(13 تموز ) يوم الطفل العراقي..

حين تتحول الذكرى إلى مسؤولية وطنية
دلير إبراهيم – أربيل
في الثالث عشر من تموز من كل عام، يقف العراقيون أمام محطة إنسانية ووطنية مؤلمة، يستذكرون فيها أطفالاً دفعوا حياتهم ثمناً للإرهاب، ويجددون التزامهم بحماية الطفولة وصون حقوقها. ويأتي يوم الطفل العراقي ليؤكد أن الاهتمام بالطفل ليس مجرد مناسبة سنوية، بل هو مشروع وطني طويل الأمد يرتبط بمستقبل العراق واستقراره، وأن حماية الطفولة تمثل حجر الأساس لبناء مجتمع آمن ومزدهر.
ذكرى صنعت مناسبة وطنية
ارتبط اختيار الثالث عشر من تموز بيوم الطفل العراقي تخليداً لذكرى الفاجعة التي شهدتها منطقة النعيرية في بغداد الجديدة عام 2005، عندما استهدفت يد الإرهاب مجموعة من الأطفال الأبرياء أثناء تجمعهم حول جنود عراقيين كانوا يوزعون الهدايا، ما أدى إلى استشهاد أربعة وثلاثين طفلاً وإصابة العشرات. ولم تكن تلك الجريمة مجرد حادثة عابرة، بل تحولت إلى رمز لمعاناة الطفولة العراقية خلال سنوات العنف، وأصبحت دافعاً لاعتماد هذا اليوم مناسبة وطنية تؤكد ضرورة حماية الأطفال من ويلات الحروب والإرهاب والنزاعات.
لقد حملت هذه الذكرى بعداً إنسانياً عميقاً، فهي تذكير دائم بأن براءة الأطفال يجب أن تبقى بعيدة عن الصراعات، وأن مسؤولية المجتمع والدولة تكمن في توفير بيئة آمنة تكفل لهم حق الحياة والنمو والتعليم، بعيداً عن الخوف والحرمان.
الطفولة العراقية بين الإنجازات والتحديات
ورغم ما تحقق من خطوات إيجابية عبر البرامج الحكومية ومبادرات المنظمات الدولية والمحلية لتحسين أوضاع الأطفال، فإن الواقع ما زال يفرض تحديات كبيرة تتطلب حلولاً جذرية ومستدامة. فالعديد من الأطفال ما زالوا يواجهون ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة، جعلت آلافاً منهم ينخرطون في سوق العمل في سن مبكرة لإعالة أسرهم، الأمر الذي يحرمهم من طفولتهم ومن حقهم الطبيعي في التعليم.
ظاهرة التسرب المدرسي
كما أن ظاهرة التسرب المدرسي لا تزال تمثل تحدياً حقيقياً، نتيجة نقص الأبنية المدرسية في بعض المناطق، أو بسبب الفقر والظروف المعيشية التي تدفع بعض الأسر إلى إخراج أبنائها من المدارس. ويضاف إلى ذلك استمرار حالات العنف الأسري والمجتمعي، وما يرافقها من استغلال وإساءة للأطفال، الأمر الذي يبرز الحاجة إلى تشريعات أكثر صرامة لحمايتهم وضمان سلامتهم الجسدية والنفسية.
خدمات الرعاية الصحية والنفسية
ولا تقل أهمية عن ذلك الحاجة إلى تطوير خدمات الرعاية الصحية والنفسية، ولا سيما للأطفال الذين عاشوا آثار الحروب والنزوح وفقدان أفراد من أسرهم، إذ إن التعافي النفسي يمثل جزءاً أساسياً من بناء جيل قادر على تجاوز آثار الماضي والمساهمة في صناعة المستقبل.
حقوق الطفل مسؤولية الجميع
لقد كفلت القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية مجموعة من الحقوق الأساسية للأطفال، وفي مقدمتها الحق في الحياة، والتعليم، والصحة، والحماية من العنف والاستغلال، والمشاركة في مجتمع يسوده العدل والسلام. غير أن هذه الحقوق لا تتحقق بمجرد النصوص القانونية، وإنما تتطلب إرادة سياسية، وبرامج تنفيذية، وتعاوناً بين مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع.
إن مسؤولية حماية الطفولة لا تقتصر على جهة واحدة، بل هي مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، باعتبارها البيئة الأولى التي ينشأ فيها الطفل، مروراً بالمؤسسات التعليمية التي تضطلع بدور محوري في بناء الشخصية، ووصولاً إلى الدولة التي يقع على عاتقها توفير الخدمات الأساسية ووضع السياسات الكفيلة بضمان مستقبل أفضل للأطفال. كما يؤدي الإعلام ومنظمات المجتمع المدني دوراً أساسياً في نشر ثقافة حقوق الطفل، وتعزيز قيم التربية الإيجابية، والتوعية بمخاطر العنف والاستغلال.
من الذكرى إلى العمل
يرى مختصون في شؤون الطفولة وحقوق الإنسان أن إحياء يوم الطفل العراقي ينبغي ألا يقتصر على استذكار المأساة، بل يجب أن يتحول إلى محطة سنوية لتقييم السياسات الحكومية وتجديد الالتزام بحماية الأطفال. ومن أبرز الأولويات المطروحة في هذا السياق الإسراع في تشريع قانون حماية الطفل، الذي من شأنه توفير إطار قانوني متكامل يكفل حماية الأطفال من جميع أشكال العنف والاستغلال والإهمال.
كما تبرز الحاجة إلى تفعيل إلزامية التعليم، وضمان عودة الأطفال المتسربين إلى مقاعد الدراسة، وتوفير بيئة تعليمية آمنة ومجانية تستوعب جميع الأطفال دون تمييز. ويؤكد الخبراء كذلك أهمية الحد من عمالة الأطفال عبر تطبيق القوانين الرادعة بحق الجهات والأشخاص الذين يستغلونهم في الأعمال الشاقة، فضلاً عن تعزيز الشراكة بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام لنشر الوعي بحقوق الطفل وترسيخ ثقافة الحماية المجتمعية.
الاستثمار في الطفولة استثمار في المستقبل
في إقليم كوردستان والعراق عموماً، يشكل الاستثمار في الأطفال استثماراً حقيقياً في الأمن والتنمية المستدامةالأطفال في بيئة يسودها الأمن والتعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي سيكونون أكثر قدرة على بناء وطن مزدهر، بعيداً عن دوائر العنف والتطرف.  ومن هنا، فإن يوم الطفل العراقي لا يمثل مجرد ذكرى مؤلمة، بل يحمل رسالة أمل تدعو إلى تحويل الأحزان إلى مشاريع تنموية، والوعود إلى سياسات قابلة للتنفيذ، بما يضمن لكل طفل عراقي فرصة متكافئة في الحياة والتعليم والرعاية والنمو.  رحم الله شهداء الطفولة العراقية، وحفظ أطفال العراق من كل سوء، وجعل مستقبلهم أكثر أمناً وعدلاً وازدهاراً. فالأوطان تُبنى بسواعد أبنائها، وأولى خطوات البناء تبدأ بحماية الطفل، ورعاية أحلامه، وتمكينه من أن يعيش طفولته بكرامة وسلام.