ثمة تناقضات فادحة في النظام السياسي القائم في العراق، تناقضات تجعل المرء مترنّحًا دون أن يلامس الخمر. نظامٌ يقوم على المكوّنات في بقائه، وعلى المحاصصة في توزيع كل شيء- نعم، كل شيء بلا استثناء- بين القوى المتنفذة، من النفط المستخرج من جوف الأرض، إلى تعيين فراش في مدرسة ابتدائية يجلس تلاميذها على الأرض بلا "رحلات". وتتم هذه القسمة بسلاسة مدهشة، لأنها وحدها المتفق عليها، وحدها التي لا تعترضها عقبات. أما بدعة "المكوّنات" والادعاء بتمثيلها، فهي صناعة تلك القوى نفسها، إذ إن أبناء هذه المكوّنات وبناتها لا يجدون لأنفسهم حقًا واحدًا من حقوقهم المشروعة داخل هذا النظام، لا في الخدمات ولا في المشاركة في صناعة القرار السياسي. وحدهم من انتزعوا لأنفسهم صفة "الممثلين" يتمتعون بكل شيء، يسرقون بضمير مطمئن، ويتصدّرون المسؤولية بعنجهية، يوزعون صكوك الوطنية دون أن يكونوا وطنيين، بل إن أغلبهم موالٍ للمحيط أكثر من ولائه للعراق.

ولأن القضية تُقدم على أنها قضية مكوّنات لا قضية مواطنين، فإن الحصة الأكبر تذهب إلى "المكوّن الأكبر"، أي إلى من يدّعون تمثيله. وهكذا تتدرج عملية توزيع المنافع، وفي سياق انتزاع حقوق المواطن يجري أيضًا محو حقوق المكوّن الأصغر، وكأنه غير موجود أصلًا. وهذا ما يحدث للمكوّن الأيزيدي في لغة دولة المكوّنات، إذ لم يُمنح حقوقه في صلب الحياة بل في هوامشها، لأنه مكوّن صغير لا يمتلك ممثلوه- إن وجدوا- القوة أو النفوذ الذي يحمي حقوقه، أو لأن ممثليه قدّموا خدماتهم لجهات سياسية ينتمون إليها.

كتبتُ يومًا، حين تعرضت كرعزير وسيبا شيخدرى لتفجيرات مرعبة هزّت الضمير الإنساني، أن القوى الأمنية "الممثِّلة" لم تكن مستعدة للدفاع عن مكوّن آخر يختلف عنها في كل شيء، خصوصًا في الدين. فالقوى الأمنية تشكّلت وفق عقيدة طائفية وعرقية، لا وفق عقيدة وطنية مؤهلة للدفاع عن المواطن العراقي حين يُهدد، أو عن السيادة الوطنية حين تُنتهك. ومن باب "عسى ولعلّ"، طالبتُ بتشكيل قوة أمنية تحفظ أمن المناطق الأيزيدية وسكانها، شريطة أن يكون سندها القانون، وأن تكون جزءًا من القوات الأمنية العراقية المشكلة وفق الدستور- أي الجيش العراقي- لا جزءًا من ميليشيات أو قوات هذا الحزب أو ذاك.

ولأن شيئًا من ذلك لم يتحقق، بقيت سنجار وأهلها بلا ظهير، بلا قوة تحميهم، سواء كانت تابعة للدولة أو للأحزاب. بقيت بلا سلاح، بلا خطوط دفاع، سوى شجعان لم تخنهم ضمائرهم، اختاروا الموت دفاعًا عن النساء والأطفال والشيوخ، ليخففوا من حجم القتل والخطف والسبي. لكنهم كانوا عاجزين عن مسك الأرض أثناء حملة "الدولة الإسلامية" على سنجار وبقية المناطق الأيزيدية. ومنذ تلك اللحظة، منذ تلك الجريمة، لم تنتهِ تبعاتها. فالصراع لا يزال محتدمًا على أرض سنجار، لا دفاعًا عنها وعن كرامة أهلها، بل سعيا لضمّها إلى نفوذ هذه الجهة أو تلك، سواء كانت سنجار مساحة أرض أو عدد نفوس يُضاف إلى رصيد النفوذ. وهكذا يشتعل الصراع على منصب قائمقام سنجار، من المنطلق ذاته، الاستحواذ على قرارها السياسي، والتحكم بكل ما يُخصَّص لها من موارد وقرارات سياسية وأمنية، بعيدًا عن حلم سنجار آمنة، عامرة، مزدهرة، كما جاء في رسالة "الحلم" الطويلة للصديق ماجد حسن سلو المنشورة في موقع بحزانى تحت عنوان "حين يصبح الحلم أجمل من الواقع".

ورغم أنني لا أثق بحلول نظام سياسي قائم على المحاصصة والمكوّنات، بعيد عن تمثيل المواطنة الحقة، فإنني أضم صوتي إلى صوت الأخ ماجد، أن يكون قائمقام سنجار ابنًا لسنجار، ابناً لأهلها، وفيا لمختطفاتها ومختطفيها، أمينًا على ضحاياها ومقابرها الجماعية، حافظًا لأمنها وكرامة ناسها، أداة لإعمارها وإعادة نازحيها، أداة لتقدمها وازدهارها، لا تابعًا لهذه الجهة أو تلك.