يكاد لا يمر يوم في العراق من دون أن تتكشف قضية جديدة تتعلق بالسرقة أو الفساد الإداري والمالي، يكون أبطالها مسؤولين في مؤسسات الدولة. حيث تواصل هيئة النزاهة كشف العديد من ملفات الفساد والمخالفات التي تسببت في إلحاق أضرار جسيمة بالمال العام، وانعكست آثارها السلبية على الدولة والمواطن.
ومن بين ما تابعناه خلال الفترات الماضية:
الإطاحة بمسؤول في بلدية العمارة لاستغلاله منصبه والتسبب بهدر المال العام..
رصد مخالفات جسيمة في مشروع إنشاء مجمع سكني استثماري في النجف..
كشف حالات تلاعب وتزوير في دوائر التسجيل العقاري والبلدية في كربلاء..
ضبط كميات كبيرة من الشاي التالف في مخازن بمحافظة البصرة..
القبض على مدير كمرك أم قصر الشمالي واثنين من أعضاء لجنة الكشف، بتهمة تمرير عشرات الحاويات المحملة بمواد محظور استيرادها.
كما أعلنت هيئة النزاهة إلقاء القبض على عشرات المتهمين بقضايا فساد، بينهم أعضاء في مجلس النواب، ووزراء، ورؤساء كتل، ومديرون عامون، وموظفون في عدد من الوزارات، مع الكشف عن مبالغ مالية هائلة تقدر بمليارات الدنانير.
ورغم أهمية هذه الإجراءات، فإن الرأي العام لا يزال ينتظر محاسبة كبار الفاسدين الذين استنزفوا ثروات البلاد، وأهدروا فرص التنمية، وأسهموا في تدهور الخدمات، من صحة وتعليم وبنية تحتية، حتى أصبحت معاناة المواطن عنواناً لسنوات طويلة من سوء الإدارة والفساد.
وما يُكشف اليوم ليس سوى غيض من فيض، فهناك عشرات، بل مئات، من ملفات السرقة والتزوير والتحايل، يقف خلفها أفراد أو شبكات تمكنت، على مدى سنوات، من التغلغل في مفاصل الدولة، مستفيدة من الحماية السياسية أو الإدارية التي حالت دون محاسبتها.
ومن القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً قضية المتهم نور زهير، الذي أُفرج عنه بعد تعهده بإعادة الأموال المنسوبة إليه في قضية سرقة الأمانات الضريبية. وهنا يبرز سؤال مشروع: ماذا عن الحق العام؟ وهل يكفي استرداد الأموال لمعالجة ما ألحقته هذه القضية من ضرر بثقة المواطنين وسمعة الدولة؟ إن مثل هذه القضايا تستوجب تطبيق القانون بصورة عادلة وشفافة على جميع المتهمين، وفق ما يقرره القضاء.
لقد أصبح واضحاً أن الفساد لم يعد مجرد ممارسات فردية، بل تحول في بعض الحالات إلى منظومات وشبكات تمتلك نفوذاً وعلاقات تؤثر في بعض مفاصل الدولة، الأمر الذي يجعل مكافحة الفساد مسؤولية وطنية تتطلب إرادة سياسية حقيقية، وقضاءً مستقلاً، ورقابة فعالة.
وأمام هذا الكم الكبير من قضايا الفساد، يخطر في البال اقتراح رمزي يتمثل في إنشاء سجن خاص يُعرف باسم "سجن الفاسدين"، ليكون رسالة واضحة بأن الاعتداء على المال العام جريمة لا تقل خطورة عن غيرها، وأن مكان من يعبث بمقدرات الشعب هو خلف القضبان. كما سيبقى هذا السجن، إن وجد، شاهداً أمام الأجيال على مرحلة عصيبة من تاريخ العراق، طغى فيها الفساد على مؤسسات الدولة، قبل أن تستعيد هيبتها بسيادة القانون والعدالة.
30 حزيران 2026