في التاسع من نيسان ٢٠٠٣ وقف ابا تحسين وبيده نعاله المستهلك يلطم به صورة الطاغية صدام حسين، لتنتقل صورته عبر الفضائيات الى كل أركان الأرض، كدليل على القمع والقهر والبؤس الذي كان يعيشه ومعه الغالبية العظمى من ابناء العراق. وفي نفس الوقت نقلت تلك الفضائيات صور لمن يسرق كل شيء ، كل شيء حتى المتاحف حيث تاريخ بلد موغل بالقدم، هؤلاء كانوا ما اطلق عليهم وقتها صفة الحواسم.
ابا تحسين الشيوعي رغم جوعه وبؤسه وفقره وحرمانه، ابى ان تمتد يده ليسرق شيء من ممتلكات بلده، فوجد ضالته بصورة الطاغية فكان نعاله إعلانا بنهاية سلطة اذاقت العراقيين الموت وبلدهم الخراب. اما الحواسم فقد نهبوا كل شيء ووصلوا بعدها الى سدة السلطة ليكملوا المهمة التي انجزوها بدقة عالية، فيما لازال حزب ابا تحسين نزيها فقيرا، لا يملك الا وطنيته ونضاله لغد أجمل وابهى...
نعم فالتاسع من نيسان 2003 لم يكن مجرد سقوط نظام، بل لحظة تاريخية رسمت مسارين متناقضين استمرا حتى اليوم. في ذلك اليوم وقف ( أبو تحسين) الشيوعي المعدم يلطم صورة طاغية بنعاله ليس كمواطن غاضب فحسب، بل بوصفه ممثلًا لفكرة: أن الكرامة غالية والفقر لا يبرر الفساد. لم يمدّ ابو تحسين يده لشيء رغم الفرهود الذي طال كل شيء. وهنا كان ابو تحسين عملاقا في حزب حافظ على موقعه في صفوف الفئات الأكثر تضررا من المجتمع ، فيما كان الحواسم على الضفة الأخرى ولليوم لصوص وأحزابهم . فهل كانت تلك مجرد فوضى نتيجة انهيار النظام القمعي، أم سلوك استمر لليوم؟
نعم من تلك اللحظة علينا ان نبدأ المقارنة المستمرة لليوم، فحزب ابو تحسين بقي على الضفة التي كان عليها منذ تأسيسه ولليوم، غنيا بمواقفه ، فقيرا بإعلامه وامواله وسلاحه. فيما احزاب الحواسم لازالت متورطة بملفات فساد واسعة ونهب مستمر، فقيرة بمواقفها الوطنية، غنية باموالها التي نهبتها من ثروات شعبنا وإعلامها، وسلاحها الذي يهدد السلم المجتمعي ويغتال معارضي الفساد والجريمة. حزب ابو تحسين لم يتحول الى حزب سلطة تنهب شعبها ولم تتضخم ثرواته وهو الذي لايمتلك ثروات اصلا، ويبني مقره بتبرعات رفاقه واصدقاءه وجماهير شعبنا. عكس احزاب الحواسم التي سرقت كل شيء وتلاحقها ملفات فساد كبرى، في غياب قانون عادل كان أمنية شعبنا وهو يرى " انهيار" النظام البعثي، واذا به يرى القانون على الاقل في تناوله لملفات الفساد، يعزف عليه بعد صلوات حيتان الفساد في أحضان الفاشانيستات.
حزب (أبو تحسين ) بقي كما هو، أما أحزاب الحواسم فلم تتوقف عند ذلك التاريخ، بل انتقلت من فرهدة الشارع إلى فرهدة الدولة. فتحول الموقف الذي اصبح سلوكا، من سرقة مكشوفة إلى منظومة فساد ومحاصصة واستحواذ على موارد الدولة بقوانين رسمية، وبقوّة السلاح والسلطة، بعدما كان بالفوضى في التاسع من نيسان.
المقارنة اليوم وبعد اكثر من عقدين لم تعد بين رجل يضرب صورة وآخر يسرق متحفا بل بين نموذجين، نموذج لا يملك الكثير كما ابو تحسين وحزبه، لكنه لا يأخذ ما ليس له، وآخر يملك كل شيء لكنه لا يتوقف عن النهب والسرقة. موقفنا اليوم عليه ان لا يستند على من وصل الى السلطة، بل الى مافعله وهو على رأس السلطة، فالذي يعتبر السلطة غنيمة، لا يمكن ان يكون حارسا على ثروات شعبنا. من رحم فوضى التاسع من نيسان المستمرة لليوم، تكونت نخب اشبه بالحواسم إن لم تكن حواسم فعلا، تعيد إنتاج نفس منطومة الفساد والنهب والسرقة كل يوم.
لقد بدأت حوسمة العراق في مجلس الحكم الذي عينه المحتل لإدارة الدولة عن طريق المحاصصة بشكل مبكر جدا، وكان اقتراح الجلبي المقدم لبول بريمر بتخصيص راتب قدره خمسون الف دولار امريكي سنويا للاعضاء الخمسة والعشرين، والذي صوّت عليه المجلس بسرعة قياسية، دلالة على شهية الحواسم في نهب ثروات البلاد المستمرة لليوم. ولم يقتصر الأمر هذا على استنتاج معين، بل تكشفه أيضا شهادات من داخل سلطة الاحتلال نفسه ، إذ كتب بريمر قائلا:" كانت القضية الوحيدة التي حلّت بسرعة في مجلس الحكم هي تحديد رواتب اعضائه. فقد توصلت لجنة فرعية برئاسة الجلبي أن يتقاضى الاعضاء 50000 دولار في السنة، في حين يتقاضى الوزراء نحو 40000 دولار. وأن يحصلوا على علاوات من البنزين، ما دفع ديفيد الى الملاحظة بسخرية بأنّ ذلك سيتيح لكل عضو اجتياز خمسين الف ميل في الشهر في بلد ذي طرقات رديئة".(1)
واضاف بريمر قائلا: " في هذا اليوم ابلغت المجلس بأنّ الموازنة التي اقترحوها للخمسة وعشرين عضوا تفوق موازنة وزارة التربية التي تضم اكثر من 325.000 موظّف. اعترض الجلبي قائلا انها مجرد " مشروع " موازنة.(2)
بين نعال ابو تحسين وحواسم الأمس تتكرر المأساة بأسماء قديمة جديدة، والسؤال الذي بحاجة الى اجابة اليوم هو: هل يبنى العراق بعقلية نعال ابو تحسين الرافض للظلم، ام بعقلية الأيادي المتوضئة والمتحاصصة التي لا تتوقف عن النهب والسرقة والجريمة..؟
أي النموذجين سيختار شعبنا ... !؟
1-عام قضيته في العراق لبول بريمر، ص 162
2- نفس المصدر ونفس الصفحة
زكي رضا
الدنمارك
11/4/2026