الجهات الخمس الفاعلة في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني

ادّعت خمس جهات فاعلة ومؤثرة على مدى عقود وهي: الولايات المتحدة، الدول العربية، الإتحاد الأوروبي، ولجنة الشؤون العامة الأمريكية – الإسرائيلية (آيباك) والمعارضة الإسرائيلية نفسها – السعي إلى السلام الإسرائيلي – الفلسطيني، بينما كانت في الوقت نفسه تُرسِّخ الإحتلال الدائم، وتُقضي جميعها على حلّ الدولتين.

كل جهة فاعلة مؤثرة في الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني تُعلن سعيها للسلام. تُردِّد الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي شعار حلّ الدولتين، وتستند الدول العربية إلى الحقوق الفلسطينية، وتُعلن آيباك دفاعها عن أمن إسرائيل، وتعد أحزاب المعارضة الإسرائيلية بقيادة “مسؤولة” واستقرار. ومع ذلك، فقد ساهم كلٌّ منها، بطريقته الخاصة، في ترسيخ الوضع الراهن المُدمِّر، وحماية إسرائيل من المساءلة وتطبيع الإحتلال الدائم الوحشي، وجعل قيام الدولة الفلسطينية أكثر وهمًا، بينما تُؤجِّج التطرف لدى كلا الجانبين.

الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها الجهة الفعالة الرئيسية
لطالما ردّدت الإدارات الأمريكية المتعاقبة دعمها لحل الدولتين، إلا أن واشنطن، في الواقع، بذلت جهودًا أكبر لدفن هذا الإحتمال بدلًا من تحقيقه. فعلى مدى عقود، حمت الولايات المتحدة إسرائيل من المساءلة الدولية الحقيقية، رافضةً استخدام نفوذها الهائل لإجبار أي تحرك جاد نحو إقامة دولة فلسطينية. وبتحويل “عملية السلام” إلى مجرد طقوس جوفاء، وفّرت الولايات المتحدة غطاءً لوضع قائم لا هو سلمي ولا هو مؤقت.

وفي الوقت نفسه، مكّن الدعم العسكري والمالي والدبلوماسي الأمريكي غير المشروط إسرائيل من التوسع الإستيطاني المتواصل وضمّ الأراضي الفلسطينية تدريجيًا. يُصدر المسؤولون الأمريكيون شكاوى شكلية بشأن المستوطنات، لكن المساعدات المالية والعسكرية استمرت في التدفق، واستمر استخدام حق النقض في الأمم المتحدة، مما يشير إلى أنه لن يتم فرض أي خط أحمر. هذا المزيج السام من الخطابات الرنانة والإفلات من العقاب قد حاصر الشعبين في صراع متجذر لا رابح فيه، وأغلق الباب أمام الصيغة الوحيدة القابلة للتطبيق – حل الدولتين – لإنهاء هذا الصراع.

لقد بدّدت حرب غزة أي أوهام متبقية. فحتى في خضم الدمار الهائل والإتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية، واصلت واشنطن تسليح إسرائيل وحمايتها دبلوماسياً، لتصبح بذلك متواطئة في جرائم الحرب الإسرائيلية. وبكل تأكيد، باسم حماية إسرائيل، عرّضت الولايات المتحدة للخطر الشديد قدرة إسرائيل على البقاء كدولة ديمقراطية وأمنها على المدى البعيد، ممهدةً الطريق لجولة أخرى من الصراع العنيف، مما يضر بإسرائيل.

أوجه قصور الدول العربية
على الرغم من أن الدول العربية لم تملّ من تأكيد عدالة القضية الفلسطينية وضرورة حل الدولتين، إلا أنها لطالما أخفقت في الوفاء بوعودها. فعلى الرغم من امتلاكها ثقلاً استراتيجياً هائلاً – من خلال حجب أو منح الاعتراف الدبلوماسي، وفتح الأسواق والطاقة والمجال الجوي والتعاون الأمني – إلا أنها نادراً ما استخدمت هذه الأدوات لإجبار إسرائيل على الاختيار بين الاحتلال والسلام مع الفلسطينيين. وقد أوحى هذا الفشل لإسرائيل بأنه بإمكانها تطبيع العلاقات مع بعض الدول العربية، على غرار اتفاقيات إبراهيم، مع الحفاظ على سيطرتها على الأراضي الفلسطينية دون المخاطرة بأي رد فعل عنيف.

حتى في مواجهة حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، اقتصرت معظم الحكومات العربية على إصدار البيانات وعقد القمم، وإظهار غضب مُنسق بعناية، دون أن يرقى ذلك إلى مستوى الضغط الفعال. واستمرت الدول العربية التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل في حماية روابطها السياسية والاقتصادية الرئيسية، بينما حافظت دول المواجهة – مصر والأردن – على تنسيق أمني حمى إسرائيل من عزلة استراتيجية حقيقية.

وبفعلها هذا التقاعس في حين أن المخاطر جسيمة، أصبحت الدول العربية، في الواقع، شريكة في إدامة الصراع الذي تدينه. وقد ترك تقاعسها الفلسطينيين بلا درع عربي موثوق، وسمح لإسرائيل بترسيخ الاستيطان والضم، ودفع بحل الدولتين – وهو السبيل الواقعي الوحيد لتحقيق سلام وأمن عادلين لإسرائيل والفلسطينيين على حد سواء – إلى التهميش.

قصر نظر الإتحاد الأوروبي
يُعد الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، ومصدرًا رئيسيًا للاستثمار والتكنولوجيا والشرعية الدبلوماسية. ومع ذلك، فقد رفضت بروكسل بشكل منهجي استخدام هذه النفوذ الكبير لإجبار الفلسطينيين على الاختيار بين الاحتلال والسلام. فبدلاً من ربط الوصول إلى الأسواق، أو التعاون البحثي، أو اتفاقيات الشراكة بمعايير واضحة بشأن المستوطنات والحقوق الفلسطينية، اقتصرت بروكسل إلى حد كبير على الانتقادات والتدابير الرمزية التي تجاهلتها إسرائيل بسهولة. وقد حمى موقف الاتحاد الأوروبي إسرائيل فعلياً من عواقب اقتصادية أو دبلوماسية وخيمة لترسيخ واقع دولة واحدة قائم على الفصل العنصري والهيمنة الدائمة.

وفي الوقت نفسه، ورغم اعتراف بعض دول الاتحاد الأوروبي، بما فيها فرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا، بالدولة الفلسطينية، إلا أنها لم تفعل شيئاً يُذكر لتحويل هذا الاعتراف إلى قوة فعلية؛ إذ تستمر صادرات الأسلحة والامتيازات التجارية مع إسرائيل كالمعتاد. وهكذا، يصبح الاعتراف مجرد إعلان رخيص وغير مكلف بدلاً من أن يكون وسيلة فعّالة على السياسة الإسرائيلية.

وهكذا، ساهم تقاعس الاتحاد الأوروبي في تطبيع الاحتلال وتوسيع المستوطنات، تاركًا الفلسطينيين دون ثقل أوروبي فعّال، مما يجعل حل الدولتين الحقيقي أبعد منالًا، على حساب كل من إسرائيل والفلسطينيين.

الملوميّة على جانب لجنة الشؤون العامة الأمريكية – الإسرائيلية (آيباك)
تقدم أيباك نفسها كصديق لإسرائيل. ومع ذلك، فمن خلال تعزيزها المستمر لأكثر مواقف البلاد تشددًا، حوّلت “المؤيد لإسرائيل” إلى عقيدة جامدة تُساوي بين أي ضغط على الحكومات الإسرائيلية والخيانة، مما يُضيّق نطاق السياسات التي يشعر المشرعون الأمريكيون بالأمان السياسي لدعمها.

دعمت آيباك لعقود طويلة الحكومات الإسرائيلية دون قيد أو شرط الحملات العسكرية موفرةً غطاءً سياسياً لتوسيع المستوطنات وداعيةً لموقف متشدد تجاه الفلسطينيين. وحشدت اللجنة الكونغرس لدعم المساعدات غير المشروطة، ونقل الأسلحة، والحماية الدبلوماسية. وقد ساعد هذا القادة الإسرائيليين على الاعتقاد بإمكانية تعميق الاحتلال والضم الفعلي للأراضي بشكل دائم، مع ضمان الدعم الأمريكي التلقائي.

رفضت أيباك استخدام نفوذها الكبير للضغط من أجل تنازلات سلمية وتسوية إقليمية. وبدلاً من ذلك، جعلت حل الدولتين مجرد شعار أجوف، بينما تدعم السياسات الإسرائيلية التي تجعله مستحيلاً. وبذلك، ساهمت أيباك بشكل مباشر في تفاقم الصراع، وعرضت أمن إسرائيل لتهديد مستمر. ومع ذلك، لم تتخلَّ أيباك عن دعمها الأعمى الذي يُهدد وجود إسرائيل نفسه، وبالتالي يُقوِّض أي فرصة للسلام الإسرائيلي – الفلسطيني.

فشلٌ ذريعٌ لأحزاب المعارضة الإسرائيلية
فشلت أحزاب المعارضة الإسرائيلية في تقديم بديلٍ موثوقٍ ومستدامٍ لنموذج الصراع الدائم الذي يتبناه اليمين، وبذلك أضعفت بشكلٍ خطيرٍ فرص إسرائيل في تحقيق السلام. فبدلاً من التصدّي بقوةٍ لحل الدولتين، يتجنّب معظم قادة المعارضة ذكر عبارة “الدولة الفلسطينية” خوفاً من ردود الفعل الإنتخابية السلبية واتهامهم بالتساهل في المسائل الأمنية. وقد سمح عجزهم السياسي لليمين بتحديد مفهوم “الواقع”، ما حصر الخيارات السياسية في احتلالٍ لا نهاية له وحروبٍ متكررة.

وبذلك، فقد ساهموا بشكلٍ مباشرٍ في المأزق الحالي، مما جعل الصراع أكثر تعقيداً. فبدون حزبٍ رئيسيٍّ مستعدٍّ للقول بأن أمن إسرائيل على المدى البعيد يعتمد على حلّ الدولتين، لا يسمع الجمهور سوى تنويعاتٍ على الرسالة نفسها: إدارة، احتواء، معاقبة، ولكن دون حلٍّ نهائي. هذا التخلي عن المسؤولية يُسلّم النقاش الإستراتيجي إلى نتنياهو المتطرف وأتباعه المتعصبين الذين يُنفّذون ببطءٍ مخططهم لإسرائيل الكبرى الذي من شأنه أن يقضي على أيّ أملٍ في السلام.

ومن الحقائق المُرّة التي تُؤرّق البلاد أن الأحزاب المُعارضة فشلت في التوحّد وتشكيل جبهة مُوحّدة للدفع نحو حلّ الدولتين، حتى بعد حرب غزة التي أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك أنه بعد ما يقرب من ثمانين عامًا من الصراع، لن يُوفّر لإسرائيل الأمن المُطلق إلا السلام. يشعر كل زعيم من هذه الأحزاب بأنه الأجدر بمنصب رئيس الوزراء، لكنه فشل فشلاً ذريعًا في تقديم خطط واقعية لإنهاء الصراع.

وبفشلها في توحيد الإسرائيليين وتنظيمهم وتثقيفهم وحشدهم حول رؤية واضحة لحلّ الدولتين، تُقوّض هذه الأحزاب أمن إسرائيل وتُضعف مكانتها الدولية وتُعرّض مستقبلها كدولة يهودية ديمقراطية للخطر.

إن سجلّ هؤلاء الخمسة المُساهمين في هذا الصراع مُدمّر. لقد جعلوا السلام العادل أبعد منالًا، ودفعوا إسرائيل بشكلٍ مُحفوف بالمخاطر نحو واقع دولة واحدة قائم على الفصل العنصري لا يُمكنها تحمّله أخلاقيًا أو ديموغرافيًا أو استراتيجيًا، بينما تخلّوا عن الفلسطينيين ليُواجهوا أشدّ أنواع الإحتلال وحشيةً والا إنسانية.

يجب عليهم تغيير مسارهم الآن، وإلا سيحكمون على الإسرائيليين والفلسطينيين بأجيال من إراقة الدماء التي ستمحو سبب وجود إسرائيل وتقضي على القومية الفلسطينية.