مقدمة: تزخر صفحات التاريخ الإسلامي بمواقف بطولية خالدة، تجلّت فيها شجاعة الرجال وعظمة الفرسان، غير أن ثمة مواقف تتجاوز حدود البطولة العادية لتصبح أسطورة تتناقلها الأجيال ومن أبرز هذه المواقف وأعظمها وأكثرها إثارةً، تلك المبارزة التاريخية الفريدة التي جمعت بين أشجع فارسَين عرفتهما الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي، مبارزة لم تكن مجرد قتال بين رجلين، بل كانت صراعاً بين عالمين، وصداماً بين حقبتين، وبين إيمان راسخ لا يتزعزع وكبرياء جاهلي لا يلين إنها قصة علي بن أبي طالب أسد الله عليه السلام، وعمرو بن عبد ود العامري، الذي اشتهر في الأوساط العربية بلقب فارس الليل.

من هو عمرو بن عبد ود؟ وكيف نال لقب فارس الليل؟ عمرو بن عبد ود العامري من بني عامر بن لؤي، أحد أشراف قريش وفرسانها المعدودين، كان رجلاً طاعناً في السن حين وقعت المبارزة الشهيرة، إذ قيل إنه كان قد تجاوز التسعين من عمره، ومع ذلك لم يفقد شيئاً من قوته وبأسه وهيبته، فكان جسده كالصخر وساعده كالحديد وقلبه كالجبل وكان العرب يُقدّرونه تقديراً بالغاً ويتهيّبون مواجهته في ميادين القتال، حتى قيل عنه إنه يعادل في قوته ألف فارس، وهذه ليست مبالغة شعرية بقدر ما هي شهادة حق من أقران عرفوا معنى الفروسية الحقيقية، أما لقبه الخالد فارس الليل، فله قصة طريفة تكشف عن شخصيته الاستثنائية تروي الروايات أن عمرو بن عبد ود كان ذات مرة في رحلة مع رفقة من أصحابه وأحبائه، وكانوا يسيرون في جنح الليل البهيم عبر وادٍ وعرٍ وفجأة، خرج عليهم من كمائن الظلام عشرة من قطّاع الطرق، أشداء مدجّجون بالسلاح، قلوبهم قسوة وأيديهم بطش وحين رأى أصحاب عمرو هذا العدد الكبير من المهاجمين، أصابهم الهلع وفروا بأنفسهم دون تردد، تاركين رفيقهم وحيداً في مواجهة الموت غير أن عمرو بن عبد ود لم يفرّ ولم يرتجف ولم يتراجع خطوة واحدة إلى الوراء، بل استلّ سيفه ووقف في وجه العشرة كلهم، واحداً واحداً ومجتمعين، وراح يقاتلهم بضراوة ومهارة لا مثيل لهما، حتى قتلهم جميعاً وانتصر عليهم وحده في قلب ذلك الليل الحالك وحين عاد أصحابه وعلموا بما جرى، أُصيبوا بالذهول التام، وأطلقوا عليه منذ تلك الليلة لقب فارس الليل، فأصبح هذا اللقب ملازماً له كالظل، ومضرب مثل في الشجاعة النادرة والفروسية الفذّة.

السياق التاريخي لغزوة الخندق: لا يمكن فهم هذه المبارزة الكبرى بمعزل عن سياقها التاريخي العظيم، وهو غزوة الخندق أو ما تُعرف بغزوة الأحزاب، التي وقعت في السنة الخامسة من الهجرة النبوية في تلك الأيام العصيبة، تكالبت قوى الشرك والكفر والجحود على المدينة المنورة، وتحالفت قريش مع القبائل العربية والأحزاب المختلفة في جيش عرموم بلغ قرابة عشرة آلاف مقاتل، وهو عدد لم تشهد الجزيرة العربية مثله في حرب واحدة من قبل وكان هدف هذه الأحزاب المجتمعة اقتلاع الإسلام من جذوره وإنهاء الدولة الإسلامية الوليدة في المدينة، وحين علم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الزحف الهائل، استشار أصحابه في طريقة المواجهة، فأشار الصحابي الجليل سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر خندق عميق حول المدينة يحول دون اقتحام الجيش لها، وهو أسلوب كان معروفاً في بلاد فارس فوافق النبي على الرأي وشرع المسلمون في حفر الخندق بنشاط وهمة، والنبي بنفسه يعمل ويحفر معهم، حتى أتمّوه في وقت قياسي رغم شدة البرد وقلة الزاد وحين وصل جيش الأحزاب ورأوا الخندق الماثل أمامهم، أصابهم الفزع والحيرة، إذ لم يكونوا يتوقعون هذا الأسلوب الدفاعي المبتكر، فضُرب الحصار على المدينة وطالت المدة وتعاظم الضغط والتوتر.

اقتحام الخندق والتحدي الكبير: في خضم الحصار الطويل الذي أنهك الطرفين، استطاع عمرو بن عبد ود وعدد محدود من أشجع فرسان المشركين تحديد ثغرة ضيقة في الخندق، فتجازوها بخيولهم في عبور مثير للدهشة والاستغراب وكانوا عدداً قليلاً لا يتجاوز أصابع اليد، وإن اختلف المؤرخون في عددهم الدقيق، ومعه من الفرسان ضرار بن الخطاب، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهب، ونوفل بن عبد الله، وغيرهم وحين عبروا الخندق ووجدوا أنفسهم داخل خطوط المسلمين في منطقة تُسمى الجبل، نادى عمرو بن عبد ود بصوته الجهوري المدوّي هل من مبارز؟ هل من مبارز؟ وكان صوته يتعالى ويملأ الأرجاء كصوت الرعد، وكأن الأرض نفسها ترجف من تحت قدميه ثم أخذ ينشد أبياتاً من الشعر الحماسي يستثير بها نفسه ويشحذ همة جنده، وكانت أبياته تتحدى جيش المسلمين وتهزأ بمن تهاب مبارزته وكانت نبرة صوته وثقته بنفسه وهيئته الفارهة مهيبة ترهب القلوب.

التحدي بالجنة والنار: وفي لحظة استفزازية لا تخلو من دلالة عميقة، أقدم عمرو بن عبد ود على خطوة جريئة، فنادى النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة وسأله بصوت عالٍ يسمعه الجميع يا محمد أتزعم أنت وأصحابك أنكم في الجنة، فأجابه النبي بهدوء وثقة وطمأنينة نعم، فقال عمرو وأنك تزعم أن أصحابي وأنا في النار، فقال النبي نعم، فرد عمرو بن عبد ود بكلمات تحمل في طيّاتها تعنّتاً وكبرياءً جاهلياً عنيداً فإني قد اشتقتُ إلى النار التي تقول، ثم صرخ مرة أخرى أما في جيشك من يشتاق إلى الجنة فيخرج إليّ كانت هذه الكلمات تحدياً صارخاً، ورسالة بالغة الدلالة، فالرجل لم يكن يتحدى فارساً واحداً، بل كان يتحدى جيشاً بأكمله، وكان يقول بلغة الفحل الجاهلي ليس في جيشكم من يجرؤ على مواجهتي، وأن قيمتكم الحربية لا تساوي شيئاً أمامه وكان المشهد في غاية التوتر والإثارة، والصحابة رضي الله عنهم يترقبون الإشارة الكريمة من النبي صلى الله عليه وسلم.

مشهد الإيمان والشجاعة للإمام علي: ولم تكد كلمات عمرو بن عبد ود تبلغ أسماع الصحابة الكرام حتى نهض علي بن أبي طالب عليه السلام كالصاعقة من مقعده، ووقف أمام النبي صلى الله عليه وسلم وقال بصوت واثق متهيّج بالحماس يا رسول الله، دعني أخرج إليه أنا له فنظر إليه النبي بعطف وحنان وقال مهلاً يا علي، هذا عمرو بن عبد ود يذكّره بهوية الخصم الذي أمامه تحذيراً من الاستهانة بخطورته فكرر عمرو نداءه هل من مبارز، وكرر علي طلبه يا رسول الله، دعني له فأعاد النبي قوله مهلاً يا علي هذا عمرو بن عبد ود، وعادت الصحابة الأعين إلى عمرو وهو لا يزال ينادي ويتحدى، وعاد علي للمرة الثالثة يقول يا رسول الله دعني له، فإن استطعت عليه فافعل، وإن لم أستطع فسأقاتل حتى النهاية وفي المرة الثالثة، نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى ابن عمه نظرة طويلة مفعمة بالحب والثقة والدعاء، وقال اذهب يا علي ثم أدعى له بدعوة خرجت من قلب حانٍ ومؤمن اللهم اكفه من فوقه ومن تحته ومن عن يمينه وعن شماله، أخذ علي عليه السلام عنه يتجهز للمبارزة بهدوء وجلال وثقة بالله لا تعتريها أدنى مسحة من الشك أو الاضطراب، أمسك بسيفه الأسطوري ذي الفقار، وارتدى درعه واعتمر خوذته، وامتطى حصانه في صورة مهيبة شديدة الوقار وبينما كانت عيون آلاف المقاتلين من الجانبين شاخصة إليه ومترقبة لكل خطوة يخطوها، تحرك علي بن أبي طالب ببطء متعمّد نحو خصمه، كأنه يريد أن يعيش هذه اللحظة بكل ثقلها وعمقها ودلالتها.

وحين اقترب علي عليه السلام عنه وتمكّن عمرو بن عبد ود من رؤيته، صاح الأخيرمن أنت فأجابه أنا علي بن أبي طالب، فقال عمرو ابن عبد المطلب، فقال علي نعم فحدث في تلك اللحظة موقف إنساني لافت، إذ كشف عمرو عن وجه مغاير يختبئ خلف صخرة الكبرياء فقال لعلي بنبرة تنطوي على شيء من العطف يا علي ارجع واجعل غيرك يخرج إليّ، فقد كنتُ صديقاً لأبيك في ما مضى من الزمان، ولا أريد أن أقتلك ولا أريد أن أريق دمك، كان في هذا القول إشارة بالغة الدلالة إلى حجم احترام عمرو الحقيقي للنسب الشريف الذي ينتمي إليه علي بن أبي طالب، غير أن علياً لم يتزعزع لحظة ولم يتأثر بهذا الكلام، وكان ردّه موجزاً حاسماً لا يقبل التأويل أما أنا فأريد أن أريق دمك تقدّم.

وفي ذلك المشهد المهيب بدأت المبارزة الكبرى أسد الله في مواجهة فارس الليل، الذي وقفت له الجبال وتنفّس فيه التاريخ بعمق، تقدم الفارسان كل منهما نحو الآخر، وقد أعلن عمرو بن عبد ود ثقته الكاملة في نفسه بتصرف رمزي غير مسبوق، إذ نزل عن فرسه وذبحها بيده أمام أعين الجميع ولم يكن هذا التصرف عشوائياً أو انفعالياً، بل كان يحمل دلالة واضحة وصريحة لا طريق للتراجع، ولا مكان للهروب، أنا هنا للقتال حتى النهاية أو الموت وكان في هذا الفعل رسالة لجيشه ولعلي ولكل من يشهد المشهد أنا واثق أن علياً سيكون قتيلي اليوم، والتحم الفارسان بعنف وضراوة شديدَين في قتال رهيب مميت فيه كل منهما ما في جعبته من قوة ومهارة وخبرة وإصرار، كان علي يضرب بسيفه ذي الفقار ضربات كضربات الصاعقة، وعمرو يردّ ويهاجم بقوة لا يستهان بها وتصاعد الغبار من شدة التحام الفارسين حتى اختفيا تماماً خلف حجاب كثيف من التراب الثائر، وغابا عن الأنظار كلها وهلع الجميع، المسلمون والمشركون على حدٍّ سواء، وتحبّست الأنفاس، وتجمّدت القلوب، ثم أُسدل الغبار تدريجياً كما يُسدل الستار عن فصل أخير من مسرحية كونية كبرى، فبدا للعيون المتطلّعة شكلٌ واحد واقفٌ شامخٌ كالجبل، وفي يده شيء ترقبت العيون معرفته، كان علياً عليه السلام عنه واقفاً بثبات وسكينة، وفي يده الشريفة رأس عمرو بن عبد ود الملقّب بفارس الليل، وكانت صرخة الانتصار ودوي التكبيرفي تلك اللحظة التي شقّت الغبار وأسقطت الحصون النفسية لجيش المشركين، دوّى في الفضاء صوت علي بن أبي طالب المعلن للنصر، ثم انبرى جيش المسلمين بأسره يهتف هتافاً يزلزل الأرض الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر! حتى ارتجّ الوادي بالتكبير وارتعشت قلوب المشركين بالرعب وأسقطت مبارزة علي مع عمرو الروح المعنوية لجيش الأحزاب كلّه، وأُصيب بالفزع والهزيمة النفسية قبل أن تنتهي الحرب بالهزيمة العسكرية الفعلية.

وبعد المبارزة، أنشد علي بن أبي طالب عليه السلام عنه بيت من الشعر بالفخر الشهير والمعبّر التي بات جزءاً من عبق التاريخ الإسلامي (أنا الذي سمّتني أمي حيدرة، ضرغام أجامٍ وليث قسوره)، فـ حيدرة اسم من أسماء الأسد، والضرغام هو الأسد الشرس، والأجام غابة الأسود، وليث قسورة الأسد الشديد الباطش، كأن علياً بهذا البيت يُعلن للدنيا أن ما جرى لم يكن مجرد انتصار فارس على فارس، بل كان انتصار الإيمان على الكفر، والحق على الباطل، والنور على الظلام، وكان الأثر والدلالة في هذه المبارزة نقطة تحوّل حاسمة في غزوة الخندق، إذ أشاعت الهلع في قلوب المشركين وأثبتت أن جيش الإسلام لا يفتقد البطولة ولا يخلو من الأبطال وقد جاءت هذه المبارزة لتُكرّس مكانة علي بن أبي طالب أسداً من أسود الله لا يشقّ له غبار، ولتضع عمرو بن عبد ود في خانة الأبطال العظام الذين خذلتهم معتقداتهم لا شجاعتهم وتبقى هذه اللحظة الخالدة شاهدة على أن الإيمان الحق إذا سكن القلب أعطى صاحبه من القوة ما لا تبلغه الجسوم ولا تحقّقه العضلات، وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم.