نتيجة الفوضى التي تعيشها بغداد في ظل نظام المحاصصة، وتلك التي عاشتها أثناء هيمنة البعث على السلطة بسبب حروبه العبثية ودكتاتوريته والحصار والقمع، ارتفعت أصوات تحمّل ثورة 14 تموز وزعيمها عبد الكريم قاسم مسؤولية كل الخراب الذي يعيشه العراق اليوم. وكأن العراق قبل ثورة تموز كان يعيش حياة ديمقراطية حقيقية، أو أن الثورة التي يسمّيها البعض انقلابا (لا مجال لبحث هذه المسألة هنا) كانت أول انقلاب يشهده العراق، أو أن الشعب العراقي قبلها كان يعيش حياة كريمة لا فقر فيها ولا أمراض كالسل الذي كان يفتك بفقراء العراقيين، ولا مرض القَسط (مرض تصلب المفاصل)، ومازال ، رفيقا ملازما ابدا للفلاح كما كتب بطاطو، ولا أمية، وكأن المدارس والمستشفيات كانت متوفرة في أجزاء واسعة من الريف!
هناك بلا شك انتقادات مشروعة لسياسات تلك المرحلة في موضوعة هجرة الفلاحين الى المدن ومنها بغداد، ومنها حكومة ثورة تموز، إذ استمرت الهجرة الريفية في عهدها أيضا، ومنها طبيعة الفوضى العمرانية والاجتماعية والخدمية التي عاشتها بغداد وتعيشها اليوم، لكن السؤال الجوهري هو: من المسؤول عن هذه المشاكل؟ هل هي الدولة التي يفترض بها التخطيط والمعالجة وتقديم الخدمات، أم الفقراء الذين هاجروا من الريف إلى العاصمة بحثا عن حياة أفضل؟ وهل يجوز تحميل الشراگوه، ومن خلالهم عبدالكريم قاسم وثورة تموز مسؤولية كل ما آلت إليه أوضاع بغداد؟
إن الفوضى التي تعيشها بغداد ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج تراكمات اجتماعية وسياسية ممتدة لعقود، بدأت مع تأسيس الدولة وليومنا هذا. فالعهد الملكي نفسه كان سببا رئيسيا في موجات الهجرة الريفية إلى العاصمة بفعل هيمنة الإقطاع وأضطهاد الفلاحين وهدر كرامتهم، وغياب برامج حكومية في الأرياف، ثم جاءت الأنظمة الجمهورية المتعاقبة لتضيف إلى ذلك أعباء الحروب والقمع والفقر والحصار وسوء الإدارة.
ولا يعني ذلك أن سياسات ثورة تموز، ومنها قانون الإصلاح الزراعي، لم تكن موضع نقاش أو نقد بشأن آثارها الاقتصادية والاجتماعية. لكن هذا يختلف كليا عن الادعاء بأن الهجرة بدأت مع عهد قاسم أو أنه هو من جلب الشراگوه إلى بغداد، فالهجرة كانت قائمة ومتسارعة قبل وصوله إلى السلطة بشهادة الإحصاءات الرسمية نفسها.
وسنتناول هنا مسألة تتكرر كثيرا في الخطاب المعادي لعبدالكريم قاسم وشتمه، وهي الادعاء بأنه هو من جلب الشراگوه إلى بغداد وأسكنهم فيها، وأنهم وأياه سبب خرابها.
لقد وصل قاسم إلى السلطة رئيسا للوزراء عام 1958، بينما كان كثير ممن يُطلق عليهم الشراگوه يسكنون أطراف بغداد منذ العهد الملكي، بعد أن دفعهم الفقر والإقطاع إلى الهجرة. ولم تكن هذه الهجرة نتيجة لثورة تموز، بل سبقتها بسنوات طويلة.
ويشير حنا بطاطو إلى أنه "خلال فترة لا تتجاوز عشر سنوات (1947-1957) هاجر إلى لواء بغداد وحده ما لا يقل عن 205765 نسمة"، ويضيف أن هذه الحركة السكانية الكبيرة "احدثت خللا في الاقتصاد، واستنزفت قوة العديد من المناطق الريفية، وأثقلت كاهل العاصمة بالسكان والمشكلات". كما يذكر، استنادا إلى إحصاء عام 1957، أن عدد السكان الذين كانوا يعيشون في لواء بغداد وكانوا قد ولدوا خارجه بلغ 378996 شخصا، أي ما نسبته 29% من سكان اللواء.
وهذه الأرقام وحدها كافية لتفنيد فكرة أن عبدالكريم قاسم هو من تسبب بهذه الهجرة. فالتوسع السكاني الكبير حول بغداد كان قد حدث بالفعل قبل ثورة تموز، وكانت الأحياء الفقيرة قائمة ومتمددة قبل وصوله إلى الحكم.
ولم تكن هذه الهجرة مجرد أرقام وإحصاءات، بل كانت تعبيرا عن معاناة إنسانية عاشها الفلاح العراقي بين الفقر وظلم الإقطاع، وقد عبّر عنها الفلاح المعدم بمرارة حين قال:
"وأريد أشرد لبغداد من هالفلاحة..
لا تشبع الجوعان، لا بيها راحة"
فالهجرة إلى بغداد لم تكن رفاهية ولا خيارا سهلا، بل كانت في كثير من الأحيان هروبا من واقع اقتصادي واجتماعي خانق وبائس.
لقد تعرض هؤلاء لعقود طويلة من التهميش والاحتقار والتمييز، رغم أنهم اصبحوا لاحقا جزءا اساسيا من القوة العاملة التي أسهمت في بناء بغداد وتوسعها، وقدموا للعراق الكثير في مجالات الفن والشعر والرياضة والسياسة والعلوم وغيرها. قاسم لم يجلبهم، لكنه واجه واقعا اجتماعيا قائما وحاول التعامل معه، منطلقا من فكرة إنصاف المواطنين لا معاقبتهم على فقرهم.
اليس الشراگوه عراقيون؟ وهل يصبح إنصافهم جريمة؟ وهل كان المطلوب أن يبقوا خارج المدينة تفتك بهم الامراض لأن ظروفهم الاجتماعية مختلفة؟ إن الخطاب الذي يحمّلهم مسؤولية الخراب يشبه في جوهره خطابات الإقصاء القديمة التي قسمت العراقيين إلى درجات، وحرمت فئات واسعة من حقوقها. هذا الخطاب هو عودة الى مهاجمة الشراگوه على صفحات مجلة الف باء، حينما أتهمهم النظام البعثي بأقذر التهم وجعلهم مادة للشتم والسخرية.
وحول التمييز الاجتماعي الذي كان يواجه أبناء الجنوب الفقراء في بغداد، يروي هاني الفكيكي في كتابه "أوكار الهزيمة": "كان لتخرج الوالد من كلية الحقوق، وتبوئه لاحقا مناصب مهمة، أن حال دون اصطدامنا المباشر بالمسألة الطائفية السنية الشيعية. فأنا وإخواني كنا نلقى كل حفاوة واهتمام في دوائر الدولة، وهو ما لا يصح في أبناء الجنوب الشيعي الفقير ممن يفدون إلى بغداد". فهل يُراد لبغداد أن تكون حكرا على فئات اجتماعية معينة دون غيرها من أبناء العراق؟ إن الخراب الذي يعيشه العراق اليوم لا يمكن تفسيره بهجرة فلاحين إلى بغداد قبل عقود، ولا بقرارات فردية في حقبة تاريخية معينة، بل هو نتاج سياسات ممتدة من الإهمال وسوء الإدارة وصولا إلى نظام المحاصصة الحالي.
أما الشراگوه فهم أبناء هذا البلد، لهم ما لسائر العراقيين من حقوق وعليهم ما عليهم من واجبات، ومن حقهم العيش في أي جزء من وطنهم دون تهميش أو إقصاء. وإذا كان لقاسم من "ذنب" في نظر خصومه، فهو أنه تعامل معهم كمواطنين عراقيين لا كغرباء في وطنهم.
(*) يقصد بمصطلح "الشراگوه" هنا، فقراء الريف الجنوبي تحديدا، اولئك الذين هاجروا إلى بغداد وبقية المدن هربا من ظروف الفقر وأضطهاد الإقطاع وتدهور الأوضاع المعيشية في الأرياف، ننتيجة السياسات الخاطئة للحكومات المتعاقبة في البلاد.
المصادر:
هاني الفكيكي، أوكار الهزيمة: تجربتي في حزب البعث العراقي، ص 18.
حنا بطاطو، العراق: الكتاب الأول، ص 161-162.
زكي رضا
الدنمارك
2/6/2026