مقدمة
استئناف القول الأنطولوجي هو أحد ملامح المشروع الفلسفي لألان باديو، الذي يسعى منذ أعماله الكبرى إلى إعادة تأسيس الفلسفة على أساس أنطولوجي صارم بعد عقود من الإعلان عن نهاية الميتافيزيقا أو اختزالها في اللغة أو التأويل أو التجربة الوجودية. يرى باديو أن الفلسفة فقدت قدرتها على قول الوجود بما هو وجود عندما استسلمت إما للنزعة الشعرية التي تجعل اللغة الشعرية مأوى الوجود، أو للنزعات التحليلية واللغوية التي تردّ كل شيء إلى الخطاب، أو للنزعات التاريخية التي تذيب الوجود في الصيرورة. وفي مواجهة هذه الاتجاهات، يستأنف باديو القول الأنطولوجي من خلال تقاطع ثلاثي حاسم: عودة مجددة إلى الأفلاطونية، ونقد جذري للأنطولوجيا الشعرية، وتأكيد أن الرياضيات هي الأنطولوجيا ذاتها.تسعى هذه الدراسة إلى استجلاء هذا الاستئناف في أبعاده المتشابكة، مبرزة كيف يبني باديو أنطولوجيا المفرد المتعدد عبر الرياضيات، وكيف يستعيد الأفلاطونية دون الوقوع في مثالية مفارقة تقليدية، وكيف يرفض اختزال الوجود في القول الشعري مع الاعتراف بمكانة الفن ضمن إجراءات الحقيقة. وتنطلق المقاربة الفلسفية من فهم باديو للفلسفة بوصفها فكرًا للأحداث والحقائق، لا بوصفها تأملًا وجوديًا أو تحليلًا لغويًا. فماهو جوهر القول الفلسفي عند الان باديو؟ وماذا تمثل الأنطولوجي منه؟
أولًا: أزمة القول الأنطولوجي في الفلسفة المعاصرة وسياق استئنافه
شهدت الفلسفة في القرن العشرين تحولات عميقة أدت إلى تهميش الأنطولوجيا التقليدية أو إعادة صياغتها بطرق تبتعد عن الصرامة المفهومية. فمن جهة، أعلن هيدغر أن الميتافيزيقا نسيت الوجود وانشغلت بالموجودات، ودعا إلى فكر أكثر أصالة يقترب من الوجود عبر اللغة الشعرية والتفكير التأويلي. ومن جهة أخرى، سادت النزعات التحليلية التي اختزلت الفلسفة في تحليل اللغة والقضايا، والنزعات البنيوية وما بعد البنيوية التي ركزت على الخطاب والاختلاف والصيرورة دون الالتزام بقول صارم عن الوجود بما هو كذلك. في هذا السياق يظهر مشروع باديو بوصفه محاولة لاستعادة الفلسفة قدرتها على قول الوجود دون الرجوع إلى الجوهرانية القديمة أو الوقوع في النسبية. يرى باديو أن الفلسفة لا يمكن أن تستمر إذا تخلت عن الأنطولوجيا، لأن السؤال عن الوجود يظل السؤال الجذري. لكنه يرفض أن يكون هذا القول شعريًا أو تأويليًا أو تجريبيًا بالمعنى الضيق. البديل الذي يقدمه هو الرياضيات، وتحديدًا نظرية المجموعات وما تلاها من تطورات، بوصفها الخطاب الوحيد القادر على قول الوجود الخالص بما هو متعدد خالص.هذا الاستئناف ليس عودة ساذجة إلى الماضي، بل هو إعادة بناء جذرية تستفيد من إنجازات الفكر الحديث، خاصة الثورة الكانتورية في الرياضيات، وتواجه التحديات التي طرحتها الفلسفة المعاصرة.
ثانيًا: نقد الأنطولوجيا الشعرية ومكانة الشعرية في المشروع
ينتقد باديو بشدة ما يسميه الأنطولوجيا الشعرية، المرتبطة أساسًا بهيدغر وبتيارات الفكر التي تجعل القصيدة أو اللغة الشعرية الموقع الامتيازي لانكشاف الوجود. في هذا التصور، يصبح الوجود حدثًا لغويًا أو انفتاحًا شعريًا، وتتحول الفلسفة إلى نوع من التأويل أو الإصغاء إلى نداء الوجود عبر الشعراء.
يرفض باديو هذا الاختزال لعدة أسباب. أولها أن الشعر، رغم عظمته، ينتمي إلى نظام الفن، وهو أحد إجراءات الحقيقة الأربعة (العلم، السياسة، الفن، الحب)، لكنه ليس الخطاب الذي يقول الوجود بما هو وجود. الشعر ينتج حقائق فنية تتعلق بالظهور والحس والشكل، لكنه لا يبني أنطولوجيا كلية. ثانيها أن الاعتماد على الشعر يعيد الفلسفة إلى نوع من الغموض أو الإلهام الذي يتعارض مع مطلب الصرامة المفهومية. ثالثها أن هذا التوجه غالبًا ما يرتبط بنزعة رومانسية أو بوجودية تذيب الوجود في التجربة أو اللغة، مما يفقد الفلسفة قدرتها على التمييز والبرهنة.
ومع ذلك، لا يلغي باديو مكانة الشعرية أو الفن. فالفن عنده إجراء حقيقة ينتج ذاتيات جديدة وأشكالًا من الظهور لم تكن ممكنة من قبل. القصيدة يمكن أن تكون موقعًا لحدث فني يقطع مع الوضع القائم ويفتح إمكانيات جديدة للظهور. لكن هذا يبقى في سجل الفن، لا في سجل الأنطولوجيا. الأنطولوجيا تتطلب خطابًا قادرًا على قول المتعدد الخالص دون الإحالة إلى معنى أو تجربة أو لغة طبيعية.
بهذا التمييز يحفظ باديو للشعر مكانته دون أن يسمح له بالاستيلاء على القول الأنطولوجي. الفلسفة تحتاج إلى الرياضيات لتقول الوجود، وإلى الفن لتفكر في إجراءات الحقيقة المتعلقة بالظهور والإحساس.
ثالثًا: العودة إلى الأفلاطونية وإعادة بنائها
تمثل الأفلاطونية أحد المحاور الأساسية في استئناف باديو للقول الأنطولوجي. يعلن باديو صراحة انتماءه إلى أفلاطون، لا بمعنى تكرار نظرية المثل المفارقة كما فهمت تقليديًا، بل بمعنى الالتزام بعدة مبادئ أفلاطونية جوهرية: أن الوجود قابل للفكر، وأن هناك حقائق كلية، وأن الفلسفة تفكير في الأفكار، وأن الرياضيات نموذج للفكر الصارم، وأن ضد السفسطة والنسبية ضرورة فلسفية.
يعيد باديو بناء الأفلاطونية في ضوء الرياضيات الحديثة. فبدلاً من المثل بوصفها ماهيات مفارقة ثابتة، يصبح «الفكرة» مرتبطة بالإجراءات العامة للحقيقة، وبالقدرة على التفكير في المتعدد الخالص. الأفلاطونية الباديوية هي أفلاطونية المتعدد، حيث يكون الوجود نفسه متعددًا لا واحدًا، ويكون الواحد نتيجة عملية عدّ أو تنظيم لا أصلًا أنطولوجيًا.
هذه العودة تسمح لباديـو بمواجهة نزعات العصر: ضد النسبية التي تنكر الكليات، وضد النزعات التي تختزل الفكر في اللغة أو السلطة أو الجسد، وضد الإعلانات المتكررة عن نهاية الفلسفة أو نهاية الميتافيزيقا. الأفلاطونية هنا موقف فلسفي يؤكد أن هناك ما يمكن قوله عن الوجود بشكل كلي وضروري، وأن الفلسفة قادرة على التمييز بين الرأي والحقيقة. كما أن الأفلاطونية تبرر مكانة الرياضيات؛ فأفلاطون نفسه جعل الرياضيات تمهيدًا ضروريًا للديالكتيك، ورأى فيها نموذجًا للفكر الذي يتجاوز المحسوس نحو المعقول. باديو يذهب أبعد، فيجعل الرياضيات هي الأنطولوجيا نفسها، لا مجرد تمهيد لها.
رابعًا: الرياضيات بوصفها الأنطولوجيا
الإعلان المركزي عند باديو هو أن «الرياضيات هي الأنطولوجيا». هذا الإعلان ليس استعارة، بل هو أطروحة فلسفية دقيقة. الأنطولوجيا هي قول الوجود بما هو وجود، والوجود عند باديو هو المتعدد الخالص، أي التعددية قبل أي وحدة أو تنظيم أو معنى. والخطاب الوحيد الذي يستطيع قول هذا المتعدد الخالص دون إحالته إلى شيء آخر هو الرياضيات، وتحديدًا نظرية المجموعات التي أسسها كانتور وطورها آخرون. في نظرية المجموعات، يُفكر في المجموعات بوصفها تعددات خالصة، ويُعامل الفراغ (المجموعة الفارغة) بوصفه الاسم الأنسب للوجود الخالص، لأن كل متعدد يتأسس في النهاية على الفراغ عبر عمليات معقدة. الرياضيات لا تتحدث عن موجودات معينة أو عن معنى أو عن تجربة، بل تبني هياكل صورية تقول إمكانيات التعدد والتنظيم والعلاقات الخالصة.
هذا التصور يسمح بتجاوز الثنائيات التقليدية: الواحد والمتعدد، الوجود والصيرورة، الجوهر والعرض. الوجود متعدد في ذاته، والواحد نتيجة لعملية «العدّ كواحد» التي تنتمي إلى الوضع أو الموقف، لا إلى الوجود الخالص. الأنطولوجيا الرياضية تقول الوجود دون أن تفرض عليه وحدة مسبقة أو معنى أو غاية. الرياضيات أيضًا توفر أدوات للتفكير في الحدث والجدة. فمن خلال مفاهيم مثل المجموعات العامة أو الإجراءات الجنيسة، يستطيع باديو أن يفكر في ما يتجاوز الوضع القائم دون الرجوع إلى تعالٍ لاهوتي أو إلى غموض شعري. الحدث هو ما لا يمكن تسميته داخل لغة الوضع، وهو ما يفتح إمكانية حقيقة جديدة.
خامسًا: تحليل نظرية المجموعات في أنطولوجيا ألان باديو
تشكل نظرية المجموعات العمود الفقري للأنطولوجيا عند ألان باديو، إذ يعلن صراحة أن الرياضيات هي الأنطولوجيا، وأن نظرية المجموعات تحديدًا هي الخطاب الوحيد القادر على قول الوجود بما هو وجود خالص. لا يستخدم باديو نظرية المجموعات استعارة أو نموذجًا مساعدًا، بل يعتبرها القول الأنطولوجي ذاته. فالوجود عنده ليس جوهرًا ولا واحدًا ولا صيرورة غامضة، بل هو المتعدد الخالص، أي التعددية قبل أي وحدة أو معنى أو تنظيم. ونظرية المجموعات، بما هي علم المتعدد الخالص، توفر الأدوات الصورية الدقيقة للتفكير في هذا الوجود دون الإحالة إلى تجربة أو لغة طبيعية أو تأويل شعري.
يهدف هذا التحليل إلى تفكيك الدور الذي تلعبه نظرية المجموعات داخل المشروع الأنطولوجي الباديوي، من خلال بيان كيف تحول مفاهيمها الأساسية (المجموعة، الانتماء، الفراغ، المجموعة الأسية، البديهيات) إلى مفاهيم فلسفية تقول الوجود والوضع والحدث والحقيقة.
أ: المتعدد الخالص والوجود بما هو متعدد
ينطلق باديو من رفض الأنطولوجيات التي تجعل الواحد أصلًا أو جوهرًا. الوجود ليس واحدًا، ولا يمكن رده إلى وحدة أولية. كل ما يوجد هو متعدد، والمتعدد لا يُرد إلى واحد إلا عبر عملية لاحقة. هذا المتعدد الخالص، أي المتعدد من دون واحد، هو ما تقوله نظرية المجموعات. في نظرية المجموعات لا تُعرف العناصر بصفاتها أو ماهياتها، بل بعلاقاتها الانتمائية فقط. المجموعة هي جمع من عناصر، وهذه العناصر نفسها مجموعات. لا يوجد «شيء» أخير أو جوهر فردي؛ كل شيء متعدد يتألف من تعددات أخرى. بهذا المعنى تصبح نظرية المجموعات خطابًا عن المتعدد بما هو متعدد، دون افتراض وحدات أولية أو جواهر بسيطة. الوجود الأنطولوجي هو هذا المتعدد غير المنظم بعد، والمتعدد الذي لم يُعدّ بعد واحدًا. هذه الخطوة حاسمة: فهي تحرر الأنطولوجيا من الإرث الأرسطي واللاهوتي الذي يبحث عن جوهر أو محرك أول أو واحد مطلق، وتفتحها على فكر التعددية الجذرية المستمدة من الثورة الكانتورية.
ب: الفراغ والاسم اللائق للوجود
إذا كان كل متعدد يتألف من تعددات، فلا بد من نقطة توقف أو أساس. هذا الأساس هو المجموعة الفارغة، أو الفراغ. الفراغ هو المجموعة التي لا ينتمي إليها أي عنصر. وهو ليس عدمًا مطلقًا بالمعنى الميتافيزيقي التقليدي، بل هو الاسم اللائق للوجود الخالص في الأنطولوجيا الرياضية. يرجع باديو إلى بديهية الفراغ في نظرية المجموعات ليؤكد أن كل بناء مجموعي ينطلق في النهاية من الفراغ عبر عمليات متتالية من التجميع. الفراغ هو ما يتبقى عندما نُجرد المتعدد من كل تقديم أو عدّ. وهو بذلك يشير إلى الوجود بما هو غير مُقدَّم وغير معدود بعد. في الوضع الملموس قد يُقصى الفراغ أو يُنسى، لكن الأنطولوجيا تكشف أنه الأساس الصامت لكل تعدد. هذا التصور يمنح الأنطولوجيا طابعًا ماديًا صوريًا صارمًا: الوجود ليس روحًا أو معنى أو حضورًا، بل فراغ متعدد يُبنى عليه كل شيء عبر الانتماء.
ت: التقديم والعدّ كواحد والوضع
الوجود الخالص متعدد غير منظم، لكن ما يظهر لنا هو أوضاع منظمة. هنا تدخل عملية أساسية يسميها باديو «العدّ كواحد». العدّ كواحد هو ما يحول المتعدد الخالص إلى متعدد مُقدَّم، أي إلى مجموعة يمكن التعامل معها كوحدة. الوضع (أو الموقف) هو متعدد مُقدَّم، أي مجموعة من العناصر التي عُدّت كواحد وفق بنية معينة. الانتماء هو العلاقة الأنطولوجية الأساسية: أن ينتمي عنصر إلى مجموعة يعني أنه مُقدَّم في ذلك الوضع. البنية هي ما يضمن هذا العدّ ويمنع التشتت. نظرية المجموعات توفر اللغة الدقيقة لهذا التمييز: فالانتماء (∈) يقول التقديم الأنطولوجي، بينما البنية هي ما يجعل الوضع متماسكًا. الأنطولوجيا تقول المتعدد الخالص، أما الوضع فهو نتيجة تدخل العدّ كواحد الذي ينتمي إلى نظام الظهور لا إلى الوجود الخالص نفسه.بهذا تصبح الأنطولوجيا قادرة على التمييز بين ما هو موجود بما هو متعدد وبين ما هو مُقدَّم في وضع معين. وهذا التمييز يمهد للحديث عن ما يتجاوز الوضع.
ث: إعادة التقديم والدولة والمجموعة الأسية
كل وضع لا يكتفي بتقديم عناصره، بل يعيد تقديمها عبر مجموعات جزئية. هنا يظهر مفهوم «دولة الوضع» أو حالة الوضع. دولة الوضع هي ما يعدّ المجموعات الجزئية للوضع، أي ما يضمن إعادة تقديم ما كان مُقدَّمًا. في نظرية المجموعات يقابل هذا المفهوم بدقة فكرة المجموعة الأسية (مجموعة كل المجموعات الجزئية). فالدولة هي العدّ كواحد للمجموعات الجزئية، وهي بذلك تمثل مستوى أعلى من التنظيم والسيطرة. غالبًا ما تكون الدولة أكبر من الوضع نفسه، مما يخلق فجوة أنطولوجية بين التقديم وإعادة التقديم. يحلل باديو هذه الفجوة فلسفيًا: فهي تفسر ظهور الهيمنة والتصنيف والسيطرة داخل الأوضاع التاريخية والاجتماعية. الدولة تحاول إحصاء كل الممكنات الجزئية والسيطرة عليها، لكنها لا تستطيع أبدًا أن تطابق التقديم الأصلي تمامًا، ولا أن تمنع ظهور ما يفلت منها. هذه الفجوة هي أحد الشروط الإمكانيّة للحدث.
ج: بديهيات نظرية المجموعات وتأويلها الأنطولوجي
يؤول باديو بديهيات نظرية زيرميلو-فرانكل (مع بديهية الاختيار) تأويلًا أنطولوجيًا منهجيًا:
بديهية الامتداد تقول إن المجموعة تتحدد بعناصرها فقط، مما يؤكد أولوية الانتماء على أي صفة ماهوية.
بديهية الفراغ تثبت وجود الأساس الفارغ.
بديهيات الزوج والاتحاد والمجموعة الأسية تسمح ببناء التعددات المعقدة من البسيط.
بديهية اللانهاية تدخل اللانهاية الفعلية، فتحرر الفكر من التناهي الأرسطي.
بديهية الاختيار تثير مسألة وجود دالة اختيار شاملة، ويربطها باديو بقضايا التدخل والقرار.
بديهية التأسيس (أو الانتظام) تمنع الانتماء الذاتي والتسلسل اللانهائي الهابط، وهي نقطة حاسمة في التمييز بين الوجود الأنطولوجي والحدث.
هذه البديهيات ليست مجرد قواعد تقنية؛ بل هي قرارات أنطولوجية تحدد ما يمكن قوله عن الوجود الخالص. الأنطولوجيا الرياضية تقول ما هو ممكن بحسب هذه البديهيات، لكنها لا تقول كل شيء؛ فهناك ما يفلت منها.
ح. الحدث وحدود الأنطولوجيا
الحدث عند باديو هو متعدد يفلت من العدّ داخل الوضع، ويتميز بخاصية مستحيلة أنطولوجيًا: الانتماء الذاتي. الحدث ينتمي إلى نفسه بطريقة ما، أو يتضمن اسمه الخاص ضمن عناصره. لكن بديهية التأسيس في نظرية المجموعات تمنع تمامًا أي مجموعة من الانتماء إلى نفسها أو تكوين سلسلة هابطة لا نهائية. لذلك يكون الحدث في نظر الأنطولوجيا الرياضية مستحيلًا أو غير موجود. الأنطولوجيا تقول الوضع والمتعدد الخالص، لكنها تصمت أمام الحدث. الحدث يظهر كفائض أو كتمزق في الوضع، ويستدعي تسمية تدخلية وقرارًا يتجاوز الحساب الأنطولوجي الصرف. بهذا تحدد نظرية المجموعات حدود الأنطولوجيا ذاتها: فهي تقول الوجود بما هو وجود، لكنها لا تستطيع أن تقول ما يحدث بما هو حدث. الفلسفة تبدأ من هذا الحد، فتنتقل من الأنطولوجيا إلى نظرية الحدث والحقيقة والذات.
خ: الحقائق والمجموعات العامة والإرغام
بعد الحدث يأتي بناء الحقيقة. الحقيقة ليست مطابقة ولا معنى، بل هي مجموعة عامة (جنيسة) تُبنى داخل الوضع عبر إجراء طويل من الإخلاص. المجموعة العامة هي متعدد يفلت من كل الاستحواذات التي تمارسها دولة الوضع؛ فهي غير قابلة للتصنيف داخل الموارد الموجودة في الوضع. لذلك يستعير باديو هنا مفهوم الإرغام الذي طوره بول كوهين. الإرغام يسمح بإضافة مجموعات عامة إلى نموذج دون تدمير تماسكه. فلسفيًا يعني ذلك أن الحقيقة تُبنى بوصفها إضافة جنيسة توسع الوضع دون أن تكون مشتقة منه. الذات هي ما يخلص لهذا الإجراء عبر الزمن، فتحول الحدث من مجرد وقوع عابر إلى حقيقة كلية.
نظرية المجموعات توفر هنا الأدوات الصورية للتفكير في الجدة الجذرية دون الرجوع إلى تعالٍ أو إلى غموض: فالعامّة والإرغام مفاهيم رياضية دقيقة تسمح بقول كيف يمكن لما لم يكن محسوبًا أن يصبح جزءًا من الوضع الجديد.
امنًا: الدلالة الفلسفية العامة لنظرية المجموعات في الأنطولوجيا الباديوية
من خلال نظرية المجموعات ينجز باديو عدة تحولات جذرية:
يحول الأنطولوجيا من بحث عن الجوهر أو المعنى إلى علم المتعدد الخالص.
يفصل الوجود عن الواحد، فيجعل الواحد نتيجة عملية لا أصلًا.
يحدد بدقة الفرق بين التقديم وإعادة التقديم، بين الوضع ودولته.
يضع حدودًا صارمة للأنطولوجيا عبر استحالة الحدث داخله.
يفتح إمكانية التفكير في الحقائق بوصفها مجموعات عامة تُبنى بالإخلاص.
سادسا: التقاطع الثلاثي: الأفلاطونية والشعرية والرياضيات في بناء الأنطولوجيا
يتشكل استئناف القول الأنطولوجي عند باديو من خلال تقاطع هذه العناصر الثلاثة لا من خلال عزلها. الأفلاطونية توفر الأفق الفلسفي العام: الالتزام بالكليات، وبرفض السفسطة، وبإمكانية الفكر الصارم عن الوجود. الرياضيات توفر الأداة والخطاب الفعلي للأنطولوجيا، فتحول الأفلاطونية من مثالية مفارقة إلى أنطولوجيا المفرد المتعدد. أما الشعرية، أو بالأحرى الفن، فتُحفظ في موقعها كإجراء حقيقة مستقل، يُمنع من الاستيلاء على الأنطولوجيا لكنه يُعترف بدوره في إنتاج ذاتيات وظهورات جديدة. هذا التقاطع ينتج أنطولوجيا دينامية لا سكونية. الوجود يقال رياضيًا بوصفه متعددًا خالصًا، لكن الفلسفة لا تتوقف عند الأنطولوجيا؛ بل تنتقل إلى التفكير في الأحداث التي تقطع مع الأوضاع، وفي الحقائق التي تنبني عبر إجراءات طويلة الأمد، وفي الذاتيات التي تخلص لهذه الحقائق. الأنطولوجيا الرياضية توفر الأساس، والأفلاطونية توفر الروح الفلسفية، والاعتراف بالفن يمنع الاختزال العلمي أو الصوري الجامد. في هذا الإطار يصبح القول الأنطولوجي استئنافًا حقيقيًا: فهو يستعيد قدرة الفلسفة على قول الوجود، لكنه يفعل ذلك بأدوات حديثة وبوعي نقدي تجاه إغراءات الشعرية والغموض.
سابعًا: من الأنطولوجيا إلى إجراءات الحقيقة والذات
لا يكتفي باديو بالأنطولوجيا الرياضية؛ فهذه الأخيرة تقول الوجود الساكن أو الوضع، بينما الفلسفة تهتم بما يحدث، بما يقطع، بما ينتج جدة حقيقية. الحدث هو ما يظهر في وضع ما دون أن يكون قابلًا للاختزال إلى عناصره السابقة، وهو ما يفتح إمكانية إجراء حقيقة. إجراءات الحقيقة أربعة: العلمية (في الرياضيات والعلوم)، والسياسية (في المساواة والتحرر)، والفنية (في الأشكال الجديدة)، والعشقية (في الاختلاف الجنسي وبناء الاثنين). كل إجراء ينتج حقيقة كلية، ويبني ذاتية تخلص لهذه الحقيقة عبر الزمن. هنا تتضح أهمية التقاطع السابق: الرياضيات تقول الوجود وتوفر نموذجًا للفكر العلمي كإجراء حقيقة، والأفلاطونية تؤكد كلية هذه الحقائق ضد النسبية، والشعرية (الفن) تمثل أحد الإجراءات دون أن تحتكر القول الأنطولوجي. الذات عند باديو ليست جوهرًا سابقًا ولا أنا تجريبيًا، بل هي ما ينبني عبر الإخلاص للحدث والحقيقة. بهذا المعنى تكون الأنطولوجيا مقدمة ضرورية لفكر الحدث والذات والحقيقة، لا غاية في ذاتها.
خاتمة
المقاربة الفلسفية لاستئناف باديو تكشف عن محاولة جريئة لإعادة تأسيس الفلسفة في عصر يعلن كثيرون نهايته أو تحوله إلى مجرد نقد أو تأويل. من خلال الربط بين الأفلاطونية والرياضيات مع تحديد مكانة الشعرية، يقدم باديو نموذجًا لفلسفة نسقية دون أن تكون مغلقة، صارمة دون أن تكون جامدة، منفتحة على الجدة دون أن تسقط في النسبية. هذه المقاربة تثير أسئلة عميقة حول علاقة الفلسفة بالعلم، وحول إمكانية القول الكلي في زمن التعدد والاختلاف، وحول كيفية التفكير في الحدث دون الوقوع في اللاهوت أو الرومانسية. كما أنها تفتح حوارًا مع تيارات أخرى: مع هيدغر عبر النقد، ومع أفلاطون عبر إعادة البناء، ومع الفكر الرياضي عبر التبني الجذري. هذه التحولات تجعل الأنطولوجيا الباديوية مادية وصورية في آن واحد: مادية لأنها ترفض أي روحانية أو معنى مفارق في قول الوجود، وصورية لأنها تعتمد على الرياضيات الخالصة. كما أنها تجعل الفلسفة قادرة على استئناف القول الأنطولوجي دون الوقوع في الشعرية أو في النسبية أو في الجوهرانية القديمة. نظرية المجموعات في أنطولوجيا باديو ليست أداة مساعدة بل هي القول الأنطولوجي نفسه. من خلالها يُفكر الوجود بوصفه متعددًا خالصًا، والفراغ بوصفه اسمه اللائق، والوضع بوصفه عدًّا كواحد، والدولة بوصفها إعادة تقديم، والحدث بوصفه ما يفلت من الحساب الأنطولوجي، والحقيقة بوصفها مجموعة عامة تُبنى بالإرغام والإخلاص. هذا التوظيف الجذري يعيد للأنطولوجيا صرامتها، ويفتح الفلسفة على فكر الجدة والحدث دون التخلي عن مطلب الكلية والضرورة. وبه يصبح استئناف القول الأنطولوجي ممكنًا في عصر ما بعد الميتافيزيقا، عبر الرياضيات لا عبر الشعر أو التأويل. في النهاية، يمثل استئناف القول الأنطولوجي عند باديو إعلانًا بأن الفلسفة لم تنته، وبأن الوجود لا يزال قابلاً للفكر، وبأن الصرامة الرياضية يمكن أن تلتقي مع الروح الأفلاطونية دون أن تلغي أبعاد الفن والحياة والسياسة. إنه استئناف يعيد للفلسفة طموحها الأكبر: قول الوجود والتفكير فيما يحدث وإنتاج حقائق تليق بالإنسانية. لكن ما قيمة بديهية التأسيس في الأنطولوجيا عند باديو؟ وماهي العلاقة بين أنطولوجيا باديو والفلسفة الكانطية؟
كاتب فلسفي