تمر في السابع من ايلول عام 2026 ذكرى مرور اربعين عاماً على إستشهاد أختي الكبرى موناليزا والتي كانت تعمل ضمن قوات الحزب الشيوعي العراقي في كردستان بإسم أنسام , كانت الشهيدة منى شعلة ثورية لا تنطفأ من الحماس والجهادية والاخلاص للعمل في صفوف الحزب الشيوعي العراقي وفي رابطة المرأة العراقية وكان إنتمائها بوقت مبكر جداً للعمل الحزبي والمهني ومن خلاله تبوأت مراكز متقدمة وقادت رابطة المرأة في محافظة ذي قار بالاضافة الى قيادتها للنساء الشيوعيات في مدينة الناصرية , وكانت وجهاً جماهيرياً معروفاً ومحبوباً ومحترماً لدى جميع من عملت معهن او معهم من الرفاق والاصدقاء ..كانت الشهيدة ذكية جداً في المدرسة وبجميع مراحلها الدراسية وفي الجوانب العلمية والادبية فكانت متفوقة على الدوام , كنت الاحظها تنهض فجراً وتمسك بالكتب الدراسية وتعيد ما درسته ليوم أمس حتى تكون جاهزة لأي سؤال حول أي من المواد المقررة وكانت تعلم زميلاتها الطالبات وتحل لهن الكثير من المسائل المعقدة , وفي البيت كانت تساعدنا نحن إخوتها على الصعوبات التي نواجهها في بعض المواد بالاضافة الى مساعدتها لوالدتي في الطبخ والتنظيف داخل البيت وإذا بقي لها وقت قليل تقوم بمطالعة بعض الروايات والقصص النافعة وكانت مهتمة بدراسة الادب الروسي على الاخص , لم تواجه صعوبات او مشاكل مع صديقاتها او رفيقاتها وكانت علاقتها مع الجميع جيدة وممتازة ولم تشكو من أحد ولا اتذكر ان أحداً قد شكى منها بل كان الجميع يتعاملون معها بود واحترام وكانت كلماتها مسموعة ومقدرة من قبل الجميع وحينما دخلت الى دار المعلمات في الناصرية فكانت تذهب اليه مشياً على الاقدام وكان المعهد يقع في جانب الصوب الكبير من المدينة بينما كنا نعيش في الصوب الصغير في منطقة الاسكان فكانت الشهيدة تعود بعد الظهر للبيت منهكة لكن الابتسامة لا تفارقها .. ولما تخرجت من دار المعلمات لم تتعين لمدة أكثر من سنتين ثم تم تعيينها بناحية البطحاء القريبة من المدينة وبعدها تم نقلها الى مدرسة قريبة من مكان سكننا, كانت تجد المتعة والسرور مع الطالبات والمعلمات وتتحدث عنهن بفرح غامر, وبعد تشكيل الجبهة الوطنية بين الشيوعيين وحزب البعث , توسعت تنظيمات الشيوعيين بشكل ملفت وكذلك إتسعت حلقات رابطة المرأة مما زاد من العبأ وضيق الوقت على الشهيدة فكانت كثيرة الاجتماعات والاشرافات داخل غرف البيت وفي خارجه ومنها في مقر الحزب الشيوعي فصرنا نتحسر الماً على لقياها والتمتع بعذوبة كلامها وفائدته ..! وفي اواسط عام 1978 وبداية عام 1979 وكانت الشهيدة تذهب كل صباح للعمل في المدرسة كمعلمة بالوقت الذي صارت فيه الحملة منظمة وشاملة ضد الشوعيين وتنظيماتهم وكانت تشتد بصورة واضحة وصار كل شيوعي مستهدف بالاعتقال من قبل الاجهزة البعثية القمعية وبدأ رفاق حزبنا بالتوجه للعاصمة لإزالة او تخفيف الخطر المحدق بحياتهم , وبهذا الجو الملتهب فكر الحزب وقيادته بإنتشالها وأرسل لها رفيقاً من اهالي الناصرية وأصطحبها هي واختنا الصغرى كوثر الى بغداد ومن هناك بدأت تعمل مع عدد قليل من كوادر الحزب المركزية والمتوسطة اي على مستوى محلية او منطقة في إعادة الصلات المنقطعة وربط عدد من التنظيمات الحزبية لبعض الرفاق الذين وصلوا للعاصمة بغداد من بعض المحافظات وخاصة من الجنوب فكانت الشهيدة تعمل معهم بجدارة واخلاص وحينما وصلت انا الى بغداد في آذار لم التقي بها سوى مرة واحدة في يوم 21 نيسان 1979 وذهبنا سوية الى النجف لاحياء اربعينية جدتي لأمي هناك , حيث كانت مشغولة جداً بالعمل الحزبي الذي تفرغت له بشكل كامل , ومن صفات الشهيدة أنها كانت تتمتع بالصيانة التنظيمية وعدم التفريط بأسرار الحزب بحيث أنها لما شاركت في اعمال المؤتمر الوطني الثالث للحزب في ايار عام 1976 , أخفت توجهها للذهاب الى بغداد عن الجميع حتى نحن افراد اسرتها وصارت تتحجج بأنها مريضة وعلاجها لن يتم إلاّ في العاصمة لذلك أخذت إجازة من المدرسة التي كانت تدرّس بها وسافرت مع عدد من المندوبين للمؤتمر , لكن إذاعة بغداد اشارت لعقد المؤتمر والتحية الموجهة اليه من شريكه في التحالف حزب البعث ففي حينها وقبل ان تعود عرفنا أنها احدى مندوبات المؤتمر الوطني الثالث !! عاتبتها حينما عادت وقلت لها .. لماذا لم تخبرينا بذلك ..! فوضحت ان اسرار الحزب أمانة في اعناقنا ولا يمكن التفريط بها لأي كان ..!! في البيت الحزبي السري الخاص في بغداد كتب عنها الرفيق الغالي جاسم الحلوائي أبو شروق في كتابه ( الحقيقة كما عشتها ) وفي صفحة 171 و 172 ما يلي ( الرفيقة انسام معلمة , عضو محلية الناصرية , عمرها 28 عاماً , سعة وجمال عينيها تجلب انتباه المرء ما ان يقع نظره عليها , وجهها مشرق ويزيده اشراقاً إبتسامتها الودودة , إنها ذكية مثقفة , الكتاب انيسها ...ان جميع المقيمين في البيت من الناصرية , وفي هذا البيت شعرت بأن شيوعيي الناصرية لديهم مشاعر حب خاصة تجاه الحزب الشيوعي العراقي , فلأن الرفيق فهد من الناصرية ولأن اول خلية شيوعية ولدت في الناصرية , يشعرون بأنهم أم الحزب الشيوعي العراقي وأبوه , وعندما واجهت الشهيدة أنسام برأيي هذا متصوراً بأنها ستنفي ذلك , وإذا بها تؤكده ..فقلت لها ..ولكن ذلك يحملكم مسؤولية إضافية ! ردت ..ونحن جديرون بها ..! قالت ذلك وصدر بريق خاطف من عينيها يتحدى الموت ويشعرك بمصداقية التحدي , والنعم ...قالها الرفيق ابو كريم الذي كان يتابع حديثنا موجهاً نظرة ثاقبة نحوي ..لم تزوغ إلاّ بعد ان قلت ..وثلث تنعام !! ثم يضيف الرفيق ابو شروق قائلاً وإستشهد الاثنان وهما يقاومان نظام البعث الديكتاتوري ,, الرفيق ابو كريم تحت التعذيب يوم 2 آب 1979 والرفيقة موناليزا في حركة الانصار في 7 أيلول. 1986.الف تحية اجلال واكبار لهما فهما من الخالدين.. ) ثم يضيف الرفيق ابو شروق بما يلي في صفحة 172 ( انسام اي موناليزا , من عائلة شيوعية مناضلة التزمت طريق الكفاح من أجل حرية العراق وسعادة شعبه , وقدمت في سبيل ذلك تضحيات غالية , لا سيما في مقارعتها التي لا تلين لديكتاتورية صدام ونظام قمعه الوحشي , وقدمت تضحيات جسيمة في هذا الطريق , فتعرض جميع افراد العائلة للتشريد وبالاضافة الى استشهاد انسام فقد اعدم المجرمون شقيقتها الصغرى الرفيقة سحر أمين وهي في سن التاسعة عشرة من عمرها وصرع زوجها الرفيق صباح طارش أمام عينيها وهو يقاوم وحوش البعث بشجاعة نادرة ..!) ثم يستكمل الرفيق ابو شروق ما كتبه عن إختنا الشهيدة موناليزا فيذكر ما يلي بنفس الصفحة ..( ولم تكن انسام وحدها من العائلة نصيرة في كردستان , بل كان معها اشقاؤها داود وأمير وسمير وزوجته وسار في طريقهم بقية أشقائهم وهم كل من جمال وانتصار وكوثر, وكانت أمهم خير معين لهم وقد عانت الكثير من التشرد والحرمان من أجل ان يبقى أبناؤها مرفوعي الرأس والهامة ,, فألف تحية لهذه الام ولعائلتها....الخ ) كانت للشهيدة موناليزا العديد من الصديقات القريبات جداً الى قلبها وهن من خارج صفوف الحزب الشيوعي سواء كن معها في الدراسة المتوسطة او في دار المعلمات وأذكر منهن الاخت الغالية المعلمة سليمة ملبس ام نوار وهي بنت لطيفة وفقيرة تعيش مع والدتها في بيت متواضع جداً عبارة عن صريفة من القصب في قرية فرحان وكانت تزورنا بين الحين والآخر ثم تزوجت من شاب من مدينة الحلة ورزقت بأطفال وبعد ذلك انقطعت اخبارنا عنها وفي اواسط الثمانينات علمت أنها سيقت للسجن بتهمة كيدية هي انتمائها لحزب البعث الموالي لسوريا و كانت في زنزانة بسجن ابو غريب الشهير مع إمرأة شابة محكومة بالاعدام بسبب ما أشيع عن كونها عضو في حزب الدعوة الاسلامي وكانت معهن إثنتين من رفيقاتنا وهنّ من الديانة الصابئية واللواتي أفرج عنهن لاحقاً بقرار العفو ..لكن الشهيدة سليمة ملبس والبنت الاخرى معها نفذ فيهن حكم الاعدام !..ومن الجدير بالذكر ان الشهيدة سليمة تم التأثير عليها دينياً ومذهبياً داخل الزنزانة من قبل تلك البنت التي تنتمي لحزب الدعوة والتي شنقت معها بسبب هذا الانتماء.. ويقال ..ان شر البلية ما يضحك وهو ان صديقة أختي المعلمة الفقيرة سليمة تساق للسجن بدعوى كونها منتمية لحزب البعث الجناح السوري وكونها تهرب أسلحة من سوريا للعراق ثم تعدم وهي مؤمنة بالاسلام وبالمذهب الشيعي على وجه الخصوص !! لكن اعدامها تم على نفس التهمة التي سجنت بسببها ..! كانت سليمة شابة طيبة المعشر , مؤدبة ومحترمة وكنّا نحبها ونرتاح لها كثيراً وخاصة والدتي ..