ثمة صحف نقرأها، ثم نمضي. وثمة صحف نكتب فيها، ثم نغادرها كما يغادر المسافر محطةً عابرة، لكن هناك صحفاً تتحول، مع الزمن، إلى جزء من سيرة الكاتب، وإلى فصل من ذاكرته الشخصية، حتى يصعب عليه أن يتحدث عن رحلته مع الكلمة من دون أن يذكرها. هكذا كانت «المدى» بالنسبة إليّ، وما تزال.

في ذكرى تأسيسها، لا أحتفي بتاريخ صحيفة فحسب، بل أحتفي بقيمةٍ نادرة اسمها حرية الكلمة وكرامة الرأي، في زمنٍ عزّ فيه الاثنان. أحتفي بمؤسسة أدركت، منذ ولادتها، أن الصحافة ليست صدىً للسلطة، ولا مرآةً للأقوياء، وإنما نافذة يطل منها العقل على العقل، والإنسان على الإنسان.

لم يكن اسم «المدى» اسماً عابراً. فقد حمل منذ البداية وعداً بالاتساع؛ اتساع الأفق، واتساع الرؤية، واتساع القلب للاختلاف. ومع السنوات، صار الاسم حقيقة. لم تعد «المدى» مجرد صحيفة، بل غدت مدىً رحباً للأفكار، لا تضيق فيه الآراء، ولا تُقصى فيه الأصوات، ولا تُوزن الكلمات بميزان الولاء، بل بميزان قيمتها الفكرية والإنسانية.

ارتبطتُ بصحيفة «المدى» كما يرتبط الكاتب بصوته. لم تكن بالنسبة إليّ منبراً للنشر فحسب، بل كانت المكان الذي وجدت فيه كلماتي حريتها الكاملة. كنت أكتب وأنا مطمئن إلى أن ما يصل إلى القارئ هو ما أردت قوله، لا ما سمح به الرقيب، ولا ما استساغته بعض الحسابات. وفي زمن كثرت فيه الأسوار التي تحيط بالكلمة، كانت «المدى» نافذةً مفتوحةً على ضوء الحرية، حين كانت نوافذ كثيرة تُغلق في وجهها.

ولذلك، فإن امتناني لها ليس امتنانَ كاتبٍ نُشرت له مقالاته، بل امتنانُ إنسانٍ وجد من يصغي إلى صوته دون أن يطالبه بتغيير نبرته. وأعرف أن كثيرين من الكتّاب يشاركونني هذا الشعور، لأن «المدى» لم تسألنا يوماً: إلى أي حزب تنتمي؟ أو أي أيديولوجيا تمثل؟ كانت تسأل سؤالاً واحداً: هل لديك فكرة تستحق أن تُقرأ؟ وكان ذلك السؤال كافياً.

كتبت في صفحاتها مقالات حاولت، واجتهدت، أن أراجع فيها تجارب، وأعيد قراءة محطات تاريخية في حياة جماعات ومنظمات ودول. وكانت محاولاتٌ صادقةٌ مني لفهم التاريخ، لأن الأمم التي لا تراجع تجاربها محكوم عليها أن تكرر أخطاءها. وأكشف للقراء الكرام أن بعض تلك المقالات رفضت بعض الصحف نشرها، من دون أن تكلف نفسها حتى عناء تفسير أسباب الرفض. كانت الأبواب توصد بصمت، وكانت الكلمة تبحث عن نافذة. أما «المدى»، فقد فعلت العكس تماماً؛ استقبلت تلك المقالات بثقة، ونشرتها دون تردد أو تأخير، لأنها كانت تؤمن بأن الكلمة لا ينبغي أن تُحاكم قبل أن تصل إلى القارئ، وأن الرأي لا يُواجَه بالمنع، بل برأيٍ آخر.

ذلك الموقف كشف لي الجوهر الحقيقي لهذه المؤسسة. فالحرية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، بل ممارسة يومية، واختباراً أخلاقياً يتكرر مع كل مقال مختلف، وكل رأي غير مألوف، وكل فكرة تخرج على السائد. وقد نجحت «المدى» في هذا الاختبار مراراً، لأنها آمنت بأن الديمقراطية تبدأ من الصفحة الثقافية، ومن المقال الحر، ومن احترام حق الكاتب في أن يرى العالم بعينيه، لا بعيون الآخرين. فلا ديمقراطية بلا حرية رأي، ولا حرية رأي بلا صحافة مستقلة.

ولهذا تحولت صفحاتها إلى ما يشبه حديقةً للأفكار، تتجاور فيها الآراء كما تتجاور الأشجار في بستان واحد. لا تلغي شجرةٌ أخرى، ولا يحتكر لونٌ الربيع، ولا يخشى غصنٌ ظلَّ غصنٍ آخر. كان القارئ يجد فيها اختلافاً حقيقياً، لا اختلافاً مصطنعاً، وحواراً صادقاً، لا سجالاً للاستعراض. وهكذا اكتسبت «المدى» المعنى الأجمل لاسمها؛ اتساعاً يحتضن الجميع، لا فضاءً يضيق بغيره.

ولم تكن «المدى» بيتاً للكتّاب وحدهم، بل كانت بيتاً للثقافة العراقية، وملتقىً لأصواتها المختلفة، تحتضن الأدباء والمفكرين والمترجمين والفنانين، وتسهم في صيانة الذاكرة الثقافية العراقية، حتى غدت جزءاً أصيلاً من تاريخها الحديث.

لقد كانت، بحق، صوتاً للتنوير، لأن التنوير لا يعني امتلاك الحقيقة، بل الإيمان بحق الآخرين في البحث عنها. وكانت صوتاً للديمقراطية، لأن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع فحسب، وإنما ثقافة قبول الآخر، واحترام التعدد، والإيمان بأن الحقيقة تتسع لأكثر من رواية، وأن الوطن يتسع لأكثر من رأي.

واليوم، وأنا أستعيد سنوات الكتابة في «المدى»، أكتشف أن ما بقي في الذاكرة ليس عدد المقالات التي نشرتها، بل ذلك الإحساس العميق بأن هناك مؤسسة رصينة كانت تثق بالكلمة قبل أن تثق بصاحبها، وتؤمن بالفكر قبل أن تنشغل بالاصطفافات. وهذا، في زمن الاستقطابات الحادة، فضيلة نادرة.

في عيدها، أتمنى لصحيفة «المدى» أن تبقى كما عرفناها: بيتاً للكلمة الحرة، وملاذاً للعقول التي ترفض القوالب الجاهزة، ومنبراً لا يخشى الاختلاف، لأن الاختلاف هو أول شروط الحياة، وأول شروط الإبداع.

شكراً لصحيفة «المدى»، لأنها لم تمنحني مساحة للنشر فقط، بل منحتني مساحةً لأكون كما أريد. شكراً لأنها لم تجعلنا نكتب تحت ظل رقيبٍ ما، بل تحت سماء الحرية. وشكراً لأنها أثبتت، عبر مسيرتها، أن الصحيفة يمكن أن تكون أكثر من صحيفة؛ يمكن أن تكون ضميراً ثقافياً حين تغيب الضمائر، وذاكرة وطن، وحديقةً لا تذبل فيها الأفكار، مهما تعاقبت الفصول.