سينا رايش وإنديجو دراو(*)
انقسامٌ عميقٌ، ذو عواقب وخيمة.
إن صعود حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) يذكّر بتاريخ ألمانيا قبل عام 1933. وما الذي أخطأت فيه القوى اليسارية آنذاك.
أحياناً ينتاب المرء شعور بالقلق عندما ينشغل بتاريخ اليسار. ففي أثناء التحضير لحلقات البودكاست، نعيش لأيام طويلة داخل الماضي. نقلب الكتب التي دوّن فيها أولئك الذين ناضلوا قبلنا أفكارهم ومشاعرهم ونقاشاتهم الاستراتيجية أو حتى أحاديثهم في الحانات. وكذلك الأسئلة التي طرحوها على أنفسهم آنذاك بإلحاح شديد. وما يثير القلق في ذلك هو أن ما كان ينبغي فعله يبدو واضحاً غالباً عند النظر إلى الماضي، لكنه لم يكن واضحاً إطلاقاً في اللحظة التاريخية نفسها. وهكذا ارتُكبت أخطاء تاريخية، رغم وجود أفضل الحجج وأوضح التجارب وأصدق النوايا.
وما يثير القلق أيضاً هو التساؤل عن الكيفية التي سيبدو بها حاضرنا عندما يصبح يوماً ما جزءاً من التاريخ. عندما ينظر القادمون بعدنا إلى زمننا، ويعيدون بناء نقاشاتنا، ويرون الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا بوضوح مختلف. وهذه الأسئلة لن تكون بالنسبة لهم شيئاً بعيداً في الماضي، بل ستكون المادة التي صيغ منها حاضرهُم هم أنفسهم.
هذا الشعور بالقلق بالذات رافقنا أثناء البحث في حلقتنا الأخيرة من البودكاست حول مناهضة الفاشية البروليتارية. فقد بدا الاطلاع على النقاشات داخل الحزب الاجتماعي الديمقراطي (SPD) والحزب الشيوعي الألماني (KPD) والأحزاب الأصغر في الحركة العمالية قبل عام 1933 معاصراً بصورة مقلقة. وعند النظر إلى الماضي، يرغب المرء في الصراخ في وجه المشاركين في تلك النقاشات: كان ينبغي على جميع قوى اليسار أن تتوحد ضد الحزب النازي (NSDAP)!
لكن في ظروف ذلك الوقت، كان من الصعب إدراك ضرورة الجبهة الموحدة، وكان من الأصعب بكثير فرضها عملياً. فقد جعل “مايو الدامي” عام 1929، حين قام رئيس شرطة برلين المنتمي إلى الحزب الاجتماعي الديمقراطي بقمع المظاهرات في الأحياء العمالية بوحشية دموية، ويبدو أن ذلك قد جعل الفجوة بين الطرفين غير قابلة للردم. وبعد ذلك حظر الحزب الاشتراكي الاجتماعي أيضاً “رابطة الجبهة الحمراء المقاتلة”، وهي المنظمة الدفاعية التابعة للحزب الشيوعي الألماني. وفي حين منع الاجتماعيون الديمقراطيون أعضاءهم من التعاون مع الشيوعيين لأنهم كانوا يُفقدون لهم الأصوات في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية، وكان الحزب الشيوعي الألماني خاضعاً لقيادة ستالين متبنياً أطروحة “الفاشية الاجتماعية”، التي اعتبرت أن الاشتراكية الديمقراطية جزء من الفاشية.
إذن كانت هناك هوة عميقة ذات عواقب كارثية.
في عام 1932 ارتفع عدد أعضاء الحزب النازي (NSDAP) إلى 1.2 مليون عضو، بينما بلغ عدد أعضاء ميليشيا “إس آيه” (SA) آنذاك 450 ألفاً. في المقابل، كان للحزب الاجتماعي الديمقراطي (SPD) مليون عضو، وللحزب الشيوعي الألماني (KPD) 360 ألف عضو. أما الاتحاد العام لنقابات العمال الألمانية فكان يضم أربعة ملايين عضو. وبالطبع كانت هناك عضويات مزدوجة، لكن رغم ذلك كان هناك عدد هائل من العمال المنظمين ضمن قوى اليسار.
ولفهم ميزان القوى، لا يكفي بطبيعة الحال مجرد مقارنة أعداد الأعضاء ببعضها البعض. فالعامل الحاسم هو عدد الأعضاء في الصناعات الأساسية، وكذلك خبرتهم واستعدادهم للإضراب هناك. كما كان ينبغي تحليل ميزان القوى داخل أجهزة الأمن التابعة للدولة نفسها. ومع ذلك، ففي عام 1932 لم تكن الحركة العمالية قد أصبحت أضعف بشكل واضح بعد. لكن قيادتها ارتكبت خطأً تاريخياً: لقد قللت من خطورة الحكم النازي الوشيك، ولذلك لم تتوحد في مواجهته.
ومن المثير للاهتمام أن التنظيمات الصغيرة وغير المؤثرة نسبياً هي التي رأت الوضع بوضوح أكبر وناضلت من أجل جبهة موحدة. ومن بينها التروتسكيون، الذين نظموا أنفسهم بوصفهم فرعاً من فروع المعارضة اليسارية الأممية، وكذلك “الرابطة الاشتراكية النضالية الدولية” (ISK)، وهي حزب صغير جداً كان يسعى إلى اشتراكية أخلاقية، وكان معاصروه يصفونه غالباً بأنه أشبه بطائفة أو جماعة دينية.
إن عدم تورط هذه المجموعات في صراعات السلطة السياسية، وتخليها عن التصور الماركسي الجامد للتاريخ، ساعدها على رؤية الوضع بوضوح أكبر.
من البديهي أن حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) ليس هو الحزب النازي (NSDAP)، وأن عام 2026 ليس عام 1932، وأن التاريخ لا يعيد نفسه بالطريقة ذاتها تماماً. وللأسف، لا يمكننا أيضاً السفر مئة عام إلى المستقبل لكي نرى وضعنا الحالي بوضوح أكبر.
ومع ذلك، يترك الأمر شعوراً خانقاً عندما نتحدث مع الناس في شوارع مدينة إيرفورت عن التحرك القادم لتحالف "المقاومة") ضد المؤتمر الاتحادي لحزب البديل من أجل ألمانيا، ثم نسمع الحجج نفسها التي وردت في كتب التاريخ:
«دعهم فقط يحكمون، وسينكشف زيفهم لأنهم أيضاً لن يتمكنوا من حل المشكلات الاقتصادية.»
أو: «هذا العنف لا يمكن أن يتحول إلى سياسة دولة. لدينا قوانين تحمينا من ذلك.»
وما يجعل هذا الأمر مقلقاً إلى هذا الحد هو أنه كان واضحاً حتى قبل هتلر أن العنف الإبادي كان جزءاً من منطق الدولة الاستعمارية الألمانية. ولأن الحزب النازي (NSDAP) أظهر أنه قادر على تجاوز دوره بوصفه مجرد ممثل عام لمصالح رأس المال، وأنه استطاع، من خلال منطق فاشي خاص به، أن يحل مشكلة البطالة إلى حدٍّ مكّنه من دمج قطاعات واسعة من السكان. ولأن السبب الرئيسي الذي يجعل حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) ليس هو الحزب النازي (NSDAP)، هو أنه لا تقف خلفه حتى الآن حركة جماهيرية تمتلك تشكيلات شبه عسكرية. وليس لأن جوهره الفاشي لا يتبنى أيديولوجيا تدميرية مشابهة.
سينا رايش وإنديجو دراو(*): ناشطتين في الحركات الاجتماعية لسنوات عديدة.