"مصافحة الأيدي الملطخة بالدم ،
دليل على الشراكة في الجريمة "
إنّ الحروب التي فُرِضت علينا قديماً وحديثاً، وما نتج عنها من معاناة، ليست بالأمر الهيّن أو المستجدّ. فالدفاع عن النفس في مواجهة الخطر والعدوان غريزة أساسية وطبيعة متأصلة في جميع الكائنات الحية؛ من حيوانات ونباتات وحتى كائنات دقيقة، وذلك لضمان البقاء والاستمرار.
إنّ صدّ العدوان والدفاع عن النفس هو صراعٌ غريزيٌّ غير واعٍ من أجل البقاء، أما مقاومة الإنسان للعدوان الواقع عليه فهي مقاومةٌ بدافع غريزة حب الحياة الإنسانية الكريمة والواعية، لا الحياة البهيمية. فالإنسان هو أرقى الموجودات على وجه الأرض، ورقيّه يكمن في تميّزه عن غيره بما حباه الله من عقلٍ وضميرٍ وكرامةٍ؛ وهي خصالٌ تمثّل القيمة الجوهرية للإنسان، وبدونها يتحول إلى مجرد كتلةٍ متحركةٍ من اللحم في مستوى أدنى من الحيوان.
يُعدّ العقل آلة الإدراك ومناط المسؤولية؛ فهو مركز التفكير لدى الإنسان، والمسؤول عن التمييز بين الصواب والخطأ، والعدو والصديق، والشر والخير، والحق والباطل، والنور والظلمة، والقبح والجمال.
الميزة الثانية هي الضمير؛ تلك الطاقة الخلاقة التي ترفض فعل الشر وكل تصرف قبيح أو مؤذٍ للنفس أو للآخرين. وتؤدي هذه الطاقة الخيرة الكامنة في كيان الإنسان دوراً جوهرياً في بناء شخصية سوية. أما الكرامة، فهي أسمى درجات إدراك قيمة الذات، وهي وعي المرء بحريته وعزته، وتقديره لنفسه بما يحول بينه وبين قبول الإهانة أو الدنايا. إن الكرامة ليست مجرد شعور، بل موقف أخلاقي يحدد كيفية تعامل الفرد مع نفسه ومع الآخرين، وتعني إدراك الإنسان لقيمته الحقيقية واستحقاقه للاحترام لذاته.
تُمثّل هذه الخصال الثلاث البوابة الأولى التي يعبر من خلالها الإنسان نحو قيمٍ أرقى، تُرتقي به إلى رحاب الكمال والمثل العليا. في المقابل، نجد أفراداً يتمتعون برجاحة العقل وعلو الوعي، لكنهم يفتقرون إلى أدنى مستويات الضمير الإنساني، ومن لا ضمير له فلا كرامة له. هؤلاء هم من يشهدون الظلم ولا ينبسون ببنت شفة، فينطبق عليهم قول: (الساكت عن الحق شيطان أخرس). وعلى النقيض من ذلك، نجد أصحاب الضمائر الحية والأحرار الذين لا تأخذهم في الحق لومة لائم، حتى وإن قدموا حياتهم ثمناً لمواقفهم.
إن الذين لا ضمير لهم، يختبئ في جلودهم وحوش مفترسة. وما نعانيه اليوم من عدوان شرس يمارسه هؤلاء الذين يسعون لسلب أرضنا التي ولدنا عليها، وانتزاع حقوقنا، وقتل أبنائنا وأطفالنا وشيوخنا ونسائنا؛ يريدون منا الاستسلام وترك المقاومة، وأن نكون عبيداً أذلاء بلا إرادة. غير أن الأحرار لا يقتدون إلا بالأحرار، ولا يأبهون لكثرة العدو أو قوته. وتزخر صفحات تاريخنا بقصص البطولة والفداء، وتعد واقعة الطف في كربلاء أعظم هذه القصص؛ إذ وقف الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه وأهل بيته بعدد محدود جداً في مواجهة جيوش هائلة. ومن وسط تلك الواقعة انطلقت صرخة حق يتردد صداها عبر الزمن؛ إذ يُروى أن علياً الأكبر ابن الإمام الحسين سأل أباه قبل بدء المعركة: "يا أبتِ، ألسنا على الحق؟" فأجابه:
قال: "بلى، والذي إليه مرجع العباد". فردّ عليه علي الأكبر: "إذاً لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا". تعكس هذه العبارة إيمان الأحرار في كل زمان ومكان بصوابية نهجهم؛ لذا فهم لا يخشون الموت، سواء سعوا إليه أو وقع عليهم. وهذا ما نشهده اليوم من مقاومة باسلة في اليمن والعراق وإيران ولبنان في وجه العدوان الصهيو-أمريكي. أما أولئك الذين يقفون بالضد من هذه المقاومة، من أنصاف الرجال وأشباه المثقفين والأقلام المأجورة والأصوات النكرة التي تهاجم المقاومة وتسيء إليها، فهم زمرة فقدت ضميرها وكرامتها، وباتت مجرد أدوات مأجورة.
للأسف الشديد، إن ما تقوم به الحكومة اللبنانية في ظل هذه الظروف الصعبة من صمت تجاه الجرائم التي يرتكبها العدو الصهيوني أمام أعينهم يعد أمراً مشيناً. وأقول لرئيس الجمهورية اللبنانية، سيادة العماد جوزيف عون: بصفتك رجلاً عسكرياً وابناً للمؤسسة العسكرية اللبنانية الشجاعة، فإنك تدرك أن صفات رجل الجيش هي الشجاعة والأمانة والغيرة على الوطن والدفاع عنه؛ لذا، فمن غير المنطقي أو المقبول أن يتم التصافح مع أعداء الوطن وقتلة الشعب، فالمحن هي التي تظهر معادن الرجال. أليس من المستغرب أن تُتخذ قرارات تتعارض مع مواقف المقاومة وتطلعات الشعب في هذا الوقت العصيب؟
كما أتوجه إلى رئيس وزراء الجمهورية اللبنانية، السيد نواف سلام، فأقول: إنك رجل قانوني مشهود له بالخبرة في قضايا العدالة وحقوق الإنسان، وتدرك أهمية عدم الخلط بين الظالم والمظلوم أو بين المجرم والضحية. فهل يليق بمقامك أن تتجاهل معاناة الضحية وتصافح يداً تلطخت بدماء إخوتك وأبنائك وأطفالك؟ إنك قامةٌ سياسية واعية، ولست ممن يفتقرون إلى الخبرة والحكمة في التعامل مع القضايا المصيرية.
سادتنا الأفاضل، ما زال التاريخ حيّاً يوثق ذكرى الخونة الذين تآمروا على الشعب والوطن والقضية، أمثال العميل المقبور سعد حداد، والعميل أنطوان لحد الذي لاذ بالفرار إلى أحضان أسياده الصهاينة ذليلاً مهاناً. ولذا، أوجه إليكم ثلاثة أسئلة: 1- هل تخشون على أنفسكم ومناصبكم؟
2- هل وقعتم في فخ العمالة دون أن تشعروا؟
3- أم أن دافعكم ليس حب لبنان، بل الحقد والضغينة على حزب الله والمقاومة؟
راجعوا أنفسكم أيها السادة قبل أن " يقع الفأس بالرأس " وقبل فوات الأوان.
13/5/2026