ليس مقدار القوة ووحدة المقياس، ولا حتى المعيار، في حسم نتيجة الحرب، كذلك، ليس مقدار الدمار العامل الحاسم في تحديد نتيجة الحرب، والا لما كانت قد انتصرت المقاومة الفيتنامية على الجيش الأميركي، بالرغم من فوارق أو فروقات القوة. الهدنات التي تعيشها المنطقة بين حرب واخر لا تشبه السلام بقدر ما تُشبه استراحة مكلفة بين جولات التصعيد بين حين واخر. فبين مضيق هرمز شبه المغلق وتآكل الثقة الاقتصادية، تدفع دول المنطقة ثمن حرب لا تملك حسمها ولا القدرة على البقاء خارج تداعياتها ، هذه الحرب الهوجاء جعلت اقتصادات أكثر الدول هشة أمام تطورات الحرب ، وقد تجلّى ذلك بوضوح في بعض دولها، حيث أعلنت حالات القوة القاهرة على عدد من عقود للغاز الطبيعي المسال بعد الحرب الامريكية – الاسرائيلية التي اشعلتها والتي أدت الى خفض الطاقة الإنتاجية للغاز المسال بنحو 17 في المئة مثلا في قطر. وتشير التقديرات إلى أنَّ استعادة هذه القدرة قد تستغرق ما بين ثلاث وخمس سنوات، في ضربة استراتيجية تمس أحد أهم مصادر الدخل العالمي.لقد وصلت الحرب الى نقطة اللاعودة، ولن تنتهي إلا بتأمين ضمانات للمعتدى عليها إيران ولا تستطيع التراجع قيد أنملة الآن بعد أن دفعت أثماناً كبيرة تتجلى في صمودها الكبير بوجه اعتى نظام استكبارياً لم يكن من السهولة تفاديه ودفعت أغلى ثمناً وأكثر خسارة لانها تعرف بان الحق لا يؤخذ الا بالقوة والصمود والتحدي.
مأزق حرب الاستنزاف التي تشتعل تار وتنخفض تارة اخرى واستنفاد الردع و الجولات الأخيرة أثبتت من المواجهة أنّ القوة العسكرية وحدها ـ مهما بلغت حدّتها ـ عاجزة عن فرض استسلام سياسي على الجمهورية الاسلامية الإيرانية كما يصرح به رئيس الولايات المتحدة الأمريكية دونالد ترامب في الكثير من الأحيان. والقبول بحقها في التعويض عن الخسائر وإعادة الاموال المحجوزة و التعهد بعدم الاعتداء عليها مرة اخرى وانسحاب القوات الاجنبية من المنطقة وفك الحصار عن مضيق هرمز
وفي المقابل، أدركت الدوائر العسكرية والبنتاغون خطورة استنزاف المخزونات الاستراتيجية من الذخائر المتقدمة وأنظمة الدفاع الجوي، ناهيك عن المخاطر الجسيمة المترتبة على جرّ الإقليم إلى حرب شاملة. هذا التعادل السلبي هو ما أجبر الإدارة على تعليق الغارات والقبول بالدخول في اختبارات تسوية جزئية، أبرزها الترتيبات المتعلقة بتأمين الملاحة في مضيق هرمز عبر الوساطة العُمانية. إيران لا تكتفي بإبقاء المضيق تحت الضغط العسكري، بل تعمل تدريجًا على تحويل الإغلاق إلى واقع إداري وقانوني يصعب التراجع عنه حتى في ظلِّ أيِّ تسوية مستقبلية ولا تزال تعتبر الانسحاب الأميركي الكامل من المنطقة شرطًا أساسيًا لأي عودة إلى الوضع الطبيعي في مضيق هرمز، فيما تصرّ واشنطن على أنَّ إعادة فتح المضيق بصورة فعلية وآمنة المشترك معها يجب أن يسبق أي تخفيف للعقوبات مما ترفضه طهران.
من جهة اخرى يعكس التذبذب الأميركي انقساماً حاداً داخل الحزب الجمهوري ومعسكر "أميركا أولاً"هذا الصراع الداخلي يحوّل الإدارة الأميركية إلى أسيرة لردود الفعل المتباينة وتضغط القواعد الشعبية والدوائر الاقتصادية لتجنّب حروب الخارج وخفض الإنفاق المالي وحماية أسواق الطاقة من الهزات، يقف “الصقور” ومحافظو الحزب الجدد موقفاً رافضاً لأيّ تهدئة لا تقوّض النفوذ الإيراني بالكامل، معتبرين التراجع عن الضغط الشامل تنازلاً استراتيجياً. حسابات الأسواق والطاقة وضغوط الإقليم: تتحكّم أسواق النفط العالمية كـ “ميزان حرارة” حساس للغاية لأيّ تصعيد عسكري في الخليج. فأيّ اضطراب في مضيق هرمز يعني تلقائياً قفزة هائلة في الأسعار تضرب الاقتصاد العالمي وتعصف بشعبية الإدارة داخلياً. وفي ذات السياق، تلعب ضغوط حلفاء واشنطن الإقليميين ـ القلقين من تداعيات أيّ حرب مفتوحة على أمنهم واستقرارهم ـ دوراً مزدوجاً، يتراوح بين المطالبة بردع إيران حيناً، والحث على احتواء حسابات الأسواق والطاقة وضغوط الإقليم: تتحكّم أسواق النفط العالمية كـ “ميزان حرارة” حساس للغاية لأيّ تصعيد عسكري في الخليج. فأيّ اضطراب في مضيق هرمز يعني تلقائياً قفزة هائلة في الأسعار تضرب الاقتصاد العالمي وتعصف بشعبية الإدارة داخلياً. وفي ذات السياق، تلعب ضغوط حلفاء واشنطن الإقليميين ـ القلقين من تداعيات أيّ حرب مفتوحة على أمنهم واستقرارهم ـ دوراً مزدوجاً، يتراوح بين المطالبة بايقاف الحرب حيناً، والحث على احتواء التصعيد حيناً آخر.
عبد الخالق الفلاح - باحث واعلامي