في عام 1992 تعرفت على شاب جامعي من مدينة البصرة في موسكو وصرنا أصحاب وذات يوم سألته ..هل تعرف الشاعر سعدي يوسف ..! تفاجأ وأراد توضيح المزيد ..قلت له أنه شاعر عراقي ومن مدينتك البصرة ..فهل سمعت عنه او تعرفه ..! أجاب لا والله لا أعرفه ولم اسمع بإسمه !..تعجبت مما سمعت وصرت أشرح له عنه وعن شعره وتوجهه السياسي ..ألاخ ..رد عليّ يجوز هذا واحد من جماعتكم ..! قلت له أن سعدي شاعر مهم وله دواوين واشعار معروفة عند الكثير من الناس وخاصة المثقفين ..المهم من كلامي وتعجبي في شاب جامعي لا يعرف الشاعر سعدي يوسف ..فكيف الحال عند بقية ابناء الشعب العراقي وخاصة الناس البسطاء ..ولكن هذا التقصير مقصود من قبل النظام السابق للتعتيم على المبدعين وخاصة الكتّاب والشعراء المناهضين للنظام علماً أن عدداً منهم جرى منع تداول نتاجاته الشعرية والادبية ومنع بيعها في المكتبات ..! وهنا الحديث عن الشاعر بلند الحيدري الذي يعتبر بحق من رواد الشعر الحر الاوائل والذي سوف تمر ذكرى عيد ميلاده المئة في سبتمبر القادم وخلال بضعة شهور قادمة, ..فهل يعرفه ابناء شعبنا , وهل قرأ أحدهم قصيدة له , وهل تم تداول دواوينه ونتاجاته الشعرية ..! الجواب هو ربما بعضهم قرأ له وممكن بسرية تامة لأنه من غير المحسوبين على النظام وأبواقه واجهزته الحزبية والامنية ..ولد الشاعر الكبير بلند الحيدري في 26 ايلول عام 1926 في العاصمة بغداد لعائلة كردية فيلية متمكنة مادياً إلاّ أن والديه انفصلا عام 1940 وكان والده يعمل ضابطاً في الجيش العراقي وبعد سنتين ماتت والدته التي كان الحيدري متعلقاً بها كثيراً وصارت العائلة تعيش في بيت الجدة والدة ابيه لكنه لم ينسجم مع محيطه الجديد وقوانينه الصارمة وحاول الانتحار وترك مدرسته المتوسطة في ثانوية التفيض ببغداد ..ثم قرر الخروج من البيت وبدأ حياة التشرد المفروضة عليه ..وهو ابن السادسة عشر ..! وفي عام 1945 توفى والده ولم يسمح له السير بجنازته ..! وصار الشاعر ينام تحت الجسور وإشتغل عرضحالجي اي من كتّاب العرائض بحيث أنه كان يجلس ويمارس هذا العمل أمام وزارة العدل التي كان خاله داود الحيدري وزيراً لها ..! بسبب تحديه للعائلة وعلى الرغم من حالة التشرد الذي رافقت حياته إلاّ أنه صار يهتم كثيراً بتثقيف نفسه والذهاب كل يوم الى المكتبة لاقتناء الكتب والسهر لساعات متأخرة من الليل والانكباب على المطالعة وقد كون صداقة مع حارس المكتبة الذي سمح له بالبقاء طويلاً فيها والاستزادة بما تحتويه من روايات وقصص واشعار ودراسات مهمة فدرس الادب العربي والنقد والتراث والفلسفة .وتبنى الوجودية لفترة من الزمن ثم تحول الى الماركسية وصار ينظم الشعر الحر وأبدع فيه بحيث أنه في عام 1946 أصدر ديوانه الاول ..خفقة الطين ..الذي سبق فيه عدد من الشعراء ومنهم نازك الملائكة وبدر شاكر السياب وصلاح عبد الصبور وعبد المعطي حجازي وعبد الوهاب البياتي والشاعر البياتي أيضاً نحتفل هذا العام بمئويته كما هو الحال للشاعر بلند الحيدري الذي عاش حياة غير مستقرة من خلال التشرد والفاقة وكانت علاقته بأخيه الاكبر صفاء المتمرد الوجودي , تشوبها المنافسة بحيث أنه كان ملاكماً فصار بلند ملاكماً وأنه كان ينظم الشعر ويتحدى به بلند لكن بلند صار شاعراً وتفوق عليه في الكتابة والشهرة ..الخ وفي عام 1963 حينما حدث انقلاب 8 شباط البعثي تم القاء القبض عليه وزج بالسجن وحكم عليه بالاعدام لكنه نجى من تنفيذ الحكم ضده وصار يتنقل بين سوريا ولبنان واليونان والعراق الى ان استقر به المقام في لندن التي لفظ انفاسه الاخيرة فيها حينما أجرى عملية للقلب حيث فارق الحياة في 6 آب عام 1996 عن عمر يقترب من السبعين عاماً ..الف الشاعر وكتب عدة دواوين ومنها أغاني المدينة الميته عام 1951 وديوان جئتكم مع الفجر عام 1961 وديوان خطوات في الغربة عام 1965 وديوان رحلة الحروف الصفر عام 1968 وديوان اغاني الحارس المتعب عام 1971 وغيرها من الدواوين الكثيرة والمنتشرة في عدة بلدان وخاصة في سوريا ولبنان ..الحديث يطول كثيراً عن الشاعر المبدع الراحل بلند الحيدري لكني هنا اردت الاشارة الى ضرورة الاهتمام بالحدث الكبير القادم في ايلول والذي يصادف ذكرى مرور مئة عام على مولده وأشير الى ضرورة اخذ هذه المناسبة بجدية وبما يستحقه الشاعر من قبل وزارة الثقافة ووزارة الاعلام والاتحاد العام للكتاب والادباء العراقيين لتعريف الجمهور العراقي بإبن وطنهم البار الشاعر الكبير بلند الحيدري وأن تعمل الجهات الثقافية العراقية على نشر دواوينه ونتاجاته الشعرية وأقترح ان يتم إقامة نصب تذكاري له وهو يستحق أفضل تكريم ..المجد للشاعر الخالد بلند الحيدري
إحياء ذكرى الشاعر العراقي بلند الحيدري