المقدمة والإطار التحليلي

أشارت مؤسسة "عراق المستقبل" للدراسات والاستشارات الاقتصادية إلى التقرير السنوي الصادر عن ديوان الرقابة المالية الاتحادي لعام 2025، إلى استمرار الاختلالات الهيكلية في إدارة الدولة العراقية، حيث لا ترتبط المشكلة فقط بوجود مخالفات مالية أو إدارية محددة، وانما تعكس أزمة أعمق تتمثل في ضعف الحوكمة، وتراجع كفاءة المؤسسات العامة، واستمرار نمط الاقتصاد الريعي القائم على الاعتماد شبه كامل على الإيرادات النفطية.

إن تحليل هذه البيانات يجب أن ينطلق من مفهوم الفساد المؤسسي، أي أن الفساد لا يمثل سلوكًا فرديًا معزولًا، بل يرتبط بالبنية السياسية والإدارية التي تسمح بتداخل المصالح الحزبية والاقتصادية داخل مؤسسات الدولة. فمنذ عام 2003، أدى ضعف بناء المؤسسات، وانتشار المحاصصة السياسية والإدارية، وغياب المعايير المهنية في إدارة القطاع العام، إلى خلق بيئة ساعدت على توسع شبكات النفوذ واستنزاف الموارد العامة.

وعليه، فإن الأرقام الواردة في تقرير ديوان الرقابة المالية لا تمثل مجرد خسائر مالية، بل مؤشرات على ضعف قدرة الدولة على تحويل مواردها إلى خدمات وتنمية اقتصادية.

أولاً: تحليل مؤشرات تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي لعام 2025

يشير التقرير إلى أن الأرباح والمستحقات غير المسددة من الشركات العامة بلغت نحو 26.44 تريليون دينار.  إن أهمية هذا الرقم لا تكمن في حجمه المالي فقط، بل في دلالته على ضعف العلاقة بين مؤسسات الدولة والخزينة العامة. فالشركات العامة التي يفترض أن تكون أدوات إنتاجية للدولة تحولت في العديد من الحالات إلى مؤسسات ضعيفة الكفاءة تعتمد على الدعم الحكومي بدلاً من تحقيق عوائد اقتصادية.

كما كشف التقرير عن وجود فروقات ضريبية على الشركات النفطية للفترة 2018–2023 بلغت 388.7 مليار دينار عراقي. ويشير ذلك إلى ضعف النظام الضريبي، ومحدودية قدرة الدولة على مراقبة النشاط الاقتصادي واستخلاص حقوقها المالية. ويعد هذا الأمر أكثر خطورة في اقتصاد يعتمد أساسًا على النفط، لأن ضعف الإيرادات غير النفطية يزيد من هشاشة المالية العامة.

وفي مجال الخدمات والبنية التحتية، فإن وجود (22) طائرة خارج الخدمة، تمثل 51٪ من أسطول الخطوط الجوية العراقية، يعكس مشكلة إدارة الأصول العامة، حيث إن امتلاك الدولة للأصول لا يضمن تحقيق قيمة اقتصادية منها ما لم ترتبط بإدارة كفؤه وصيانة وتخطيط طويل الأجل.

أما تسجيل 1091 حادثاً في السكك الحديدية خلال عام 2024، خلفت 27 وفاة وإصابة، فقد كشف عن ضعف الاستثمار في البنية التحتية والسلامة التشغيل، وهو مؤشر على تراجع الاهتمام بالقطاعات الإنتاجية والخدمية التي تعد ضرورية للتنمية الاقتصادية.

وفي القطاع الزراعي والمائي، فإن وصول خطر التصحر إلى 55٪ من مساحة العراق، مع عدم تبطين 85٪ من الجداول الفرعية، يعكس ضعف الإدارة الإستراتيجية للموارد المائية. كما أن انخفاض تجهيز بذور الحنطة للفلاحين بنسبة 54٪ خلال عام 2024، يشير إلى ضعف السياسات الزراعية وتراجع دعم الإنتاج المحلي للفلاحين، والاعتماد على الاستيراد الخارجي.

ففي قطاع التربية والتعليم، رصد الديوان وجود 149 مشروع أبنية مدرسية غير منجزة في محافظة بابل وحدها. تعكس هذه الحالة على مدى اهمال الجهات الحكومية على متابعة مراحل تنفيذ المشاريع وفق المدة الزمنية المحددة، وبالمواصفات المطلوبة، وعدم إتخاذ إجراءات قانونية بحق المخالفين!.

ثانياً: دور شبكات المصالح والمكاتب الاقتصادية للأحزاب

إن أحد العوامل الأساسية التي تفسر استمرار الفساد يتمثل في نشوء شبكات مصالح اقتصادية مرتبطة بالقوى السياسية. فقد أدى غياب الفصل الواضح بين العمل السياسي والنشاط الاقتصادي إلى ظهور ما يعرف بالمكاتب الاقتصادية للأحزاب، والتي أصبحت في بعض الحالات تؤثر في توزيع العقود الحكومية، والتعيينات، وإدارة الموارد.

وتؤدي هذه الظاهرة إلى إضعاف المؤسسات الرسمية، لأن القرار الاقتصادي لا يصبح قائمًا على دراسة الجدوى والكفاءة، وإنما قد يخضع للتوازنات السياسية. كما أن وجود شبكات مصالح داخل بعض الوزارات والمحافظات والبلديات والمؤسسات العامة يؤدي إلى صعوبة تطبيق الرقابة والمساءلة.

إن المشكلة الأساسية ليست فقط في وجود الفساد، بل في تحول بعض أشكاله إلى آليات مستقرة داخل النظام الإداري، مما يجعل معالجته تحتاج إلى إصلاح مؤسسي شامل وليس إجراءات قانونية مؤقتة.

ثالثاً: عدم تسوية السلف والديون المعدومة والتهرب الضريبي

تمثل عدم تسوية السلف الحكومية، بانها إحدى صور الهدر المالي. إذ إن صرف الأموال دون وجود متابعة دقيقة أو ضمانات كافية يؤدي إلى تراكم ديون يصعب استردادها، وتحول بعضها إلى ديون معدومة تتحملها الخزينة العامة.

وترتبط هذه المشكلة بضعف أنظمة الرقابة الداخلية في المؤسسات الحكومية، وغياب الربط الإلكتروني بين الجهات المالية، وعدم وجود نظام فعال لتقييم قدرة الجهات المستفيدة على السداد.

أما التهرب الضريبي والكمركي، فهو يمثل خسارة مزدوجة للدولة؛ فمن جهة يحرم الموازنة من موارد مهمة، ومن جهة أخرى يخلق منافسة غير عادلة بين الأنشطة الاقتصادية. ويعود ضعف التحصيل الضريبي إلى عوامل متعددة، منها ضعف الإدارة الضريبية، وتعدد الاستثناءات، ونقص قواعد البيانات، وضعف التنسيق بين المؤسسات المالية.

الاستنتاجات والتوصيات

تؤكد مؤشرات تقرير ديوان الرقابة المالية لعام 2025 أن مشكلة العراق ليست في نقص الموارد المالية، وإنما في ضعف الإدارة الاقتصادية والمؤسساتية. فالفساد أصبح مرتبطًا ببنية إدارية وسياسية واقتصادية تحتاج إلى إصلاحات عميقة.

ومن أهم التوصيات:

تعزيز استقلالية المؤسسات الرقابية وضمان تنفيذ توصياتها؛ 1.

إنهاء تضارب المصالح بين العمل السياسي والنشاط الاقتصادي؛.2

إصلاح نظام الشركات العامة وربط إداراتها بمؤشرات أداء واضحة؛.3

إنشاء نظام إلكتروني شامل لمتابعة السلف والقروض الحكومية؛.4

تطوير النظام الضريبي والكمركي وزيادة الإيرادات غير النفطية؛.5

اعتماد الكفاءة والخبرة أساسًا في اختيار القيادات الإدارية؛.6

7.الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى نموذج اقتصادي إنتاجي يعتمد على الصناعة والزراعة والاستثمار

خاتمة

إن الإدارة الاقتصادية في العراق تواجه تحدياً مزدوجاً، يتمثل في ضرورة تحقيق التنمية الاقتصادية من جهة، وإعادة بناء المؤسسية من جهة أخرى. إن معالجة الفساد في العراق تتطلب الانتقال من سياسة معالجة النتائج إلى معالجة الأسباب، أي بناء مؤسسات قوية قادرة على حماية المال العام وتحقيق التنمية المستدامة.

ولتحقيق ذلك يتطلب الاسترشاد بأركان الإدارة الرشيدة المعروفة، وإتباع مبدأ الشفافية والافصاح عن البيانات والمعلومات، وتبني استراتيجية تنموية شاملة، من خلال وجود رؤية واضحة معللة وشفافة فيما يتعلق بأوليات وأهداف التنمية، بما يضمن الرفاء الاجتماعي، ويحقق التقدم والازدهار في البلاد.

جزيل الشكر الى الزميل الصديق الأستاذ مصباح كمال على قراءته المقال وملاحظاته القيمة بصدده

1 المقال منشور على شبكة الاقتصاديين العراقيين بتاريخ، 08/08/2026

* دكتوراه في فلسفة الاقتصاد الكمي/محاسبة التكاليف، باحث أكاديمي متقاعد في النظام المحاسبي

4 آب 2026

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع

ديوان الرقابة المالية الاتحادي العراقي، التقرير السنوي لعام 2025، بغداد، 2025. 1

وزارة المالية العراقية، البيان المالي والموازنة العامة الاتحادية للعراق 2024–2025، بغداد، 2025.2

البنك المركزي العراقي، التقرير الاقتصادي السنوي، بغداد، 2024.3

صندوق النقد الدولي.4 (IMF)، Iraq: Article IV Consultation Report

البنك الدولي،.5Iraq Economic Monitor: Navigating Economic Challenges and Reform Priorities واشنطن، 2024

منظمة الشفافية الدولية، .6Corruption Perceptions Index 2024 برلين، 2025

برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.7 (UNDP)، Iraq Governance and Institutional Reform Reports 2024

.8 OECD، Public Integrity Indicators and Anti-Corruption Frameworks باريس، 2024