ربما أن أكثر الشعوب التي تفهم ما يعني الحصار الاقتصادي لبلدٍ ما وترفضه، هو الشعب العراقي الذي عانى من ضنك العيش والتخريب الاجتماعي واستفحال قمع نظام دكتاتوري منفلت عقاله مذعور من شعبه، بعد حرب الخليج الثانية عام 1991.

العقاب الأمريكي غير الشرعي موجه عادة للشعوب بجريرة حكامها. فلم يصدر على سبيل المثال حصار دبلوماسي سياسي ضد رؤوس النظام العراقي البائد الذين كانوا يصولون ويجولون في بلدان العالم، و يواصلون نشاطاتهم الدعائية التخريبية والقمعية ضد معارضيهم تحت غطاء الشرعية الدبلوماسية، كما يحلو لهم، كما هو الوضع اليوم بالنسبة للمسؤولين الإيرانيين، بينما يمنع مواطني البلدان المعاقبة من الإفلات من جور هؤلاء الحكام. ولولا خوف الدكتاتور صدام حسين على حياته وقطعه خطوط التواصل حتى مع حكومات وقفت معه قلبياً رغم ضغوط الأمريكان عليها مثل الأردن… لأعاد تقييم سياساته الرعناء وركن إلى العقلانية، لكن نرجسيته المرضية قتلته وآذت، المفترض، أن يكونوا أبناء شعبه.

وتُعاد اليوم الكرّة !

عقوبات الخزانة الأمريكية الجديدة على الجمهورية في إيران تضع التزامات على البلدان المحيطة بها ومن ضمنها العراق، المتهمة حكوماته المتتالية، مسبقاً بدعمها، حيث يتعامل معها العراق بعشرات المليارات، شهرياً، لشراء بضائع وسلع وغاز إيراني، على حساب تطوره الاقتصادي، إضافة إلى العقوبات المالية السابقة على البنوك العراقية لمنع تسريب وتهريب الدولار الامريكي إلى ايران…

وهذه كلها تضع على كاهل العراقيين أعباء لا ناقة لهم بها ولا جمل.

الحرب الاقتصادية الناعمة التي تشنها الولايات المتحدة ضد الجمهورية الإيرانية لا يمكن لإتباعها في العراق او أي مكان آخر مواجهتها بالسلاح، فهو أمر تتجنبه إيران نفسها، الا إذا كانوا راغبين بالانتحار !

الحق يقال أن الزمرة التي تتربع على الحكم في العراق قدمت الغالي والنفيس لدعم الجمهورية الإسلامية منذ توليها السلطة. فقد رهنت السيادة العراقية والاقتصاد العراقي وكل ثرواته لخدمتها وديمومة دولتها على حساب العراقيين… بالمال والأفراد والسلاح، الا أن ذلك لم يعد كافياً في ظل الضغوط الاميركية التي تجاوزت القمع الحربي إلى القمع الاقتصادي الذي هو الأكثر إيلاماً وخصوصاً لعامة المواطنين الإيرانيين الأبرياء.

أليس مهماً على أتباع الدولة الاسلامية الايرانية في العراق من الايديولوجيين والمنتفعين منهم، والذين صدعوا رؤوسنا بالعداء للشيطان الأكبر، التضحية، على الأقل، ومقاطعة شركات صناعة السيارات الأمريكية والامتناع مثلاً عن شراء الجكسارات والهمرات والتاهوات والكاديلاك وغيرها .. واستبدالها بالسايبا الايرانية دعماً للاقتصاد المنهار والصناعة الإيرانية، وبذلك يكسبون ثوابين مقاطعة البضائع الأمريكية من جهة ودعم صناعات دولة الولي الفقيه التي ولائهم لها !

المواطن العراقي الذي صادروا حقوقه وحرياته وانتهكوا حرماته و قمعوا شبابه في انتفاضة تشرين المجيدة المنادية بوطن للجميع، يرفض مغامراتهم في زجه في دوامات صراع جديدة وتكرار المواقف الصدامية السابقة الخاسرة وتحميله تبعات مواقف جهات غير مسؤولة وطنياً وغير معنية بمصالحه !

الجحود أتى أيضاً من دولة الولي الفقيه، ذاتها، التي أغلقت مضيق هرمز على بلد مثل العراق، تدين لها حكومته وميليشيات أحزابها الإسلامية لها بالولاء المطلق حد التضحية بقوت أبناء بلدهم ليشبع الإيرانيون… بيد أن الجحود هذا لم ينته إلى هذا الحد بل صرح قائد في الحرس الثوري أنهم سيدمرون أي محاولات لدول المنطقة، بما فيها العراق، لإيجاد بدائل لتوفير أبسط مقومات الحياة لشعوبهم من خلال مد أنابيب إلى موانيْ الجيران.

نجوع و تجوعون !

هذا هو الخيار الذي يقترحونه علينا، مع أن الحرب ليست حربنا وصراع المصالح بين المتقاتلين لا تنفعنا أن لم تضرنا… وإنما همنا الأول والأخير يبقى سلامة شعبنا ووطننا!