لم تكن تصريحات مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، بشأن زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الولايات المتحدة، مجرد موقف سياسي عابر، بل حملت في طياتها دلالات تتجاوز شخص الزيارة، لتلامس جوهر الصراع على موقع العراق في معادلة التوازنات الإقليمية. فعندما يصف مسؤول إيراني رفيع زيارة رسمية لرئيس حكومة دولة ذات سيادة بأنها "وصمة عار"، فإن الأمر يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة العلاقة التي تريد طهران أن تربطها ببغداد، وحول حدود احترام استقلال القرار العراقي.

إن العراق، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك مصالحه الاقتصادية والأمنية، لا يستطيع أن يعيش في عزلة عن محيطه الإقليمي أو عن القوى الدولية الفاعلة. كما أنه لا يستطيع أن يحصر علاقاته في محور واحد، لأن طبيعة الدولة العراقية بعد عام 2003 قامت، نظرياً على الأقل، على مبدأ الانفتاح المتوازن، وإقامة علاقات قائمة على المصالح المشتركة مع مختلف الأطراف.

ومن هذا المنطلق، فإن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن ليست خروجاً عن المألوف، كما أن زيارته إلى طهران أو أنقرة أو الرياض أو أي عاصمة أخرى لا ينبغي أن تفسر على أنها اصطفاف دائم مع هذا الطرف أو ذاك. فالسياسة الخارجية الناجحة لا تُبنى على الولاءات، وإنما على تحقيق المصالح الوطنية وحماية الأمن القومي.

لقد دفعت الجغرافيا العراق إلى أن يكون ساحة لتقاطع المشاريع الإقليمية والدولية، لكن هذا لا يعني أن يبقى أسيراً لها. فالدولة التي تمتلك سيادتها الحقيقية هي التي تختار شركاءها بحرية، وتوازن بين علاقاتها الخارجية وفق احتياجاتها الاقتصادية والأمنية، لا وفق رغبات الآخرين.

وتكشف تصريحات ولايتي عن أزمة أعمق من مجرد الاعتراض على زيارة رسمية؛ فهي تعكس استمرار نظرة بعض القوى الإقليمية إلى العراق بوصفه جزءاً من مجال نفوذها، أكثر من كونه دولة مستقلة تمتلك مؤسسات دستورية وقراراً سيادياً. وهذه النظرة، مهما كانت دوافعها، لم تعد تنسجم مع التحولات التي يشهدها الإقليم، حيث باتت الدول تسعى إلى تنويع شراكاتها وعدم الارتهان لمحور واحد.

ومن زاوية أخرى، فإن العراق نفسه مطالب بأن يترجم حديثه عن السيادة إلى ممارسة عملية. فالسيادة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل هي سياسة ثابتة تقوم على رفض أي تدخل خارجي، أياً كان مصدره، سواء جاء من الشرق أم من الغرب. فلا يمكن للدولة أن تدافع عن استقلال قرارها تجاه طرف، وتتغاضى عن الضغوط الآتية من طرف آخر.

إن بناء سياسة خارجية عراقية متوازنة يقتضي أن تكون بغداد قادرة على إقامة أفضل العلاقات مع الولايات المتحدة، وإيران، والدول العربية، وتركيا، وسائر الشركاء الدوليين، من دون أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو منصة لخدمة مشاريع الآخرين.

لقد أثبتت تجارب العقود الماضية أن سياسة المحاور لم تجلب للعراق سوى الحروب والعقوبات والانقسامات الداخلية. أما المستقبل، فيتطلب دولة تنطلق من مبدأ بسيط وواضح: العراق أولاً. وهذا الشعار لا يعني العداء لأي دولة، بل يعني أن تكون المصلحة العراقية هي البوصلة الوحيدة في رسم العلاقات الخارجية.

إن احترام سيادة العراق لا يكون بالتصريحات، وإنما بالاعتراف بحقه الكامل في اختيار سياساته الخارجية، تماماً كما تحرص كل دولة على استقلال قرارها الوطني. فالعلاقات بين الدول تُبنى على الاحترام المتبادل، لا على الوصاية، وعلى الحوار، لا على الإملاء.

واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج العراق إلى ترسيخ ثقافة الدولة لا ثقافة المحاور؛ لأن الدولة وحدها هي القادرة على حماية مصالح شعبها، وصون استقلال قرارها، وإقامة علاقات متوازنة مع الجميع، بعيداً عن منطق الاستقطاب الذي أنهك المنطقة لعقود طويلة.