لا توجد هناك تجربة سياسية تاريخية معاصرة أو غير معاصرة تشير الى وجود استقرار مجتمعي في بلد ما، إن لم تكن الدولة كمفهوم عقد إجتماعي محتكر
للسلاح. وإحتكار الدولة للسلاح يعني إمتلاكها لوسائل العنف الذي هنا يبدو شرعيا، لكن السؤال : هل ستنجح الدولة في هذه الحالة من تطبيق القانون او العدالة، وإن طبقتهما فهل ستنجح في تحقيقها..؟
يشاع أنّ العراق بلد ديموقراطي، وعليه يجب على الدولة تطبيق القانون بعدالة ومساواة، من خلال إحتكار السلاح تحت رقابة صارمة وقوانين نافذة وقضاء مهني ومحايد وعادل. والشروط الثلاثة لا تتوفر في الدولة العراقية لهذه اللحظة، على الأقل في مجال حديثنا هنا. لكن احتكار السلاح من قبل الدولة سيكون اداة قمع عند عدم توفر نفس الشروط اعلاه.
لازالت مشكلة السلاح المنفلت تشكل ارقا في المجتمع العراقي، الذي لم يذق طعم الأستقرار السياسي منذ عقود طويلة. والسلاح الذي يمتلكه الافراد يمكن تسميته بسلاح منفلت، كونه يستخدم في نزاعات شخصية او عشائرية، ونتائجها تكون مؤثرة على السلم الأهلي، أي قد تكون لحدود ما بعيدة عن الشأن السياسي. الا أن السلاح الذي تمتلكه الميليشيات ليس بسلاح منفلت بل "شرعي"، ومحمي بالقانون ومؤثر وفاعل في الشأن السياسي.
الحشد الشعبي جزء من القوات المسلحة العراقية، ويعمل تحت إمرة القائد العام للقوات المسلحة أي رئيس الوزراء. والحشد الشعبي ينقسم الى فصائل تلتزم ظاهريا بأوامر الدولة، وأخرى ولائية. وكلاهما يتلقى تمويلهما من خزينة الدولة. وهنا تظهر حالة علينا الوقوف عندها قليلا، وهي أن منتقدي السلطة التي تهيمن على ادارة الدولة، مطالبة بتصحيح نهجها الخاطيء في ادارة البلاد تعتبر عدوة لها. وهنا تتحرك السلطة كأداة قمع باستخدام عنفها ضد منتقديها المطالبين بالتغيير، وأحدى أدوات قمعها هم فصائل الحشد الشعبي، الولائية منها وغير الولائية، وأجهزة الشرطة والجيش وغيرها من التشكيلات المسلحة. وقد شهدنا اشكال القمع المختلفة من قبل السلطة واذرعها، اثناء تظاهرات واعتصامات وانتفاضات عديدة كانتفاضة تشرين اول / اكتوبر عام 2019 . ولاحقت اذرع السلطة المرئية وغير المرئية الناشطين السياسيين لقتلهم ومطاردتهم، واعترف بعضهم بجرائمه اثناء المحاكمات النادرة التي اجريت لعدد قليل منهم.
أن منفذي جرائم الأغتيال كانوا ملثمين عادة، الا أن بعض الجرائم ولزراعة الرعب في صفوف المعارضين ، ولمعرفتهم المؤكدة بعدم محاسبتهم من قبل السلطة والقضاء، تراهم ينفذون جرائمهم مكشوفي الوجه، كما في محاولة اغتيال الناشط السياسي ضرغام ماجد في مدينة الحلة قبل ايام، ما ادى الى اصابته برصاصة انطلقت من غدّارة في ساقه. وهنا وفي مثل هذه الحالة، لا يعود القاتل بحاجة إلى قناع. فحين يكون االافلات من العقاب مضمونا، تنتقل الجريمة من السر إلى العلن، ويصبح تنفيذها مكشوف الوجه امرا ممكنا. وهنا لا يكون القاتل وحده دون قناع، بل السلطة نفسها دون قناع.ِ
غدّارة البعثيين كان اسمها بور سعيد، فما اسم غدّارة الاسلاميين يا ترى....؟
الدنمارك
22/4/2026