من شارع التانكي إلى الجامعات وأماكن العمل والفضاء الإلكتروني... المشكلة ليست في المرأة التي خرجت إلى الشارع، بل في مجتمع لم يحسم بعد موقفه من حقها في الأمان.

في كل صباح، تخرج آلاف العراقيات إلى الجامعات والمدارس والدوائر والأسواق وأماكن العمل. يحملن حقائبهن وأحلامهن وهموم الحياة اليومية، لكن كثيرات يحملن مع ذلك شيئًا آخر لا يظهر في الصور ولا تسجله الإحصاءات بسهولة، وهو "الحذر".

"الحذر"، من كلمة في الشارع، أو سيارة تبطئ إلى جوار الرصيف، أو ملاحقة، أو يد تمتد في مكان مزدحم، أو مسؤول يستغل موقعه، أو رسالة إلكترونية تبدأ بالمضايقة وقد تنتهي بالتهديد والابتزاز.

قد تبدو هذه حوادث متفرقة، لكنها حين تتكرر في الشارع والجامعة والعمل والفضاء الإلكتروني، لا تعود مجرد سلوكيات فردية. إنها تطرح سؤالًا اجتماعيًا وقانونيًا أكبر عن معنى الحرية والأمان في الفضاء العام.

وأعادت حادثة شارع التانكي في منطقة المنصور ببغداد القضية إلى واجهة النقاش العام في آب/أغسطس 2026، بعدما انتشر مقطع مصور يظهر ملاحقة فتاة في الشارع من قبل عدد من السيارات.

تحركت السلطات بعد انتشار الفيديو، وأُعلن توقيف عدد من المتهمين واتخاذ الإجراءات القانونية بحقهم استنادًا إلى المادة 402 من قانون العقوبات.

لكن المشهد الأكثر أهمية لم يكن ما حدث في الشارع وحده، بل ما حدث بعده على مواقع التواصل الاجتماعي.

فإلى جانب الأصوات التي أدانت الملاحقة وطالبت بالمحاسبة، ظهرت أسئلة عن الفتاة نفسها.

لماذا خرجت في ذلك الوقت، ماذا كانت ترتدي، ولماذا كانت وحدها؟

إن الشارع العام لا يفقد صفته القانونية بعد منتصف الليل، وكرامة الإنسان لا تصبح مشروطة بملابسه أو ساعة خروجه.

الصعوبة الأولى في مناقشة التحرش في العراق هي غياب قاعدة وطنية حديثة ومنتظمة تقيس جميع أشكاله، ولذلك ينبغي تجنب الأرقام المتداولة التي تخلط بين التحرش والعنف الأسري والاعتداء الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي.

لكن البيانات المتاحة تقدم مؤشرات مهمة. ففي مسح الباروميتر العربي 2019، 33% من النساء ذكروا انهن تعرضوا لتحرش جنسي لفظي. 

وذكرت بيانات أحدث للباروميتر العربي، نُشرت في 2024، أن 79% من العراقيين يرون أن التحرش بالنساء في أماكن العمل شائع، و82% يرون أنه شائع في الأماكن العامة.

فلماذا تصمت الضحية؟ لأن الشكوى قد تكون مكلفة، الطالبة قد تخشى أن تمنعها أسرتها من الجامعة، الموظفة قد تخشى فقدان عملها، والمرأة قد تخشى التشهير والانتقام.

وقد أشار مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى أن قلة الشكاوى ترتبط بطبيعة المجتمع والخشية من الإفصاح، كما تناول وجود التحرش ضد النساء والأطفال وحتى الرجال، وامتداده إلى الفضاء الإلكتروني.

وهنا تصبح المشكلة مضاعفة، فالمتحرش قد ينسى ما فعله بعد دقائق، بينما تقضي الضحية وقتًا طويلًا تدافع عن نفسها أمام مجتمع يسألها لماذا حدث ذلك لها.

القانون العراقي يتناول بعض صور التحرش، لكن بصورة موزعة بين أكثر من نص:

فالمادة 402 من قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 تعاقب من يتعرض لامرأة في مكان عام بأقوال أو أفعال أو إشارات تخدش الحياء، كما تتناول عدة أمور مخالفة للآداب. لكن القانون صدر قبل أكثر من نصف قرن، في زمن لم تكن فيه منصات التواصل الاجتماعي أو الحسابات الوهمية أو التحرش الرقمي والابتزاز الإلكتروني بالشكل المعروف اليوم.

أما قانون العمل رقم 37 لسنة 2015، فهو أكثر وضوحاَ، إذ تحظر المادة العاشرة التحرش الجنسي في الاستخدام والمهنة، سواء في البحث عن العمل أو التدريب أو التشغيل أو ظروف العمل، كما تحظر خلق بيئة عمل ترهيبية أو معادية أو مهينة. ويعًرف القانون بأن التحرش هو سلوكًا جسديًا أو شفهيًا ذا طبيعة جنسية أو سلوكًا قائمًا على الجنس يمس كرامة النساء أو الرجال ويكون غير مرغوب فيه، كما تنص المادة 11 على عقوبات بحق من يخالف هذه الأحكام.

وأخطر أشكال التحرش هي التي تقع في علاقة غير متكافئة، مثل أستاذ وطالبة، مدير وموظفة، مسؤول وصاحبة معاملة، شخص نافذ ومن يحتاج إلى توقيعه أو موافقته، وكذلك تحرش الشارع.

وقد شهد العراق خلال السنوات الأخيرة قضايا واتهامات في مؤسسات جامعية وصلت بعض وقائعها إلى التحقيق والقضاء، ما أعاد طرح الحاجة إلى آليات سرية ومستقلة لتقديم الشكاوى داخل المؤسسات التعليمية.

ومنصات التواصل الاجتماعي أصبحت شارعًا آخر، فلم يعد المتحرش بحاجة إلى أن يقف عند زاوية شارع، يكفي أن يجد حسابًا على الإنترنت ويبدأ التحرش. ولهذا أصبح التحرش الإلكتروني واحدًا من أكثر أوجه المشكلة تعقيدًا، لأن المتحرش يستطيع دخول الحياة الخاصة للضحية من خلف شاشة، وقد يستطيع إعادة التواصل حتى بعد الحظر.

ولكن قضية التحرش لم تبدأ اليوم، فهذه القضية ليست منفصلة عن النقاش الأوسع حول حقوق المرأة والعنف والتمييز في العراق، وهي موضوعات تناولتُها في مقالات سابقة لي. فقد اشرت في 2022 الى "ضرورة حماية المرأة من العنف والتمييز". وفي 2023 "ناقشتُ الجدل السياسي والاجتماعي حول قوانين مواجهة العنف الأسري وحقوق المرأة". وفي عام 2026 أشرتُ إلى "أن التحرش في العراق ليس مجرد سلوك فردي عابر، بل مشكلة أوسع ترتبط بالقيم والمؤسسات وأمن المجتمع".

ولهذا فإن العودة إلى هذا الموضوع اليوم ليس تكرارًا، بل هو امتداد لسؤال. هل تستطيع المرأة العراقية أن تعيش في وطنها من دون أن تدفع ثمن كونها امرأة؟

نحن لا يمكن أن نُحمل النساء طوال حياتهن مسؤولية تجنب المتحرش، ثم نعفي المجتمع من مسؤولية تربية أبنائه على ألّا يصبحوا متحرشين. المجتمع والقوانين يجب أن تتغير.

وبحسب منظمات دولية وناشطون ورجال دين، فأن العادات والتقاليد والقيم العشائرية والتفسير "الخاطئ" لتعاليم الأديان السماوية والصراعات الطائفية تسببت في انتشار العنف ضد المرأة بالعراق و"الانتقاص من حقوقها". وإن العراق ما يزال يسجل نسب مرتفعة في مجال خرق حقوق الإنسان عامة والمرأة خاصة، كما يسجل حالات عنف وقتل ضد النساء تندرج في أغلبها ضمن جرائم الشرف التي ما تزال الحكومة عاجزة عن ردعها بسبب عدم وجود القوانين الضامنة لحقوق المرأة ومعاقبة من يعنفها.

ولكن بالرغم من كل ذلك فيبقى هناك الأمل في شبابنا ومجتمعنا، فقد خلت المظاهرات العراقية التي انطلقت في الأول من تشرين الأول 2019 من ظاهرة التحرش أو الانتقاص من دور المرأة، فكانت المرأة تقف جنباً إلى جنب مع الرجل لإنجاح الحركة الاحتجاجية ونيل جميع المطالب. ولعل ذلك يعود إلى الوعي الكبير لدى المحتج العراقي الذي بدأ يساند ويدافع عن قضية المرأة وحقوقها.

11 أب 2026

هوامش ومصادر مختصرة

  1. الباروميتر العربي، بيانات العراق الأحدث: 79% يرون التحرش بالنساء في مكان العمل شائعًا، و82% يرونه شائعًا في الأماكن العامة.

https://www.arabbarometer.org/media-news/amid-persistent-challenges-iraqis-express-cautious-optimism-in-latest-survey/

  1. مجلس القضاء الأعلى العراقي: تقرير حول التحرش، قلة الشكاوى، المادة 402، والتحرش الإلكتروني.

https://www.sjc.iq/view.70445/

  1. قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015، المادة 10 وما يليها: النص الرسمي المنشور عن وزارة العدل العراقية.

https://www.moj.gov.iq/uploaded/4386.pdf

  1. نبيل رومايا، «العنف الأسري وحقوق المرأة العراقية وسيداو»، 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2022

https://idu.net/mod.php?mod=news&modfile=item&itemid=47786

  1. نبيل رومايا، «الجندر والعنف الأسري ومجلس النواب العراقي»، 2 آب/أغسطس 2023

https://idu.net/mod.php?mod=news&modfile=item&itemid=48480

  1. نبيل رومايا، «العراق ليس فاشلًا... بل يُدار بالفشل»، 4 كانون الثاني/يناير 2026

https://idu.net/mod.php?mod=news&modfile=item&itemid=50467

  1. حادثة شارع التانكي، المنصور – بغداد، آب/أغسطس 2026: تقارير إخبارية وبيانات متداولة عن توقيف عدد من المتهمين وفق المادة 402 من قانون العقوبات العراقي.
  2. منصات الذكاء الاصطناعي والتواصل الاجتماعي