حدثت وتحدث في الحزب الشيوعي العراقي عدة انشقاقات وتكتلات على مر تاريخه والى الان ونشوء تشكيلات من مواطنين لم يكونوا أعضاء فيه يوما ما ، وأصبحت أحزاب بغض النظر عن حجمها وجماهيريتها الا انها اكلت من جرفه ، واحتربت هذه التنظيمات فيما بينها ، وحكم موقف الحزب الام منها الفكرة القائلة انه "متى ما وجد حزبان شيوعيان في بلد ما احدهما يكون على خطأ " ولكن الحياة لم تزكي ذلك وتطورت العلاقات والتجربة في بلدان أخرى واصبح الحزبان او اكثر قوة في الحياة السياسية لكل منهما جماهيره ، وفي بلادنا تاريخ الحركة الشيوعية لايزال حيا ، ففي الخمسينات ادركت قيادة الشهيد سلام عادل حالة التشتت والانقسام والتمزق وشخصت انها من اكبر عوامل الضعف ،وان استمرار تجزئة المجزأ ليس في صالح حركة شعبنا ولا الحزب الام ، وليس الانقسام قدرا لا يمكن الفكاك منه ، فعملت على توحيد الحزب بخوض حوارات منتجة ومفيد ة ومع كل طرف على وفق الظروف التي أحاطت بانشقاقه وتمكنت من إعادة الوحدة مرة أخرى للحزب ، بل ان الفترة شهدت لاحقا تبوء بعض من كانوا بعيدين عن الحزب بالعودة اليه ، وممن كان من الذين يسمون بالمنشقين تسلموا مواقع نضالية في قيادة الحزب بما فيهم الموقع الأول ، " الرفيق عزيز محمد من جماعة راية الشغيلة " ، أي لم تكن هناك قيود او خطوط حمر ، كانت وحدة نقية لأجل استعادة الرفقة الخالصة ومصلحة الحزب والشعب والمسعى الجاد لتحقيق الأهداف النبيلة.
وحاول الحزب في مؤتمراته الأخيرة استقطاب من هم أصبحوا خارج اطره التنظيمية باراتهم وبغيرها وحل المعضلات والاشكالات ومعالجة الإجراءات التي دفعتهم الى الاعتكاف والانزواء عن العمل الحزبي المنظم وبقي هؤلاء محسوبين على تاريخهم المشرف، وهذا ما دفع المؤتمرين في المؤتمر الخامس الى اصدار نداء للعودة، ولكن للأسف بقي حبرا على الورق ولم تكن هناك الجدية المطلوبة واللازمة لتطبيق النداء لرغبة ومزاج وتفكير ضيق في منع كوادر مجربة وموصوفة بالكفاءة والمقدرة من العودة..
امر فتح قناة حوار للوحدة بين الأحزاب الشيوعية القائمة في غاية الأهمية باستلهام التجربة التاريخية ، ليس بالمسالة المستحيلة ، صحيح صعبة لكنها ممكنة والظروف مشجعة لكل الأحزاب الشيوعية العراقية ( حزب العمال الشيوعي والبديل الشيوعي والحزب الشيوعي القيادة المركزية وتكتلات ومجموعات أخرى مستقلة ربما لا تأخذ اطر تنظيمية واضحة ومعروفة على نطاق واسع ) فهي تلتقي في رؤى كثيرة وتتبنى سياسات مشتركة من الأوضاع القائمة في البلد وتعمل في محاور وتنسيقات وتدرك جميعا انها لا يمكن ان تكون مؤثرة ولها صوت قوي في ظل حالة التبعثر والتشرذم ولا تتاح لها أوضاعها المنفردة من الوصول الى صنع القرار على صعيد الشارع والمؤسسات والاهم تجميع القوى المعارضة للنظام الغارق في مازقه وكوارثه، ومواجهة التحديات والدفاع عن مصالح الشعب واجبار الحكام على تلبية المطامح ، يضيف قوة للنظام ولا تستطيع قوة بمفردها في ظل التشتت من احداث انعطافه سياسية او إصلاحه او تغييره او اطاحته .
ان تحقيق الوحدة بخطوات مدروسة وتطوير الاشكال الجنينية بحشد الافراد والجماعات بأبداء التنازلات المتبادلة سيخرج هذه القوى من ظاهرة التشتت وفرض نفسها رقما في المعادلات السياسية ويأخذ الجميع دوره ولا تذهب جهوده هباء.
بالنسبة للحزب الفرصة مواتية الى ان يبادر من خلال مؤتمره الذي هو على الأبواب ويطرح مشروعا جادا وصادقا لملمة صفوف تنظيمات الشيوعيين المختلفة، وأيضا على القوى الشيوعية الأخرى ان تسعى بدورها لوضع هذه المسالة للنقاش والعمل في اجندتها لتكون احزابنا قوة مهابة ومؤثرة في الساحة السياسية لاسيما الظروف الموضوعية ملائمة، وبالتالي عليها النهوض بالعوامل الذاتية الخاصة بها.
في ظل تعدد الأحزاب الشيوعية وانحسار نفوذها تبرز وتظهر الحاجة الملحة لوحدتها لاستعادة دورها ونفوذها لتعظيم مكانتها لاسيما بين الحامل الاجتماعي لأفكارها وسياساتها ولتكون ذات وزن في المجتمع وانتخابي، أي قوة تصويتية موحدة ، وهذا لا يمكن ان يتم من دون إعادة النظر بوضعها الحالي الذاتي والموضوعي وبناء افضل العلائق فيما بينها وصولا الى وحدتها الراسخة والقوية .
من انبل المهام ان تتجاوز خلافاتها التاريخية بدمج طاقاتها لمواجهة قوى التخلف والمحاصصة البغيضة ببناء حزبها الموحد او على الأقل الشروع لتقليص هذا العدد من الأحزاب ذات المرجعية الفكرية والجذور الواحدة ، وبالتالي ان تحقيق هذه المهمة هدف مهم لانطلاقتها الجماهيرية وسط الشغيلة والفلاحين والاوساط الشعبية مجددا الشرط الذي لا غنى عنه لتكون في المعادلة السياسية المؤثرة والفاعلة وعاملا نشطا ويحسب حسابه بين القوى السياسية والمجتمعية على اختلاف مشاربها وليس ينحسر نفوذها في جزء من البيئة المدنية والديمقراطية وللأسف بأضعف حالاتها مثلما هو عليه الان .
ان الخصوم في راحة تامة على ما هو عليه الوضع من فرقة وتفتت لقوى الحلول الجذرية وعدم قدرتها على لملة طاقاتها واستعادة جماهيريتها وانخراطها في بوتقة تتسع لجميع أطرافها وتهميش طلائعها في نضالها من اجل العدالة الاجتماعية ونهب الخيرات العامة وتقاسم السلطة غير المنصف والذي لا يتسم بالعدالة من خلال استدامة القوانين التي تمنع المشاركة لكل فئات الشعب.
ان ذلك يلقي على الحزب الأكبر والام " الشيوعي العراقي " المبادرة بان يبذل ما في وسعه ويضاعفه وينتقل من اللجان التنسيقية والاطر الى البحث الجاد مع الأطراف منفردة ام مجتمعة ومع الشخصيات اليسارية للعمل من اجل الوحدة ليس باشتراطات مسبقة او التسليم بكل شيء ، والتحوط مما يحاك علنا وفي الخفاء ان تبقى أسيرة وضعها الراهن، وانما من خلال استلهام التجارب السابقة وتطويرها المرن ونبذ الأفكار الضيقة واجتراح ما هو مبدع لإنجازها، لتكن المبادرة على شرف مؤتمره القادم. .
وما يدفع نحو ذلك، أيضا، البلد يسير بخطى سريعة نحو اقتصاد البناء النيو ليبرالي المؤلم والمؤذ ليس للطبقة العاملة والفلاحين والفئات المعوزة، وانما لكل أبناء شعبنا بمساندة من القوى الحاكمة ومباركة أميركية التي تستولي ثروته النفطية، بل ان البلد كله يرهن دون ان يرف طرف جفن لحكامه واصبح حقل تجارب في الاقتصاد والسياسة والصعد الأخرى لتطمين مصالح حفنة من الماسكين بالسلطة الذين يتحكمون بمقدراته.
وأخيرا نقول انه بالإمكان تحقيق بعض من هذه الوحد ة ان لم يكن كلها، إذا لم تتمكن القوى الخيرة منها مستعيدة وضعها المنشود، فأي نجاح لبعضها مع بعضها سيعزز من إمكانات الجميع ويستقطب الاخرين اليه بالممارسة الناجحة.