مقدمة: من شرعية التحرر إلى إشكالية الازدواجية مأزق المقاومة الطائفية وأثرها على سيادة الدولة، لطالما استمدت حركات المقاومة في المشرق العربي شرعيتها التاريخية من معركة واضحة المعالم مواجهة احتلال أجنبي، أو دفاع عن أرض مهددة، في ظل غياب أو عجز مؤسسة الدولة عن القيام بهذا الدور، غير أن هذه الشرعية، التي كانت في جوهرها مؤقتة ومشروطة بزوال سببها، تحوّلت في حالات عدة إلى بنية دائمة موازية للدولة، تحتفظ بسلاحها ومواردها وقرارها المستقل حتى بعد أن تراجعت أو انتفت المسوغات الأصلية لوجودها.
هنا يبرز الفارق الجوهري بين نمطين من المقاومة الأول وطني جامع، ينبثق من مؤسسات الدولة أو يذوب فيها بعد إنجاز مهمته، ويخضع لمنطق المصلحة العليا المشتركة بين كل مكونات المجتمع والثاني طائفي الطابع والانتماء، يوظّف خطاب التحرر والممانعة كغطاء أيديولوجي لتكريس نفوذ فئة بعينها داخل التوازن الداخلي، ولخدمة أجندة إقليمية تتجاوز حدود الوطن نفسه، وفي مقدمتها المشروع الإيراني في المنطقة.
هذا التحول البنيوي لم يبق حبيس الأدبيات السياسية أو الجدل النخبوي، بل أعاد تشكيل ملامح الدولة ذاتها في كل من لبنان والعراق، إذ حوّلها من فاعل سيادي واحد الإرادة إلى ساحة تتقاطع فيها إرادات متعددة، بعضها محلي وبعضها مستورد من خارج الحدود والنتيجة المباشرة لهذا الواقع هي انهيار مفهوم احتكار الدولة للعنف المشروع، وهو ركن أساسي في أي تعريف حديث للسيادة الوطنية.
شرح الأزمة: الدولة الغائبة والسلطة الموازية يمكن قراءة الأزمة في البلدين من زاوية بنيوية واحدة، وإن اختلفت التفاصيل والسياقات ففي لبنان، أنتج الفراغ الذي خلّفه الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 معادلة الدولة والمقاومة التي بدت في حينها مبررة، لكنها ما لبثت أن تحوّلت إلى معادلة الدولة داخل المقاومة، حيث بات قرار الحرب والسلم، وملفات العلاقات الخارجية، وحتى بعض مفاصل الاقتصاد، خاضعة لحسابات لا تخضع بالضرورة لمنطق المصلحة الوطنية الجامعة، بل لحسابات محور إقليمي أوسع.
وفي العراق، أفرزت مرحلة ما بعد 2003، ولا سيما الحرب على تنظيم داعش، ظاهرة الحشد الشعبي كإطار عسكري مواز للجيش النظامي، ضم فصائل متعددة الولاءات ورغم أن هذا الإطار حقق دوراً ميدانياً مهماً في مواجهة الإرهاب، إلا أن استمرار وجوده خارج السيطرة الكاملة للقائد العام للقوات المسلحة، وتعدد مرجعياته الفعلية، أبقى الدولة العراقية أسيرة ازدواجية مؤسسية تُضعف هيبتها الداخلية وموقعها التفاوضي الخارجي على حد سواء في الحالتين، لم يكن الثمن أمنياً أو سياسياً فحسب، بل اقتصادياً ومعيشياً بالدرجة الأولى فسياسة المحاور التي تُقحم البلدين في صراعات إقليمية أكبر من حجمهما، أدت إلى عزلة دولية متفاوتة الشدة، وتراجع في الاستثمارات، وتعثر في برامج الإصلاح المالي المرتبطة بمؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي، فضلاً عن اهتزاز الثقة لدى المستثمرين العرب والخليجيين الذين يشترطون استقراراً سياسياً وحيادية دبلوماسية كشرط أساسي لأي تعاون اقتصادي جاد.
مؤشرات التحول: حين يتقدم رغيف الخبز على شعار الممانعة اللافت في المشهد خلال السنوات الأخيرة هو تبدّل واضح في مزاج الرأي العام، تُرجم بأشكال متعددة فعلى المستوى السياسي، تعززت في لبنان جبهة نيابية وشعبية عريضة تطالب صراحة بتطبيق القرار الدولي 1559 وحصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية الشرعية، وهو مطلب لم يعد حكراً على فريق سياسي بعينه، بل بات يحظى بتأييد متزايد من شرائح عابرة للانتماءات الطائفية التقليدية.
وفي العراق، شكّلت احتجاجات تشرين منعطفاً مفصلياً، إذ رفعت شعار نريد وطن، في مواجهة منطق المحاصصة والفصائل المسلحة، معبّرة عن جيل جديد لم يعد يرى في الخطاب الأيديولوجي التقليدي إجابة كافية عن أسئلته المعيشية الملحة التوظيف، الخدمات، الكهرباء، والفساد المستشري، هذا التبدل انعكس أيضاً على صناديق الاقتراع، فالانتخابات النيابية الأخيرة في لبنان أفرزت تراجعاً ملموساً في الأغلبية المطلقة التي كان يتمتع بها المحور المسلح وحلفاؤه، لصالح قوى سيادية ومستقلة وفي المقابل، شهدت الانتخابات العراقية نسب مقاطعة مرتفعة، حملت في طياتها رسالة عقابية ضمنية تجاه رموز المحاصصة الطائفية والفصائلية وبصرف النظر عن القراءات المتعددة لهذه النتائج، فإنها تؤشر إلى أن شرعية الإنجاز المعيشي والسيادي بدأت تنافس، بل تتقدم أحياناً، على شرعية السلاح العقائدي التي سادت لعقود.
البعد الإقليمي والدولي: ساحات بالوكالة أم شركاء في الاستقرار؟ لا يمكن فهم استمرار ظاهرة المقاومة الطائفية بمعزل عن سياق إقليمي أوسع، تتقاطع فيه مصالح قوى دولية وإقليمية متعددة، تجد في الساحتين اللبنانية والعراقية فضاءً مناسباً لإدارة صراعاتها بالوكالة بدل المواجهة المباشرة فإيران، من جهتها، طوّرت على مدى عقود شبكة نفوذ عابرة للحدود قوامها فصائل مسلحة موازية للدول، تشكل بالنسبة لها عمقاً إستراتيجياً وورقة تفاوضية في أي مسار تسويا مع الغرب أو مع القوى الإقليمية المنافسة وفي المقابل، تجد قوى دولية وإقليمية أخرى، من الولايات المتحدة إلى دول الخليج العربي، في ضعف الدولة المركزية في بيروت وبغداد ذريعة لفرض شروط سياسية واقتصادية مشددة، أو لتبرير سياسات احتواء واسعة النطاق.
هذه الديناميكية المزدوجة تضع لبنان والعراق في موقع المتلقي لا الفاعل، إذ يتحول قرار الحرب والسلم، وملفات الحدود والاقتصاد، إلى رهينة توازنات تُحاك خارج حدود البلدين قبل أن تُحاك داخلهما، ولذلك فإن أي مقاربة إصلاحية جادة لا يمكن أن تكتفي بالبعد الداخلي وحده، بل يجب أن تترافق مع مسار دبلوماسي نشط يعيد تموضع البلدين كفاعلين مستقلين، لا كساحات مستباحة، عبر تفعيل العلاقات مع المحيط العربي والدولي على أساس المصلحة الوطنية المتبادلة، بعيداً عن منطق الاصطفاف القسري خلف محور بعينه، كما تجدر الإشارة إلى أن استمرار هذا الوضع يحمل كلفة إستراتيجية طويلة الأمد تتجاوز الجانب الاقتصادي المباشر، إذ يُضعف قدرة الدولتين على بناء مؤسسات جيش وأمن حديثة وموحدة الولاء، وهو ما يُبقي الباب مفتوحاً أمام دورات متكررة من عدم الاستقرار كلما تصاعد التوتر الإقليمي بين طهران من جهة، وواشنطن وحلفائها من جهة أخرى وبهذا المعنى، فإن معركة حصر السلاح بيد الدولة ليست مجرد مسألة سيادية داخلية، بل هي أيضاً شرط أساسي لإخراج لبنان والعراق من دائرة الاستهداف الجيوسياسي المتكرر.
نحو مخرج سياسي: من منطق الفصائل إلى منطق المؤسسات الانتقال من واقع الميليشيات المتعددة الولاء إلى واقع الدولة الواحدة ذات القرار السيادي الموحد، ليس مساراً تلقائياً، بل يستوجب حزمة سياسات متكاملة على المستويين الوطني والإقليمي على الصعيد اللبناني، يستدعي الأمر إقرار إستراتيجية دفاعية وطنية شاملة، تحت إشراف رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء، تفضي تدريجياً إلى دمج القدرات العسكرية القائمة خارج إطار الجيش ضمن المؤسسة الرسمية، بحيث يصبح قرار الحرب والسلم حصرياً في يد الدولة الشرعية ويوازي ذلك تمسك صارم بتطبيق القرارات الدولية ذات الصلة (1559، 1680، 1701)، مع تفعيل حقيقي لدور الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية على طول الحدود كما لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي، إذ إن إعلان لبنان الرسمي التزامه سياسة النأي بالنفس عن صراعات المحاور الإقليمية يشكل شرطاً عملياً لإعادة فتح قنوات الدعم المالي والاستثماري.
أما على الصعيد العراقي، فتبرز الحاجة إلى تفعيل صارم وجاد لقانون هيئة الحشد الشعبي بما يضمن اندماجاً حقيقياً وكاملاً للفصائل داخل المنظومة العسكرية والأمنية الرسمية، وإنهاء أي ازدواجية في القيادة أو المقرات أو التمويل، ويستلزم ذلك أيضاً تفعيل التشريعات التي تمنع الأحزاب ذات الأجنحة المسلحة، الظاهرة منها والمخفية، من خوض العملية السياسية والانتخابية بشكل يخل بمبدأ تكافؤ الفرص، إلى جانب بناء علاقات إقليمية متوازنة تقوم على مبدأ الدولة للدولة، بعيداً عن تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة لتصفية حسابات دولية وإقليمية لا ناقة للعراقيين فيها ولا جمل.
ختاما: المقاومة الحقيقية هي مقاومة السيادة في نهاية المطاف، لا يمكن فصل استعادة الاستقرار في الشرق الأوسط عن إنهاء منطق الأمن الموازي الذي تجسده المقاومة ذات الطابع الطائفي فالمطلوب اليوم من مراكز الأبحاث وصناع القرار على حد سواء هو ترجمة تطلعات الشارع الرافضة للمحاصصة والازدواجية إلى تشريعات دستورية وقانونية راسخة تحمي هيبة الدولة ومؤسساتها فالمقاومة الحقيقية، في جوهرها العميق، ليست تلك التي تراكم السلاح خارج الشرعية، بل تلك التي تحصّن المواطن اقتصادياً واجتماعياً، وتفاوض من موقع السيادة الوطنية الجامعة لا من موقع التبعية لمحور إقليمي وبين هذين الخيارين، يبدو أن الشارع في بيروت وبغداد على حد سواء بدأ يرسم إجابته بنفسه، وإن ظل الطريق نحو ترجمة هذه الإرادة الشعبية إلى واقع مؤسسي طويلاً ومحفوفاً بالتحديات.
جاكوب شامايا