال العلامة والدكتور نوري جعفر في  تموز من عام 1985م مجرد استفسار علمي عابر، بل كان استشرافاً مبكراً لقلق معرفي يتجاوز حدود التقنية إلى عمق الإنسان ذاته. فحين طرح معادلته بين (الذكاء الاصطناعي حقيقة ام وهم؟)، كان يلامس منطقة رمادية لم تكن قد انكشفت بعد، حيث تتقاطع الآلة بالعقل، والبرمجة بالوعي.

لقد بدا الذكاء الاصطناعي آنذاك مصطلحاً غائماً، يتأرجح بين طموح علمي مشروع وخيال يكاد يلامس حدود الفلسفة. وما أشار إليه الكاتب من التباس بين البعد التكنولوجي والبعد السيكولوجي، لم يكن نقصاً في التعريف بقدر ما كان انعكاساً لطبيعة هذا الحقل نفسه؛ إذ هو بطبيعته عابر للتخصصات، يتغذى من علوم متباعدة ليصوغ كياناً جديداً لا يستقر على تعريفٍ واحد.

واليوم، وبعد عقود من ذلك التساؤل، لم يعد الذكاء الاصطناعي وهماً يجادل في وجوده، بل واقعاً يتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية، من أبسط التطبيقات إلى أعقد المنظومات العسكرية والاقتصادية التي أشار إليها النص. غير أن الغموض الذي تحدث عنه لم يتلاش كلياً، بل تبدل شكله؛ فبدل السؤال عن وجود الذكاء الاصطناعي، أصبح السؤال عن حدوده، وأخلاقياته، ومدى اقترابه من جوهر (الذكاء) الإنساني.

لم يكن التساؤل الذي طرحه الدكتور نوري جعفر في منتصف ثمانينيات القرن الماضي سؤالاً تقنياً بحتاً، بل كان سؤالاً فلسفياً عميقاً يتصل بجوهر الإنسان وحدود الآلة. ففي زمن كانت فيه الحواسيب لا تزال في طورها الأول، وقف هذا العلامة والمفكر متأملاً مشروعاً علمياً هائلاً، تتقاطع فيه الرياضيات بالفيزياء، والتكنولوجيا بعلم النفس، ليطرح إشكالية لا تزال حاضرة حتى اليوم: هل يمكن صنع عقل يضاهي العقل البشري؟

منذ البدايات التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، بدأ مصطلح (الذكاء الاصطناعي) يتشكل تدريجياً، حاملاً معه طموحاً علمياً غير مسبوق. وقد أدرك نوري جعفر مبكراً أن هذا المصطلح ليس مجرد تسمية تقنية، بل هو حقل ملتبس بطبيعته، لأنه يجمع بين عالمين متباعدين: عالم المادة الصلبة القائم على القوانين الفيزيائية، وعالم النفس والوعي القائم على التجربة الإنسانية والمعنى.

لقد استندت مشاريع الذكاء الاصطناعي، كما يشير النص، إلى منظومة علمية معقدة تشمل علوم الرياضيات، ونظرية المعلومات، والسيبرنيتيك، والحوسبة الإلكترونية. ومع التطور الذي شهدته الثورة الإلكترونية في سبعينيات القرن العشرين، ظهرت الحواسيب المتقدمة التي استطاعت أن تؤدي بعض وظائف الدماغ البشري، مثل خزن المعلومات واسترجاعها، وترجمة اللغات، ومعالجة الرموز. وكان هذا التقدم، في نظر الكثيرين، خطوة أولى نحو تحقيق الحلم الأكبر: بناء (عقل صناعي).

غير أن نوري جعفر، برؤية نقدية عميقة، لم ينجرف وراء هذا التفاؤل العلمي. فقد ميز بوضوح بين القدرة على محاكاة بعض وظائف الدماغ، وبين امتلاك جوهر الذكاء الإنساني. فالآلة، مهما بلغت دقتها، تبقى محكومة ببرمجتها، وتفتقر إلى المرونة الحقيقية التي يتميز بها الإنسان في مواجهة المواقف المتغيرة.

ويبرز هنا أحد أهم محاور تحليله، وهو أن الذكاء الإنساني ليس مجرد عمليات حسابية أو رمزية، بل هو منظومة متكاملة تشمل الفهم، والتأويل، والإحساس بالمعنى. فاللغة، على سبيل المثال، ليست مجرد كلمات تترجم، بل شبكة دلالية عميقة تتضمن المجاز والكناية والسياق الثقافي، وهي أمور يصعب-إن لم يستحل-على الآلة أن تدركها إدراكاً حقيقياً.

كما أن الدماغ البشري، بتكوينه البيولوجي المعقد الذي يضم مليارات الخلايا العصبية المتشابكة، يمثل تحدياً هائلاً لأي محاولة لمحاكاته صناعياً. فهذه الشبكة العصبية لا تعمل بطريقة ميكانيكية جامدة، بل تتسم بالمرونة والتكيف الفوري مع الظروف، وهو ما يجعلها بعيدة عن أي نموذج تكنولوجي معروف في زمن الكاتب.

ومع ذلك، فإن ما طرحه نوري جعفر من شكوك لم يكن رفضاً للعلم، بل كان دعوة إلى التمييز بين (المحاكاة) و(الحقيقة). فالآلة قد تقلد بعض مظاهر الذكاء، لكنها لا تمتلك بالضرورة وعياً أو فهماً ذاتياً. وهذا الفارق هو ما يجعل السؤال قائماً: هل الذكاء الاصطناعي امتداد للعقل البشري، أم مجرد أداة متقدمة تحاكيه؟

إذا انتقلنا إلى واقعنا المعاصر، نجد أن كثيراً من التوقعات التي أشار إليها النص قد تحققت بالفعل. فقد أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من الحياة اليومية، يدخل في مجالات الاقتصاد، والطب، والصناعة، بل وحتى في التطبيقات العسكرية التي أشار إليها الكاتب بوصفها أحد دوافع هذا التطور. غير أن هذا التحقق لم يُلغِ الإشكاليات التي طرحها، بل أعاد صياغتها بشكل أكثر تعقيداً.

فالأنظمة الحديثة باتت قادرة على التعلم، وتحليل البيانات، واتخاذ قرارات معقدة، لكنها لا تزال-في جوهرها-تعتمد على نماذج رياضية وخوارزميات صممها الإنسان. وهي، رغم قدرتها على محاكاة اللغة والتفكير، لا (تفهم) بالمعنى الإنساني العميق، ولا تمتلك وعياً ذاتياً أو تجربة شعورية.

وهنا تتجلى أهمية رؤية نوري جعفر، التي تبدو اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى. فقد أدرك أن التحدي الحقيقي لا يكمن في بناء آلة ذكية، بل في فهم معنى الذكاء ذاته. وهل هو مجرد معالجة معلومات، أم تجربة وجودية معقدة تتجاوز حدود الحساب والمنطق؟

إن الذكاء الاصطناعي، في ضوء هذا التحليل، هو حقيقة بلا شك، لكنه ليس الحقيقة الكاملة. هو إنجاز علمي هائل، لكنه لا يختزل الإنسان، ولا يلغي فرادته. وبينما تتقدم التكنولوجيا بخطى متسارعة، يبقى السؤال الذي طرحه نوري جعفر مفتوحاً، لا بوصفه شكاً في العلم، بل بوصفه دعوة دائمة للتأمل:

هل نصنع آلات تشبهنا، أم أننا-في طريقنا إلى ذلك- نكتشف أنفسنا من جديد؟

الملحق:

صورة لمقال بقلم د. نوري جعفر (الذكاء الاصطناعي حقيقة أم وهم؟) جريدة الجمهورية، الأثنين 29/  7/ 1985. ملف طب وعلوم صفحة 5 .  https://zenodo.org/records/15364872