مقدمة: مشروع الشرق الأوسط الجديد بين الزخم الأمريكي-الإسرائيلي وكوابح الخارطة الجيوسياسية المتحولة، يشهد الشرق الأوسط منذ عام 2024 موجة من التحولات المتسارعة التي أعادت رسم موازين القوى الإقليمية، بدئاً من التصعيد الذي أعقب السابع من أكتوبر، مرورًا بسلسلة من المواجهات المباشرة وغير المباشرة بين إسرائيل وإيران وأذرعها الإقليمية، وصولًا إلى سقوط نظام بشار الأسد في سوريا أواخر 2024 هذه التطورات لم تكن أحداثًا منعزلة، بل حلقات متصلة في مسار أوسع يسعى فيه محور أمريكي-إسرائيلي إلى إعادة هندسة النظام الإقليمي على أسس جديدة، بينما تحاول قوى أخرى، إقليمية ودولية، الحفاظ على مواطئ قدم واستثمار الفراغات الناشئة.

أولاً: هذا الصراع بين مشروع إعادة الهيكلة ومقاومة التغيير ليس صراعاً عسكرياً بحتاً، بل هو أيضاً معركة أُطُر فبينما تصف واشنطن وتل أبيب ما يجري بأنه تفكيك لـ محور المقاومة.

 وإعادة توازن استراتيجي لصالح الاستقرار، يرى خصومهما ومنتقدوهما أنه محاولة لفرض هيمنة أحادية عبر القوة العسكرية، مع تبعات إنسانية وسياسية باهظة، هذا المقال يحاول قراءة هذه الديناميكية من زوايا متعددة، دون تبني أي من الأُطُر المتنافسة كحقيقة نهائية، بل بوصفها معطيات يفسرها كل طرف وفق مصالحه ورؤيته.

ثانياً: الديناميكيات الميدانية مكاسب واختراقات المحور الأمريكي-الإسرائيلي الجبهة السورية شكلّ سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024 نقطة تحول مفصلية، إذ فقدت إيران وحزب الله جسر الإمداد البري الذي كان يربط طهران بجنوب لبنان عبر العراق وسوريا هذا التطور، وإن لم يكن نتاجًا مباشرًا لعملية عسكرية أمريكية-إسرائيلية، جاء في سياق إنهاك محور المقاومة عسكريًا واقتصاديًا على مدى أكثر من عام، ما جعله عاجزاً عن الدفاع عن حليفه في دمشق بالنسبة لواشنطن وتل أبيب، يمثل هذا مكسباً استراتيجياً كبيراً يقطع خطوط الإمداد اللوجستي، أما بالنسبة لطهران وحلفائها، فهو خسارة تكتيكية يمكن تعويضها عبر مسارات بديلة وتحالفات جديدة مع القوى الصاعدة في دمشق.

أ-الجبهة اللبنانية: تعرّض حزب الله لضربات قاسية استهدفت قيادته العليا وبنيته العسكرية والاتصالية خلال المواجهة مع إسرائيل، ما دفعه لاحقاً إلى قبول وقف إطلاق نار غير متكافئ نسبياً، هذا الإضعاف العسكري رافقه ضغط سياسي داخلي لبناني يسعى لإعادة ترتيب موازين السلطة في بيروت بما يحد من نفوذ الحزب في مؤسسات الدولة لكن حزب الله، رغم الخسائر، لا يزال يحتفظ بقاعدة اجتماعية وشعبية واسعة تجعل من تفكيكه الكامل مهمة أبعد بكثير من مجرد إضعاف عسكري.

ب-الساحة الفلسطينية: في غزة، أدت الحرب المستمرة منذ أكتوبر 2023 إلى استنزاف كبير في القدرات العسكرية لحركة حماس والفصائل الفلسطينية، مع دمار واسع في البنية التحتية وخسائر بشرية هائلة وثّقتها منظمات دولية في الضفة الغربية، تصاعدت العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد الفصائل المسلحة بالتوازي مع توسع الاستيطان من منظور إسرائيلي وأمريكي، يمثل هذا تفكيكاً ضرورياً لقدرات المقاومة ومن منظور فلسطيني وحقوقي دولي واسع، يُنظر إليه كعقاب جماعي وتهجير قسري يطرح تساؤلات جدية حول القانون الدولي الإنساني.

ثالثاً: معضلات الحسم كوابح وعوامل تعثر المشروع الإقليمي رغم هذه المكاسب الميدانية، يواجه المشروع الأمريكي-الإسرائيلي عقبات بنيوية تحول دون تحقيق حسم شامل.

الصمود الإيراني طهران، رغم الضربات المباشرة التي طالت منشآتها النووية والعسكرية في مواجهات 2025، أظهرت قدرة على امتصاص الصدمات عبر استراتيجية الصبر الاستراتيجي، والاعتماد على شبكة علاقات اقتصادية بديلة مع الصين وروسيا لتخفيف أثر العقوبات، إلى جانب قدرتها على إعادة بناء بعض قدراتها العسكرية والصاروخية بوتيرة أبطأ لكنها مستمرة.

ورقة مضيق هرمز يبقى التهديد بإغلاق أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية، ورقة ضغط تجعل من دول الخليج، رغم تحالفاتها الأمنية مع واشنطن، طرفاً حذراً يخشى الانجرار إلى مواجهة شاملة تهدد استقرارها الاقتصادي، ما يدفعها لانتهاج سياسات موازنة حذرة بدل الانحياز الكامل.

المأزق الداخلي الأمريكي تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطاً داخلية متصاعدة مرتبطة بالتضخم وأعباء الإنفاق العسكري الخارجي، وسط استحقاق الانتخابات النصفية لعام 2026 الذي يجعل الرأي العام أكثر حساسية تجاه الانخراط في نزاعات مفتوحة، كما تتسع فجوة المواقف بين واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية التي تبدي تحفظات متزايدة، خاصة إزاء الوضع الإنساني في غزة، ما يعقّد الإجماع الغربي الذي كان قائماً في المراحل الأولى من الأزمة.

رابعاً: التنافس الدولي مواقف القوى الكبرى من تعثر الهيمنة الأحادية المقاربة الروسية تستثمر موسكو، رغم انشغالها بالحرب في أوكرانيا، حالة الاستنزاف الغربي في الشرق الأوسط لإعادة التموقع، محافظة على قواعدها العسكرية في سوريا عبر مفاوضات مع السلطات الجديدة في دمشق، وساعية للحفاظ على نفوذ ولو محدود في معادلة الطاقة والأمن الإقليمي.

التمدد الصيني الهادئ تنتهج بكين مقاربة مختلفة جوهريًا، قائمة على الدبلوماسية الاقتصادية بدل التدخل العسكري، عبر توسيع استثماراتها في مبادرة الحزام والطريق، وتعزيز علاقاتها مع إيران والسعودية على حد سواء، مستفيدة من الفراغ السياسي الذي تخلّفه التقلبات الأمريكية لتقديم نفسها كشريك اقتصادي مستقر يهتم بأمن الطاقة أكثر من الهندسة السياسية للمنطقة.

خامساً: الاستشراف المستقبلي سيناريوهات ومسارات الأزمة الإقليمية.

السيناريو الأول (الأرجح): استمرار حرب استنزاف ممتدة وإدارة حافة الهاوية، حيث تتناوب فترات التصعيد والتهدئة دون حسم نهائي، مع بقاء إيران وحلفائها في موقع دفاعي لكن غير منهار، واستمرار العمليات الإسرائيلية المحدودة ضد ما تعتبره تهديدات ناشئة.

السيناريو الثاني: تسوية كبرى تفضي إلى الحالة القائمة ووضع أمني جديد، قد تشمل ترتيبات لأمن الطاقة وممرات تجارية آمنة (على غرار مشاريع الربط بين الخليج وأوروبا عبر إسرائيل)، مقابل تفاهمات ضمنية حول الملف النووي الإيراني ووقف طويل الأمد لإطلاق النار في غزة هذا المسار يتطلب توافقاً إقليمياً ودولياً واسعاً يبدو حالياً بعيد المنال.

السيناريو الثالث: انفجار شامل عبر مواجهة مباشرة وواسعة بين إسرائيل وإيران، قد تنجر إليها الولايات المتحدة ودول الخليج، مع مخاطر إغلاق مضيق هرمز وانهيار أسواق الطاقة العالمية هذا السيناريو، رغم كونه الأقل ترجيحاً حالياً، يبقى وارداً في ظل هشاشة التوازنات القائمة.

سادساً: ختاماً تداعيات المشهد على النظام الدولي متعدد الأقطاب يكشف المشهد الراهن في الشرق الأوسط عن حدود فاعلية القوة العسكرية المنفردة في فرض خرائط سياسية نهائية، فرغم التفوق العسكري الواضح للمحور الأمريكي-الإسرائيلي، لم يترجم هذا التفوق إلى حسم استراتيجي شامل يعيد تشكيل المنطقة وفق تصور واحد في المقابل، تتزايد مؤشرات تحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة شراكة دولية معقدة، تتقاسم فيها قوى متعددة (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، إضافة إلى فاعلين إقليميين كالسعودية وتركيا وقطر) أدواراً متداخلة، بعيداً عن نموذج القطب الواحد الذي ساد لعقود هذا التحول لا يعني بالضرورة استقراراً أكبر، بل قد ينذر بمرحلة أطول من التوازنات الهشة والصراعات المُدارة، في ظل غياب إطار دولي قادر على فرض تسوية شاملة ومستدامة تراعي مصالح جميع الأطراف وحقوق الشعوب المتضررة من هذا الصراع الممتد.