كان من المفترض أن يُظهر خطاب ترامب للأمة بشأن الحرب على إيران سيطرته وعزمه. لكنه كشف بدلاً من ذلك عن تردد وفوضى اتسمت بالتناقضات والإشادة بالنفس وتغيير الأهداف. ما وُصف بأنه إعلان قوة تحوّل إلى كشف صارخ عن ارتباك وقيادة متعثرة، داخلياً وخارجياً.

 

فشل خطاب ترامب للأمة بشأن الحرب على إيران في إقناع أي شخص خارج قاعدته الشعبية بأن الحرب قد عززت الأمن القومي الأمريكي. لقد كشف عن رئيس يكافح للسيطرة على صراع لم يستطع تحديده بوضوح، مما رسم صورة مقلقة من الإرتباك. ففي لحظة، احتفل بـ”إنجاز المهمة”، مدعياً النصر على القدرات العسكرية الإيرانية؛ وفي اللحظة التالية، تعهد “بإنهاء المهمة”. لم تُسهم مزاعمه غير المتماسكة، وأهدافه المتغيرة، ونبرته المُشيدة بنفسه إلا في تعميق الشكوك حول منطق الصراع وغايته. ولقد أظهرت تبريراته المتغيرة ومزاعمه المبالغ فيها وتجاهله للحقائق ضعفًا لا ثقةً، ما جعل حتى أقرب مستشاريه في حيرةٍ من أمرهم بشأن معنى النصر.

رفض تسميته حربًا
رفض ترامب في تطورٍ غريب تسمية الصراع الدائر مع إيران “حربًا”، مفضلًا مصطلح “عملية عسكرية”، حتى وهو يقارنه بفيتنام والعراق وأفغانستان. ويعكس هذا التناقض تلاعبًا بالخطاب ونسيانًا للتاريخ. كان هدفه من هذه المناورات اللغوية التقليل من المساءلة مع استحضار مكانة القادة العسكريين السابقين. لكنها كشفت بدلًا من ذلك عن تناقضه – محاولةً منه لإعلان النصر دون الإعتراف بالتكاليف الأخلاقية والإستراتيجية للحرب المفتوحة.

لغز اليورانيوم المخصّب
تطرق ترامب بإيجاز إلى مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، مدعيًا أن الضربات الأمريكية “دمرت” المواقع النووية الإيرانية، ومصرحًا بأنه “سيستغرق الأمر شهورًا للوصول إلى غبار اليورانيوم”، في إشارة على ما يبدو إلى اليورانيوم المخصب نفسه – وهو تصريح سخيف بقدر ما هو ملتوٍ بشكل مؤسف. كان هذا التعليق مثالًا على خطاب مليء بالمبالغات والتشويهات، مما زاد من الشكوك حول الأمن النووي.

التباهي باقتصاد متدهور
أشاد ترامب بما أسماه “أعظم اقتصاد في التاريخ”، متجاهلًا البيانات التي تُظهر ارتفاع التضخم وتزايد البطالة طويلة الأجل وتضخم العجز. بدا خطابه أقرب إلى تجمع انتخابي منه إلى تقرير رصين عن زمن الحرب. ومن خلال ترديد نقاط نقاش عفا عليها الزمن، بدا منفصلًا عن الصعوبات الإقتصادية التي يواجهها الأمريكيون. وبدلًا من إظهار الثقة، عزّز خطابه الأجوف الإنطباع بأن الرئيس معزول عن الواقع ويائس للحفاظ على وهم الكفاءة.

إستقلال الطاقة ومفارقة أسعار الغاز
بإعلانه أن الولايات المتحدة مكتفية ذاتيًا في إنتاج النفط والغاز، تجاهل ترامب حقيقةً مُزعجة: يدفع الأمريكيون أكثر من 4 دولارات للغالون، أي بزيادة تقارب 40% عما كان عليه الوضع قبل الحرب. ومحاولته إلقاء اللوم على “المضاربة العالمية” تجاهلت حقيقة أن أفعاله هي التي زعزعت استقرار الأسواق. ويُبرز التناقض بين ادعائه بالإستقلال والأثر الإقتصادي السلبي لأسعار الوقود انفصاله عن عواقب سياساته، مما يُقوّض الثقة في قيادته الإقتصادية.

سوء فهم دوافع إيران
أساء ترامب في خطابه تفسير هجمات إيران على دول الخليج، مُصوّرًا إياها على أنها أعمال عدوانية غير مُبررة بدلًا من كونها ردود فعل استراتيجية. بدا وكأنه غير مُدرك – أو غير راغب في الإعتراف – بأن إيران استهدفت القواعد الأمريكية لأنها لا تستطيع ضرب الأراضي الأمريكية. وهذا الفشل في استيعاب منطق الردع يُعمي إدارته عن التصعيدات الإقليمية المتوقعة. هذا الإغفال لا يُشير إلى قوة، بل إلى جهل بالديناميكيات الأساسية التي تُحرك الصراع الذي أشعله بنفسه.

تجاهل دور إسرائيل في الصراع
من اللافت للنظر غياب أي إشارة في تصريحات ترامب إلى دور إسرائيل في تشكيل مسار الحرب. صحيح أن تأثير نتنياهو في حثّ طهران على المواجهة المباشرة موثق جيداً، إلا أن ترامب تجنّب الخوض في هذا الموضوع تماماً. هذا الصمت الإنتقائي يوحي بشعوره بالامتنان السياسي وتردده في مواجهة الإنتقادات الداخلية. ومن خلال التعتيم على دور إسرائيل في الصراع، شوّه ترامب فهم الرأي العام للمسؤولية، وعزّز فكرة أن الرئاسة تُسيّرها التحالفات الشخصية على حساب المصلحة الوطنية.

التبجّح والمقارنات مع الأسلاف
كعادته، ملأ ترامب خطابه بالتباهي بإنجازات زعم أنها تفوق إنجازات أوباما وبايدن. صوّر نفسه على أنه الزعيم الوحيد المستعد للتحرك بحزم، لكنه لم يقدم أي دليل على أن نهجه حقق نتائج أفضل. كشفت المقارنات المبالغ فيها عن انعدام الأمن لا عن القو،. وتحول خطاب ترامب إلى استعراض للذات، لا للقيادة، مؤكدًا وجهة النظر القائلة بأن ساحة معركة ترامب ليست إيران، بل هي التنافس على إثبات الذات.

إلقاء اللوم على الحلفاء الأوروبيين بشأن مضيق هرمز
انتقد ترامب الحلفاء الأوروبيين لتقاعسهم عن الإنضمام إلى جهوده لإعادة فتح مضيق هرمز. وأصر على أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى نفط الشرق الأوسط، وأن على أوروبا “معالجة مشاكلها بنفسها” زاد هذا الخطاب الأحادي من عزلة شركاء الناتو وعمّق التوترات القائمة عبر المحيط الأطلسي. لم تقدم رسالته أي جديد لتغيير المسار الكئيب للصراع، مما عزز مخاوفهم من أن واشنطن أكثر التزامًا بالتصعيد من الدبلوماسية، و بدلاً من حشد الوحدة، أكدت تصريحاته عزلة واشنطن وعزّزت التصورات عن قوة عظمى متقلبة وغير موثوقة بها.

أسطورة الإحترام الأمريكي المتجدد
لا شك أن خطاب ترامب كشف زيف ادعاءاته المتكررة في الماضي بأن “أمريكا تحظى باحترام أكبر من أي وقت مضى” ، لكن الواقع مختلف تماماً: فالولايات المتحدة باتت موضع خوف وعدم ثقة متزايدين، ويُنظر إليها على أنها غير قابلة للتنبؤ. وقد أدى خطابه العدائي وتجاهله للتحالفات إلى تآكل السلطة الأخلاقية التي كانت تُشكل ركيزة القيادة الأمريكية. ما يُقدمه على أنه قوة ليس إلا عزلة – قوة عظمى تائهة، تضاءلت سمعتها بسبب رئيس يخلط بين الترهيب والإحترام.

خطاب كشف عن قصور أمريكا
لم يُقنع خطاب ترامب الرأي العام أو حلفاء أمريكا بأن الحرب ضد إيران تُعزز الأمن القومي الأمريكي. بدلاً من ذلك، كشفت تصريحاته عن قوة عظمى مقيدة بتناقضاتها الداخلية، مما أدى إلى نفور شركائها في الخليج، وتوتر العلاقات مع أوروبا، وإظهار تشتت الإستراتيجية الأمريكية. وبدلاً من بثّ الثقة، زادت كلماته من انعدام الثقة والشك. وبدا أضعف وأكثر ارتباكاً وغروراً وتبجحاً كعادته، بينما شعر خصومه بالرضا، وشعر مؤيدوه بالإحباط والحيرة.

لا توجد في الأفق استراتيجية للخروج
على الرغم من تبريراته المطولة لاستمرار الأعمال العدائية، فشل ترامب في تقديم أي خطة أو جدول زمني أو هدف قابل للقياس لإنهاء الحرب. لم يقدم أي رؤية لتحقيق الإستقرار، ولا قناة دبلوماسية، ولا معايير للنجاح. هذا الإغفال يؤكد على إدارة تعمل بدافع الإندفاع بدلاً من الإستراتيجية. وكما قال سابقاً، سيشعر في قرارة نفسه متى ينهي الحرب. إن غياب خطة للخروج له دلالات كثيرة، فهو يعكس رئيساً تحركه المظاهر السياسية بدلاً من الجوهر، تاركاً أمريكا متورطة في مستنقع مكلف آخر.

لم ينجح خطاب ترامب في إقناع أي شخص خارج دائرة مؤيديه المخلصين بأن الحرب عززت أمن أمريكا. فقد أظهرت مزاعمه المتناقضة وتفاخره الأجوف ضعفًا لا قوة، مما أدى إلى نفور الحلفاء وتعميق انعدام الثقة. وما برز هو صورة لقائد تائه في أوهامه، معزولًا، وبات دوره هامشيًا بشكل متزايد.