عاد الحديث مجدداً ـ هنا وهناك ـ وبنبرةٍ يختلط فيها الألم بالمرارة، عن أولئك المثقفين الذين ذاقوا قسوة سياسات حزب البعث العفلقي، واستعادوا صور الحيف الذي لحق بهم، في مقابل صعود آخرين ممن أتقنوا فنّ التلوّن؛ فخلعوا «الزيتوني» سريعاً، وارتدوا ألوان المرحلة الجديدة، متربّعين على مواقع التأثير في المشهد الثقافي، ليتحوّلوا ـ في مفارقةٍ فادحة ـ إلى أوصياء على ضحايا الأمس، وحراسٍ لذاكرةٍ حاولوا طمسها يوماً.

هذه المفارقة المؤلمة لا تزال تلقي بظلالها الثقيلة على واقع الثقافة العراقية، وتطرح أسئلةً ملحّة عن العدالة والذاكرة والمسؤولية؛ فهي ليست مفارقة عابرة، بل خللٌ بنيوي في ميزان العدالة الثقافية. إنها لحظة اختلال تصبح فيها الذاكرة ساحة صراع لا مساحة إنصاف، وتتحول فيها الثقافة من فعلٍ نقدي إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة.

في هذا السياق، تُطرح "ثقافة الاعتذار" لا بوصفها خياراً أخلاقياً، بل اختباراً حقيقياً لصدقية المثقف. ومع ذلك، يخرج علينا من يطالب بالتسامح، ويعزف على وتر "عفا الله عما سلف"، وكأن الذاكرة عبءٌ يجب التخلّص منه، لا حقٌّ يجب صونه. وهنا لا بد من طرح السؤال بوضوح: أيّ تسامحٍ هذا الذي يُطلب بلا اعترافٍ بالخطأ؟ وأيّ مصالحةٍ تُبنى على إنكار؟

إن استدعاء حكاية "شجرة البلوط" لم يعد مجرد استعارة، بل توصيفاً دقيقاً؛ إذ شكت شجرة بلوط صغيرة إلى أمها، شجرة البلوط الضخمة، قائلة: (ألا ترين يا أمي كيف تنكّل هذه الفأس الحادة بنا ـ نحن الشجيرات ـ تنكيلاً وحشياً لا رحمة فيه؟). فأجابتها الأم هازّةً أغصانها الجبّارة: (يا ابنتي، هذا لأن مقبض الفأس مصنوع من خشب البلوط!). بعض المثقفين لم يكونوا ضحايا فقط، بل كانوا ـ بدرجات متفاوتة ـ جزءاً من آلة القمع البعثي الصدامي، أدواتها الناعمة وأصواتها المبرِّرة. لقد أسهموا في تزييف الوعي، وتسطيح الإدراك الجمعي، وتهيئة التربة لكل ما نعانيه اليوم من تشظٍّ فكري وانحدارٍ قيمي.

لكن، وبرغم ذلك، فإن العدالة تقتضي التمييز. لا يجوز ـ أخلاقياً ولا قانونياً ـ وضع الجميع في خانة واحدة. فهناك من تورّط عن قناعة، وهناك من انكسر تحت الإكراه، وهناك من صمت لينجو. غير أن هذا التمييز لا يعني الإعفاء، بل يعني تحديد المسؤولية بدقة؛ فالمسؤولية ليست شعاراً، بل مفهوم يقوم على القصد والفعل والأثر.

من هنا، تصبح "ثقافة الاعتذار" خطّاً فاصلاً: إما مواجهة صريحة مع الماضي، أو استمرارٌ مقنّع فيه. فالمثقف الذي سوّق للحروب، أو زيّن وجه الاستبداد، لا يملك ترف القفز فوق تاريخه. الاعتذار ليس خياراً تجميلياً، بل استحقاق أخلاقي، وأقرب إلى إقرارٍ بالذنب في ميزان الوعي العام. ومن دون هذا الإقرار، يفقد أي حضورٍ لاحق شرعيته المعنوية.

وفي كل مرة يُثار هذا النقاش، يُستدعى اسم نيلسون مانديلا (1918–2013) بوصفه أيقونة التسامح. حسناً، لا أحد يختلف على عظمة هذه التجربة، لكن ما يُتجاهل عمداً هو أن تسامح مانديلا لم يكن عفواً ساذجاً، ولا غفراناً مجانياً. لقد قام على معادلة صارمة: الحقيقة مقابل العفو، والاعتراف مقابل التسامح. لم تكن هناك مصالحة بلا كشفٍ للجرائم، ولا عفو بلا مواجهةٍ علنية مع الماضي.

بعبارة لا تحتمل الالتباس: لا تسامح بلا اعتذار، ولا اعتذار بلا اعتراف. وكل حديث عن "فرصة ثانية" خارج هذا السياق ليس سوى محاولة للالتفاف على المسؤولية، وإعادة تدوير الوجوه ذاتها في مشهدٍ جديد. إن من يطالب اليوم بالتسامح دون أن يعتذر يشبه من يطلب البراءة دون محاكمة. ومن يتحدث عن طيّ الصفحة دون أن يقرأها أولاً، إنما يكتب فصلاً جديداً من الإنكار. فالاعتذار ليس إهانة، بل تطهّر؛ وليس ضعفاً، بل شجاعة نادرة. إنه لحظة اعتراف تعيد للذات توازنها، وللمجتمع ثقته. وأما الإصرار على الصمت، أو الاحتماء بخطاب الضحية، أو التسلّق فوق فوضى الواقع، فليس سوى استمرارٍ في الخداع، ولكن بلغةٍ مختلفة.

الأخطر من ذلك أن غياب الاعتذار يترافق مع صعود خطاب الكراهية، المستتر تحت لغةٍ طائفية وروح تعصّبٍ إثني، والذي يتخفّى أحياناً وراء شعارات الحرية، بينما هو في جوهره تحريضٌ مقنّع. هذا الخطاب، بلغة القانون، ليس رأياً، بل مساهمة مباشرة في تقويض السلم المجتمعي. ومن يروّج له، أو يصمت عنه، لا يمكن أن يُعفى من مسؤوليته الأخلاقية، وربما القانونية أيضاً.

إن بناء ثقافة عراقية معافاة لا يمر عبر النسيان، بل عبر المواجهة. لا يقوم على الانتقام، بل على العدالة. ولا يُبنى على تسامحٍ مجاني، بل على اعترافٍ صريح. فالمصالحة الحقيقية ليست صفقة سياسية، بل عملية أخلاقية معقّدة تبدأ من الاعتذار، ولا تنتهي إلا باستعادة الثقة.

في النهاية، ليست القضية من كان على حق، بل من يملك الشجاعة ليقول: أخطأت. وحتى يحدث ذلك، ستبقى "ثقافة الاعتذار" غائبة، وسيبقى انتهازيو الثقافة يبدّلون أقنعتهم… فيما تظلّ الوجوه على حالها.