الجذور التاريخية وتشكّل التباين من الانتداب إلى ما قبل التأسيس

نشأت الحركة السياسية الكوردية في سوريا ضمن بيئة جيوسياسية مشحونة بالتناقضات منذ بدايات تشكل الدولة الوطنية؛ ففي مرحلة الانتداب الفرنسي (1920-1946)، لم يتخذ الكورد موقفاً موحداً تجاه الاحتلال، بل اتسم دورهم بالتنوع الذي عكس انقسامهم الجغرافي والاجتماعي، ويمكن تلخيص هذا التنوع في ثلاث نقاط جوهرية: أولاً، انخرط كورد المدن بشكل عميق في الثورة الوطنية السورية، وبرزت شخصيات كإبراهيم هنانو كرموز للمقاومة الوطنية التي لم تفرق بين القوميات، مؤكدين على انتمائهم للهوية السورية الجامعة. ثانياً، حاولت بعض القيادات العشائرية في الأرياف والجزيرة التحرك ضمن هامش سياسي يوفر لها الحماية من ضغوط الدولة المركزية، مستغلين سياسات الاستمالة الفرنسية للتحوط من تحولات السلطة الصاعدة. ثالثاً، تبنى الجيل الأول من المثقفين الكورد رؤية مزدوجة، حيث أدركوا أن الاستعمار الفرنسي يستخدم القضية الكوردية ورقة ضغط، فآمنوا أن استقلال سوريا كدولة وطنية حديثة هو الفرصة الأفضل لانتزاع حقوقهم كمواطنين، مما جعلهم يرفضون أي امتيازات فرنسية خاصة. هذا الإرث التاريخي من التباين في المواقف كان البذرة الأولى لتباين الرؤى لاحقاً، حيث اختار الكورد، وبقيادة نخب ومثقفين في مقدمتهم عثمان صبري والدكتور نور الدين ظاظا وعبد الحميد درويش، الاندماج الوطني كخيار استراتيجي لضمان المواطنة، وهو خيار لم يأتِ من فراغ بل كان محاولة لتجاوز إرث "التوجس" الذي خلفه

التأسيس الحزبي وتحديات الاندماج من 1957 إلى سياسات الإقصاء

لم يكن تأخر ظهور حزب سياسي كوردي ناجماً عن غياب الوعي، بل كان نتاجاً لتكتيك سياسي واعي، حتى جاءت لحظة 14 حزيران 1957 التي شهدت تأسيس "الحزب الديمقراطي الكوردستاني-سوريا" كأول تنظيم قومي وضع في برنامجه أهدافاً لإقرار الحقوق القومية ضمن الدستور السوري. لكن الحزب اصطدم سريعاً بضغوط السلطة المركزية، فبدلاً من أن يكون أداة للمشاركة، اعتبرته الأيديولوجيات القومية تهديداً، مما أدى لملاحقة قياداته ونفي أو سجن رموز مثل نور الدين ظاظا وعثمان صبري، وهو ما فرض عليهم العمل في سرية قاسية أثرت على أدائهم المؤسسي. لقد آمن هؤلاء المؤسسون أن انخراطهم في الأحزاب السورية العامة كان سيمنحهم شرعية، لكن التاريخ أثبت أن ذلك الرهان قد كلف الحركة مناعتها السياسية، ولعب هؤلاء المثقفون دور الجسر بين الرومانسية القومية والواقع التنظيمي، فكانوا حراس الهوية الذين اصطدموا بجدار السياسات الإقصائية مثل "الحزام العربي" وإحصاء عام 1962، مما غير نظرة الدولة للكورد من شركاء إلى عنصر مخل بالاستقرار. وهنا تحول الاندماج من تكتيك للحماية إلى عامل ضعف، حيث وجد الكورد أنفسهم يدافعون عن وجودهم بأدوات حزبية عانت من حداثة التجربة، كما عانى العمل السياسي من انقسامات متلاحقة نتيجة تضافر سياسات "فرق تسد" الأمنية مع غياب التقاليد الديمقراطية وتغليب الولاءات الشخصية، مما جعل الصراع على تمثيل الكورد أولوية على حساب المشروع القومي.

القراءة الاستشرافية والواقع المعاصر التحولات الاستراتيجية والقائد مظلوم عبدي

في قراءة استشرافية لواقعنا المعاصر، نجد أن إرث هذا الانقسام التاريخي ما زال يلقي بظلاله على الحركة الكوردية؛ فبينما كانت التحديات سابقاً تدور حول "الاندماج أم الخصوصية"، أفرزت التحولات الراهنة أدوات تفاوضية وعسكرية جديدة أعادت تشكيل معادلة القوة، حيث يبرز دور شخصيات مثل مظلوم عبدي في سياق تحول الحركة الكوردية من حالة "المطالبة بالحقوق" ضمن أطر الدولة الهشة إلى حالة "فرض الواقع" العسكري والسياسي عبر شراكات دولية، وهو ما يمثل ذروة التغيير في استراتيجية التعامل مع الدولة المركزية؛ إذ إن حضور هذه القوة العسكرية والسياسية اليوم يأتي كاستجابة لتراكم عقود من التهميش، محاولاً استثمار البعد التاريخي لترسيخ مركز قوة جديد يتجاوز أخطاء التشرذم والتبعية التي ميزت مسيرة الحركة منذ مرحلة الانتداب وصولاً إلى أيامنا هذه، في محاولة صعبة للموازنة بين إدارة الواقع الجيوسياسي القائم والحفاظ على الهوية القومية في سياق سوري مفتوح على كل الاحتمالات