حين نلتفت إلى أطلال المسيرة اليسارية والماركسية في عموم أجزاء كردستان، لا نكشف مجرد تجربة تاريخية عابرة أخفقت في تحقيق أهدافها، بل نقف أمام مشهد دراماتيكي شديد القسوة والتشظي، تحولت فيه الأحلام الأممية الكبرى والشعارات التحررية الجذابة إلى مجرد أدوات استنزاف واختزال سياسي وبنيوي. لقد تكشفت الحقيقة المرة تدريجياً لتبارح اليوتوبيا الثورية مكانها، واصطدمت النخب الكردية بواقع صلب أثبت أن اليسار لم يكن البتة ذلك المخلص السحري الذي تخيلته المخيلة الشعبية أو روجت له القيادات المتعاقبة؛ بل أفرز هذا المسار تنازلات جوهرية وتحولات جذرية عرت هشاشة البناء الفكري لهذه الحركات.
في الساحة التركية، شهدنا تحولاً جذرياً في مسار الحركات الكردية الكبرى التي انطلقت من رحم الماركسية-اللينينية والكفاح المسلح، لتدخل تدريجياً في ممرات التسوية وتتراجع عبر مراجعات أطروحات زعيمها عبد الله أوجلان نحو مفاهيم الأمة الديمقراطية والعمل السياسي والبرلماني المؤسسي، متنازلة عن راديكاليتها الأولى للاحتفاظ بحد أدنى من المكاسب السياسية المشروعة. وفي كردستان سوريا، انكمشت التيارات اليسارية وتحولت بفعل البراغماتية السلطوية والترتيبات الأمنية إلى هياكل هامشية تائهة بين دفتي الاحتواء والتبعية. أما في العراق، فقد تلاشت الهوية اليسارية تماماً داخل الأحزاب الكردية التقليدية التي غاصت في وحل السلطة الإدارية والبيروقراطية الضيقة، لتتحول من حركات تمرد راديكالية إلى سلطات أمر واقع تدير الملفات بمعزل عن جذورها الكادحة. وفي المقابل، ظل اليسار الكردي في إيران سجيناً لدائرة مغلقة من الصراعات الداخلية المفرطة والانشقاقات البينية الدامية التي استنزفت كوادره التاريخية بين مطرقة الاستبداد المركزي وسندان التمزق العقائدي. هكذا، نجد أنفسنا أمام حصيلة تراجيدية قاسية: عقود من التضحيات الجسام والدماء المهدورة، انتهت إلى تنازلات قسرية وانكفاء بنيوي أفرغ التجربة اليسارية من محتواها التحرري، لتظل الإرث الأثقل والأكثر مرارة في تاريخ النضال الكردي الحديث.
مفهوم اليسار، الماركسية، والشيوعية من وجهة نظر الأحزاب والحركات الكردية
تُظهر الحركات والأحزاب الكردية فهماً عميقاً ومغايراً للفكر اليساري والماركسي والشيوعي، إذ لم تنظر إليه بوصفه مجرد نظريات اقتصادية جافة أو فلسفات أكاديمية مستوردة من كتب الفكر الأوروبي، بل أعادت صياغته واستيعابه من خلال عدستها الخاصة واحتياجات نضالها القومي الملح. وقد تجسد هذا الاستيعاب في مرتكزات محورية؛ تمثل أولها في اتخاذ اليسار أداة للتحرر القومي والعدالة الاجتماعية، بحيث لم تره القيادات والأحزاب اليسارية كفكر أممي يلغي الهوية، بل كأداة نضالية وتنظيمية صلبة تمنحهم شرعية دولية وتربط قضيتهم العادلة بحركات التحرر العالمية ضد الاستعمار والإمبريالية مع التركيز على إنصاف الطبقات الفلاحية والمهمشة في مجتمعاتهم.
وتمثل المرتكز الثاني في رؤية الشيوعية كبديل تنظيمي حداثي للقبلية، إذ رأت النخب الكردية في التنظيمات الشيوعية واليسارية وسيلة فاعلة لكسر القيود العشائرية والتقليدية المتصالحة مع الأنظمة القمعية ووسيلة لتوحيد صفوف الشباب والمثقفين عبر ولاء حزبي عابر للعشائر والمناطق. وجاء المرتكز الثالث مترجماً للتقاطع البراغماتي بين الأممية والقومية؛ حيث كيّفت الأحزاب الكردية المفاهيم الماركسية لتتلاءم مع واقعها، فبدلاً من الذوبان الكامل في الأممية البروليتارية التي تتجاهل الحدود القومية، استغلت هذه الأحزاب الخطاب اليساري المناهض للاستعمار لتثبيت الحقوق الكردية ومشروعية النضال المسلح معتبرةً أن تحرر الطبقات مرتبط حتماً بتحرر الشعب الكردي ككل. وأخيراً، تجسد المرتكز الرابع في الالتزام العاطفي والنخبوي، حيث جرى استيعاب الفكر اليساري في كثير من المحطات كعقيدة تضحية واستشهاد ثوري مطلقة، ورأى الزعماء والمناضلون الكرد في هذا الفكر مصدر إلهام أخلاقي يبرر تقديم التضحيات الجسام في مواجهة آلة القمع المركزية بعيداً عن أي حسابات واقعية لتحقيق مكتسبات سياسية ناجزة على الأرض.
مسارات اليسار الكردي وتوزيعه الجغرافي العراق، إيران، تركيا، سوريا
تجلّى الانخراط الكردي في الفضاء اليساري والماركسي عبر محطات جغرافية وسياسية متعددة، حيث اتخذت كل جزء من أجزاء كردستان مساراً خاصاً بها، متأثرة بالظروف الموضوعية للأنظمة المركزية وطبيعة البنية الاجتماعية المحلية، وتتضح هذه المسارات عبر التقسيمات الجغرافية التالية:
كردستان العراقالطلائع الأولى وتجربة القيادات التاريخية: مثّلت منظمة "هيوا" (الأمل) في الأربعينيات المحطة المبكرة التي التقت فيها النواة القومية الكردية مع الأفكار التقدمية المناهضة للإمبريالية البريطانية. ومع تتابع العقود، تبنى جيل من أبرز الزعماء كجلال طالباني وغيره الفكر اليساري والماركسي كمرجعية تنظيمية ونضالية، مستندين إلى خطاب التحرر الوطني والاجتماعي في مواجهة الأنظمة المركزية المتعاقبة، قبل أن تتحول هذه القوى تدريجياً عبر التجارب الطويلة إلى واقع إداري وسلطوي.
كردستان إيران تجربة "كومله" والرواد المفكرون: انخرط اليسار الكردي في إيران في مخاض فكري ونضالي عميق عبر تأسيس منظمة "كومله" (جمعية كادحي كردستان إيران) عام 1969، والتي مثلت نموذجاً للراديكالية الماركسية المندمجة مع الهمّ القومي والطبقي. وقد قاد هذا التيار رموز كبار ومفكرون تركوا بصمة عميقة في التاريخ السياسي، في مقدمتهم القائد الروحي والمنظر فؤاد سلطاني (الكاك فؤاد)، والقيادي والمدافع الصلب عن العمال والفلاحين صديق كمانغر، إلى جانب الكوادر الفكرية المتقدمة مثل جعفر شفيعي، حيث دفع هؤلاء ثمن طروحاتهم تضحيات واغتيالات جسام في مواجهة آلة القمع الإيرانية.
شمال كردستان - تركيا التحول من الماركسية-اللينينية إلى العمل البرلماني: رفعت الحركات الكردية الكبرى في تركيا لواء الكفاح المسلح واليسار الراديكالي (الماركسي-اللينيني) عبر عقود من المواجهة الدامية مع الدولة المركزية التركية. غير أن المسار انتهى تدريجياً إلى تدجين هذا اليسار وتحوله إلى تشكيلات وأحزاب برلمانية تنشط داخل قواعد اللعبة الدستورية والسياسية الرسمية، مما أفقده مضمونه التحرري الجذري الأصلي.
كردستان سوريا الاحتواء والاختزال المؤسسي: انكمشت التيارات والمظلات السياسية اليسارية الكردية تدريجياً لتفقد استقلاليتها الفكرية والعملية، وتتراجع لحساب التوازنات والترتيبات الأمنية والسياسية المفروضة من دمشق، بحيث أُفرغت المسألة من مضمونها القومي والتحرري وتحولت إلى أدوات هامشية تائهة بين دفتي البراغماتية السلطوية.
التعريف الشمولي لليسار والنشأة التاريخية في الشرق الأوسط والدول العربية
انبثق الفكر اليساري والماركسي في الشرق الأوسط مع مطلع القرن العشرين كاستجابة مباشرة للتحولات العميقة التي شهدتها المنطقة، وفي طليعتها الصدمة الحضارية والسياسية الناتجة عن الهيمنة الاستعمارية الغربية، والانهيار المتسارع للإمبراطورية العثمانية، فضلاً عن التأثير المدوي للثورة البلشفية في روسيا عام 1917 التي قدمت نموذجاً ثورياً مغایراً يتحدى النظام الرأسمالي العالمي. وقد دخلت الأفكار الاشتراكية والشيوعية إلى المنطقة عبر بوابات المدن الكبرى والمراكز الحضرية في مصر، وإيران، وسوريا، ولبنان، والعراق، حيث تشكلت النواة الأولى لهذه الحركات على أيدي مثقفين، وطلبة منفتحين على الفكر الأوروبي، وعمال أجانب ومحليين تركزوا في قطاعات النفط والموانئ والنقل. وفي ظل واقع مجتمعي يعاني من الاستبداد الإقطاعي والفقر المدقع والتخلف البنيوي، وجدت هذه الأفكار صدى واسعاً عبر طرحها لشعارات العدالة الاجتماعية، وتحرير الطبقات المهمشة، ومناهضة الاستعمار وأعوانه المحليين. غير أن هذه النشأة المبكرة حملت في طياتها بذرة أزمتها الكبرى؛ فقد جرى استيراد النظريات الماركسية الكلاسيكية بحذافيرها ودون تمحيص نقدي لواقع مجتمعات الشرق الأوسط المركبة التي تسيطر عليها الروابط العشائرية، والدينية، والمذهبية، والقومية. هذا التعاطي الأيديولوجي السطحي حول اليسار الناشئ إلى مستورد فكري معزول عن بيئته الحقيقية، مما جعله يغرق في شعارات أممية مجردة عجزت عن تفكيك التناقضات المحلية المعقدة، ومهّدت الطريق لاحقاً لتحول هذه الحركات إلى أدوات صراع إقليمي ودولي بعيدة عن تحقيق التحرر الفعلي للبشر والبلدان.
طبيعة الاستيراد الأيديولوجي ومأزق التضحية بلا مكتسبات
شكلت عملية نقل الفكر اليساري والماركسي من بيئته الأوروبية الأصلية إلى مجتمعات الشرق الأوسط صدمة مفاهيمية وبنيوية، حيث جرى استيراد هذه النظريات كقوالب جاهزة دون إخراجها للمراجعة النقدية أو التكييف مع الخصوصيات التاريخية والمجتمعية للمنطقة. وقد أسفر هذا الاستيراد الأيديولوجي الأعمى عن تداعيات كارثية أدت إلى تفكيك النسيج المجتمعي؛ تمثل الملمح الأول في القطيعة التامة مع الواقع المحلي وتعامل النقاشات المستوردة مع المجتمعات وكأنها صناعية أوروبية كلاسيكية تمر بصراع طبقي بين البرجوازية والبروليتاريا، متجاهلة سيطرة الروابط العشائرية والإثنية والدينية والمذهبية العميقة. وتمثل الملمح الثاني في الأدلجة المطلقة على حساب العقلانية وتحول النصوص الكلاسيكية إلى مقدسات لا تقبل النقاش، بينما تجسد الثالث في التبعية الفكرية والارتهان الخارجي وتحول الحركات إلى أوراق ضغط ومرايا لصراعات الحرب الباردة. وتتوجت هذه التداعيات بإهدار الطاقات في المعارك العبثية وزج آلاف الشباب في اشتباكات نظرية لا تمس الواقع بصلة.
وقد أفرز هذا الواقع مفارقة تاريخية قاسية تمثلت في التباين الهائل بين حجم التضحيات الجسام التي قدمتها القواعد الشعبية والكوادر المخلصون وبين هزالة النتائج والمكتسبات السياسية الفعلية. واتسم المسار بتكريس "اقتصاد التضحية المجانية" دون استراتيجية واضحة تحول تلك التضحيات إلى إنجازات ملموسة، والاستنزاف الممنهج للطاقات الشبابية في محارق الصراعات العبثية، فضلاً عن غياب المردود الاستراتيجي وحصر القيادات همّها في ديمومة المعركة الأيديولوجية وبقاء التنظيم كغاية بحد ذاته، لتنتهي المسيرة بأكملها إلى خسائر فادحة وعائد سياسي معدوم.
وتجاوزت هذه المآزق حدود الأوطان لتتجلى في أبشع صورها داخل الساحة اللبنانية خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات، حيث تحولت بيروت ومدن لبنان إلى مسرح عالمي ومقبرة كبرى لتجارب اليسار والحركات القومية والتحررية بعد دخول الفصائل في حرب أهلية مدمرة أدت إلى الاستقطاب الطائفي والتحول إلى وكلاء صراع إقليمي ودولي، لتنتهي المغامرة اليسارية على وقع الخراب الشامل وانكفاء التيارات مهزومة سياسياً وأخلاقياً.
الأسباب الفعلية لانهيار واختزال اليسار الكردي
لم يكن الانهيار وليد صدفة عابرة أو ضغوط الأنظمة المركزية وحدها، بل جاء حصيلة تراكم بنيوي لأسباب داخلية وخارجية عميقة. تمثل السبب الأبرز في طغيان البيروقراطية والتحول إلى سلطة، حيث انخرطت القيادات التاريخية مع مرور الوقت في إدارة الملفات الإدارية والمناصب، متحولةً تدريجياً من حركات تمرد راديكالية إلى بنى سلطوية تقليدية مصغرة تتكئ على ذات آليات الإدارة التي ثارت ضدها. وإلى جانب ذلك، ظهرت أزمة التبعية الحزبية والارتهان الإقليمي بوضوح، إذ افتقرت التيارات إلى الاستقلالية المالية والقرار السياسي السيادي، وارتبط مصيرها بتمويل عواصم وأنظمة إقليمية جعلت منها أدوات ضغط تُستخدم عند الحاجة وتُقايض على موائد التسويات الكبرى. كما عانت هذه الأحزاب من الجمود الفكري وعقدة النص المقدس، متمسكةً بمقولات عفا عليها الزمن مع رفض الاستماع للأصوات الشابة. وتوجت هذه الأزمات بالتشظي والانشقاقات العبثية؛ حيث أدى التعصب الحزبي والنرجسية التنظيمية إلى تمزق الصف اليساري إلى
دكاكين سياسية صغيرة وشظايا متناحرة صرعت بعضها بعضاً على تفاصيل نظرية دقيقة، مما أعدم أي قدرة على مواجهة التحديات المصيرية المحدقة بالشعب الكردي.
لمن نشكو هذا الإرث، وإلى أين المفر بعد سقوط اليوتوبيا؟
حين نقف على أطلال هذه المسيرة الطويلة المضمخة بالدماء والتضحيات الجسام، ونحصي ركام الخيبة المتمثل في عقود من النضال الذي انتهى إلى فراغ سياسي واستنزاف مجتمعي، يبرز السؤال الوجودي الأكثر مرارة: لمن نشكو هذا الإرث الثقيل ومن يتحمل وزر هذا الضياع التاريخي؟ هل نتوجه بالشكوى واللوم إلى الزعماء والقادة الذين أسكرتهم أبراج الأيديولوجيا العاجية فحولوها إلى صنم نعبده واستخدموا دماء الأتباع سُلالماً نحو مصالحهم الضيقة والبيروقراطية، أم نلقي بالمسؤولية على عامة المجتمع والبنية المجتمعية التي استكانت لسطوة القطيع وأسلمت قيادها لشعارات حماسية فارغة دون إعمال عقل أو مساءلة نقدية؟ الحقيقة المرة تشير إلى أن المسؤولية موزعة على الطرفين بدرجات متفاوتة؛ فالزعماء خانوا الأمانة الفكرية واستبدلوا الحلم بالهيمنة والسلطة، بينما تقاعس المجتمع عن بناء مناعة ثقافية وسياسية تحميه من استبداد الشعارات وبريق الأوهام.
ولأن المجتمع الكردي قد اعتاد على عباءة اليسار والشعارات الأممية لأكثر من قرن كامل، فإن خطر الخروج المفاجئ من هذا الفضاء الأيديولوجي يكمن في الوقوع بفراغ قاتل أو الانزلاق نحو العدمية السياسية. ودرءاً لهذا الخطر، تتجسد الخطوات العملية والمنهجية الواجب اتخاذها في الآتي:
التأسيس لثقافة النقد الذاتي: كسر حاجز التقديس الأعمى للأشخاص والنصوص، وإخضاع كافة التجارب التاريخية والنضالية لمراجعات علمية وموضوعية شجاعة تكشف مواطن الخلل دون خوف من تدمير الأصنام الوهمية. و البحث عن البراغماتية الواقعية التحول من منطق التضحيات المجانية والشعارات الراديكالية المطلقة إلى استراتيجيات العمل المدني والمؤسسي وحقوق الإنسان، حيث تتقوم السياسة بقدرتها على حماية المواطن لا على استنزافه. التركيز على بناء الإنسان ومؤسسات المجتمع: توجيه الطاقات الشبابية والفكرية نحو تعزيز التعليم، والاقتصاد المعرفي، وبناء بنى تحتية مجتمعية صلبة قادرة على مواجهة التحديات القومية بوعي واستقلالية تامة عن التبعيات.
وإذا لم يكن اليسار الماركسي التقليدي هو المطلب الجيد أو الملاذ الآمن للشعب الكردي بعد كل هذه الخيبات، فأين الاتجاه؟ إن الوجهة الحقيقية تكمن في الوطنية الديمقراطية الرشيدة؛ أي تبني مشروع سياسي براغماتي يرتكز على بناء مؤسسات وطنية حقيقية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة، وحماية الهوية والتعددية ضمن دولة المؤسسات أو الشراكات العادلة، بعيداً عن أوهام الخلاص الفردي واليوتوبيا الأممية. إن الأفكار لا تكتسب قيمتها بجمال شعاراتها أو بحجم التضحيات التي تُبذل في سبيلها، بل بقدرتها الفعلية على حماية الإنسان، وصون كرامته، وتأمين مستقبله في واقعه المعيش الملموس