بدايتاً دولة تبحث عن مركزيتها منذ عام 2003، ترسّخ في العراق نمط من الحكم يقوم على توزيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة بين القوى السياسية والحزبية المتعددة، بما يُعرف محليًا بـ المحاصصة هذا النمط، الذي وُلد في الأصل كصيغة لضمان التمثيل السياسي بعد سقوط النظام السابق، تحوّل مع الوقت إلى بنية موازية للدولة الرسمية، تتقاسم فيها الأحزاب والكتل موارد الوزارات ومفاصلها الإدارية والمالية اليوم، وبعد أكثر من عقدين من هذا الواقع، باتت محاولات أي حكومة عراقية لإعادة بناء المركزية الإدارية ومكافحة الفساد تصطدم بثلاثة ملفات شديدة الحساسية مكاتب الوزراء الحزبية، والتحقيق في العقود الحكومية السابقة، وحصر السلاح بيد الدولة، هذه الملفات الثلاثة تمثل خطوط التماس الحقيقية بين مشروع الدولة المركزية ومصالح القوى التي بنت نفوذها على غيابها.

أولًا: مكاتب الوزراء الحزبية سلطة موازية داخل الوزارة، من أكثر الظواهر إثارة للجدل في الإدارة العراقية وجود ما يُعرف بـ مكاتب الوزراء أو المكاتب الاقتصادية، وهي هياكل غير رسمية تتبع عمليًا للحزب أو الكتلة التي رشّحت الوزير، أكثر مما تتبع للدولة هذه المكاتب، وإن لم يكن لها غطاء قانوني صريح في الغالب، تمارس نفوذًا فعليًا واسعًا على القرارات الإدارية والمالية داخل الوزارة من التعيينات والترقيات إلى توجيه العقود والمشتريات الحكومية، المشكلة البنيوية هنا لا تكمن فقط في الفساد المحتمل، بل في ازدواجية السلطة نفسها، فحين يكون الوزير مسؤولًا أمام الحزب الذي أوصله إلى منصبه أكثر من مسؤوليته أمام رئيس الوزراء أو البرلمان أو القانون، تفقد الوزارة استقلاليتها كمؤسسة دولة، وتتحول إلى امتداد لمكتب سياسي حزبي، هذا الواقع يجعل أي محاولة لفرض مركزية إدارية حقيقية بمعنى خضوع جميع الوزارات لخط قيادة وقرار واحد هو الحكومة الاتحادية تصطدم بمقاومة صامتة لكن فعالة من هذه المكاتب، التي ترى في أي إصلاح إداري تهديدًا مباشرًا لمصادر نفوذها ومواردها، المدافعون عن استمرار هذا النمط، من داخل المنظومة السياسية، يقدّمون حججًا مختلفة فبعضهم يرى أن هذه المكاتب هي ببساطة الشكل العملي للتوافق السياسي الذي يحفظ توازن المكونات ويمنع الانفراد بالسلطة، وأن إلغاءها فجأة قد يفتح الباب أمام هيمنة جهة واحدة على مفاصل الدولة في المقابل، يرى منتقدو هذا النمط أنه لا يعدو كونه غطاءً لتوزيع الريع والمناصب، وأن استمراره هو السبب الرئيسي في تراجع كفاءة الخدمة العامة وانتشار الفساد الإداري.

ثانيًا: التحقيق في العقود الحكومية غربلة الماضي بمخاطر الحاضر، وهذا الملف هو الأشد التصاقًا بالفساد المالي المباشر، يتعلق بالتوجه نحو مراجعة العقود الحكومية المبرمة في السنوات والعقود الماضية، وملاحقة شبكات المنتفعين منها العراق، بوصفه دولة ريعية تعتمد بشكل شبه كامل على عائدات النفط، شهد منذ 2003 حجم إنفاق عام هائلًا في مشاريع البنية التحتية والخدمات، غير أن نسبة كبيرة من هذه المشاريع إما لم تكتمل، أو نُفذت بجودة متدنية، أو كانت أساسًا صورية لتمرير أموال عامة إلى جهات متنفذة عبر شركات وهمية أو مقاولين مرتبطين بشبكات سياسية ونافذة فتح ملفات هذه العقود القديمة يحمل في طياته احتمالين متناقضين فمن جهة، يمثل خطوة ضرورية لاسترداد الأموال العامة المنهوبة ووضع حد لثقافة الإفلات من العقاب التي رافقت اقتصاد المحاصصة لعقدين كاملين ومن جهة أخرى، يحمل هذا التوجه مخاطر جدية على الاستقرار السياسي، لأن الشبكات المستفيدة من هذه العقود ليست معزولة عن مراكز القرار، بل غالبًا ما تكون مرتبطة بأحزاب وشخصيات نافذة لا تزال جزءًا فاعلًا من المعادلة السياسية الحالية هذا يجعل أي تحقيق جاد عرضة لاتهامات بالانتقائية أو التوظيف السياسي، خصوصًا إذا طال أطرافًا دون أخرى، أو إذا استُخدم كأداة ضغط سياسي أكثر من كونه مسارًا قضائيًا مستقلًا.

التحدي الحقيقي هنا يكمن في المؤسسات الرقابية نفسها هيئة النزاهة والأجهزة الرقابية الأخرى تعمل تاريخيًا وسط قيود سياسية وإدارية تحد من استقلاليتها الفعلية، بينما القضاء، رغم محاولات إصلاحه، ما زال يواجه تحديات في تحصين نفسه من الضغوط السياسية عند التعامل مع ملفات كبار المسؤولين لذلك فإن نجاح هذا الملف لا يقاس فقط بعدد الملفات التي تُفتح، بل بمدى قدرة الدولة على متابعتها حتى نهايتها القضائية، بمعزل عن الانتماءات السياسية للمتورطين.

ثالثًا: حصر السلاح بيد الدولة الاختبار الأصعب إذا كانت المكاتب الحزبية والعقود المشبوهة تمثلان تحديات إدارية ومالية، فإن ملف حصر السلاح بيد الدولة يذهب إلى جوهر مفهوم السيادة والاحتكاك الأمني ذاته فمنذ سنوات، توجد في العراق فصائل مسلحة تعمل بشكل شبه مستقل عن القيادة العسكرية الرسمية، رغم ارتباط بعضها الشكلي بمؤسسات الدولة عبر أطر مثل الحشد الشعبي، هذه الفصائل تمتلك ترسانات عسكرية وتمويلًا وقرارًا مستقلًا نسبيًا، وتشكل في مناطق عدة سلطة أمر واقع موازية للجيش والشرطة، أي محاولة جادة لحصر السلاح بيد الدولة تصطدم بعقبتين رئيسيتين، الأولى هي الحسابات السياسية الداخلية فبعض هذه الفصائل يتمتع بنفوذ سياسي وبرلماني مباشر، ما يجعل أي قرار بنزع سلاحه أو دمجه الكامل تحت القيادة الرسمية أشبه بمواجهة سياسية شاملة قد تهدد استقرار الحكومة نفسها أما العقبة الثانية فهي الحسابات الإقليمية، إذ ترتبط بعض هذه الفصائل بشبكات نفوذ خارجية تتجاوز الحدود العراقية، ما يجعل قرار حصر السلاح مسألة تتقاطع مع توازنات إقليمية أوسع لا تملك بغداد وحدها القدرة على حسمها، من وجهة نظر مؤيدي حصر السلاح، فإن استمرار وجود أذرع مسلحة خارج الإطار الرسمي يقوّض هيبة الدولة ويجعل احتكار العنف المشروع وهو أحد أبسط تعريفات السيادة منقوصًا، كما يفتح الباب أمام استخدام السلاح كأداة ضغط سياسي داخلي في المقابل، تبرر بعض الفصائل استمرار تسليحها بضرورة الجاهزية لمواجهة تهديدات أمنية أو إرهابية لم تنته بعد، وتنظر إلى أي دعوة لتسليم سلاحها الآن على أنها تجريد لها من دورها ونفوذها لصالح أطراف سياسية منافسة، لا كخطوة إصلاحية محايدة.

ختاماً: بين إرادة الإصلاح وثقل الموروث الملفات الثلاثة مكاتب الوزراء الحزبية، والتحقيق في العقود، وحصر السلاح ليست منفصلة عن بعضها، بل هي أوجه مختلفة لأزمة واحدة غياب مركزية الدولة الفعلية لصالح شبكات نفوذ حزبية وأمنية ومالية متشابكة، أي حكومة تسعى لمعالجة هذه الملفات تجد نفسها أمام معادلة صعبة فالتباطؤ يعني استمرار نزيف الموارد العامة وتآكل هيبة الدولة، بينما التسريع دون غطاء سياسي كافٍ قد يفجّر أزمات مع قوى قادرة على شل عمل الحكومة أو تهديد استقرارها الأمني في نهاية المطاف، يبقى مصير هذه الملفات مرهونًا بتوازن دقيق بين الإرادة السياسية للإصلاح، وقدرة المؤسسات الرقابية والقضائية على العمل باستقلالية، ومدى استعداد القوى المتنفذة الحزبية والمسلحة على حد سواء  لقبول تقليص امتيازاتها التاريخية لصالح دولة مؤسسات حقيقية وهو رهان لم يُحسم بعد، ويظل أحد أكثر الاختبارات تعقيدًا في المشهد العراقي الراهن.

جاكوب شامايا