تستند رؤية “إسرائيل الكبرى” إلى قراءات متطرفة للنصوص التوراتية، ولا سيما ما ورد في سفر التكوين (الإصحاح 15: الآيات 18-21)، حيث يفسرها البعض على أنها وعد بسيادة يهودية تمتد من “نهر مصر” إلى نهر الفرات. وفي سياق السياسة المعاصرة، أفرزت هذه الرؤية الدينية طموحين متداخلين: فرض سيطرة إسرائيلية مطلقة (بلا منازع) على كامل الأراضي الواقعة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن، وبسط النفوذ أو الهيمنة على أجزاء من دول حديثة مثل مصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق.
لقد تحولت هذه الفكرة -التي كانت يوماً مجرد خيال مسياني (خلاصي) هامشي- إلى سياسة رسمية للدولة. وقد عمل الائتلاف الحكومي الحالي بقيادة نتنياهو على ترسيخ هذه الرؤية عبر استراتيجية “الضم من خلال آلاف الإستقطاعات”: أي إعادة تصنيف مساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية باعتبارها “أملاك دولة” وتسريع التوسع الإستيطاني وبناء تجمعات استيطانية تقطع أوصال التواصل الجغرافي الفلسطيني وتوسيع نطاق السلطة العسكرية الإسرائيلية.
ولا تُعد هذه الإجراءات تدابير أمنية منعزلة، بل هي مكونات لمشروع إقليمي متكامل. ورغم أن محكمة العدل الدولية قد قضت بالفعل بعدم قانونية الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إلا أن القيادة الإسرائيلية تواصل التصرف وكأن الوعد التوراتي يعلو فوق الإلتزامات الدولية.
الأفق الفلسطيني
بالنسبة للفلسطينيين، لا يعني السعي لتحقيق “إسرائيل الكبرى” مجرد احتلال أكثر قسوة، بل يعني القضاء على أي أفق سياسي. فبدلاً من أن تكون الضفة الغربية نواة لدولة مستقبلية، يجري إعادة تشكيلها وتحويلها إلى كانتونات معزولة تحيط بها البنية التحتية الإسرائيلية والمستوطنون المسلحون والقوات العسكرية، في حين يُنظر إلى قطاع غزة باعتباره مستودعاً بشرياً يمكن التخلص منه لسكان غير مرغوب فيهم.
والأخطر من ذلك، أن مشروع “إسرائيل الكبرى” يُضفي طابعاً طبيعياً على العنف الهيكلي ليصبح المبدأ المنظم الدائم للحياة الفلسطينية: حرمان من تراخيص البناء وقيود تعسفية على الحركة وتجريم التعبير السياسي وعنف روتيني يمارسه المستوطنون دون مساءلة أو عقاب.
لن يرضخ المجتمع الفلسطيني لهذا الواقع إلى الأبد؛ فالإفتراض بأن خمسة ملايين نسمة يمكن تجريدهم من ممتلكاتهم وتقييد حرياتهم وإذلالهم وحرمانهم من تمثيل سياسي حقيقي دون أن يؤدي ذلك إلى التطرف هو تجاهل للدروس الأساسية التي يقدمها التاريخ. ومع ترسيخ واقع الضم، ستتصاعد حدة المقاومة المسلحة والتمرد المحلي والعصيان المدني الجماعي، مما سيؤدي حتماً إلى مواجهة عنيفة كارثية وزعزعة الإستقرار الإقليمي.
التداعيات الإقليمية
لقد أدانت الدول العربية المرتبطة باتفاقيات سلام مع إسرائيل مراراً وتكراراً عمليات الإستيطان الجديدة والضم الزاحف، إلا أن معظمها اكتفى بمواقف خطابية، محاولاً الموازنة بين الغضب الشعبي وبين التعاون الأمني والإقتصادي والتكنولوجي مع إسرائيل.
وتواجه كل من الأردن ومصر -وهما الدولتان العربيتان الأقدم عهداً في اتفاقيات السلام مع إسرائيل- وضعاً حساساً واستثنائياً؛ إذ تم تبرير اتفاقياتهما باعتبارها خطوات نحو سلام شامل يفضي في نهاية المطاف إلى حل القضية الفلسطينية. وإذا ما تخلت إسرائيل علناً عن هذا المبدأ من خلال الضم والتهجير الجماعي المخطط له، فإن تلك الإتفاقيات ستصبح عبئاً سياسياً ثقيلاً، حتى وإن لم تُلغَ رسمياً.
بالنسبة لدول الخليج التي طبّعت علاقاتها بموجب “اتفاقيات إبراهيم” —وهي الإمارات والبحرين والمغرب— فإن التناقض صارخ بالقدر نفسه؛ إذ قدّمت هذه الدول التطبيع كوسيلة لتعزيز موقف الفلسطينيين ودفع عجلة الإستقرار والإزدهار الإقليمي. غير أن أجندة “إسرائيل الكبرى” تكشف زيف هذا الطرح، وتُعيد تصوير التطبيع باعتباره تواطؤاً في تكريس احتلال دائم.
النظام الدولي
وعلى الصعيد الدولي، يُسرّع التوسع نحو “إسرائيل الكبرى” من تحوّل إسرائيل من حليفٍ محلّ جدلٍ إلى دولةٍ بات سلوكها يُنظر إليه على نطاق متزايد باعتباره متعارضاً مع النظام القائم على القواعد. والمبادئ المعنية هنا واضحة: لا يجوز الإستيلاء على الأراضي بالقوة، وللشعوب الحق في تقرير مصيرها، وحقوق الإنسان الأساسية حقوق عالمية شاملة. وتُعد سياسات الضم الإسرائيلية انتهاكاً صارخاً وعلنياً لكل هذه المبادئ.
يضع هذا الواقع حلفاء إسرائيل الغربيين -وفي مقدمتهم الإدارات الأمريكية المستقبلية- في مأزق أخلاقي واستراتيجي حاد؛ فواشنطن تتمسك بهذه المبادئ نفسها، ومع ذلك تواصل تسليح وتمويل وحماية حكومة إسرائيلية تعمل على ترسيخ هيمنة دائمة على شعب آخر. وإذا ما استمرت الولايات المتحدة في الصمت أو التغاضي، فإنها ستُرسّخ الإنطباع بأن القانون الدولي يُطبّق بانتقائية تخدم المصالح الجيوسياسية؛ وهذا التصور سيُضعف المصداقية الغربية ويجعل التعاون بشأن الأزمات الدولية الأخرى أكثر صعوبة.
وثمة عاقبة أكثر قتامة: فمع تزايد تعريف إسرائيل لنفسها بمصطلحات عرقية-دينية وادعائها التحدث باسم يهود العالم، فإن الغضب من السياسات الإسرائيلية سيؤدي إلى تفاقم العداء تجاه المجتمعات اليهودية في الخارج. وبهذا المعنى، فإن مشروع “إسرائيل الكبرى” لا يهدد الفلسطينيين والإستقرار الإقليمي فحسب، بل يهدد أيضاً أمن اليهود خارج حدود إسرائيل، وهو ما يتناقض مع جوهر وجود إسرائيل ذاته.
التكلفة الأخلاقية والفلسفية
من الناحيتين الأخلاقية والفلسفية، لا يمثل السعي نحو “إسرائيل الكبرى” تحقيقاً للتاريخ اليهودي، بل قطيعةً عميقة معه؛ فالفكر الحاخامي التقليدي يربط السيادة اليهودية بالضوابط الأخلاقية وسيادة القانون، بينما يقيس التقليد النبوي القوةَ بمدى عدالتها تجاه المستضعفين والغرباء. والدولة التي تُعرّف نفسها من خلال الهيمنة الدائمة على شعب آخر لا يمكنها أن تقدم نفسها بمصداقية بوصفها تجسيداً لذلك الإرث.
تختزل أيديولوجيا “إسرائيل الكبرى” اليهودية في مطالبة قبلية بالأرض، مجردةً إياها من أي مضمون أخلاقي عالمي. وهي تعيد صياغة الذاكرة اليهودية، لا كمصدر للتعاطف مع المقهورين والمحرومين، بل كمبرر لسلب الآخرين حقوقهم. ويُعد هذا الإنقلاب في المفاهيم خطراً وجودياً؛ لأن الكيان السياسي القائم على الظلم المؤسسي قد يفرض الهيبة عبر الخوف، لكنه يعجز عن اكتساب شرعية دائمة. ومن هذا المنظور، قد يمثل السعي نحو “إسرائيل الكبرى” بداية انهيار إسرائيل كدولة قابلة للحياة؛ فهي أشبه بقلعة تتآكل من الداخل بفعل الأساليب ذاتها التي تستخدمها للدفاع عن نفسها.
ما يتعين على الحلفاء فعله
إذا كان حلفاء إسرائيل – ولا سيما الولايات المتحدة وألمانيا، إلى جانب الإتحاد الأوروبي والدول العربية – جادين في منع إسرائيل من المضي في هذا المسار المدمر للذات، وفي الوقت نفسه تعزيز فرص قيام دولة فلسطينية، فيجب عليهم تجاوز مرحلة القلق الشكلي والخطابات الجوفاء والإنتقال إلى اتخاذ إجراءات ملموسة.
أنا لا أتوقع من الإدارة الأمريكية في عهد ترامب، ولا من ألمانيا – اللتين تدعمان إسرائيل بشكل أعمى – اتخاذ أي إجراء ملموس لثني حكومة نتنياهو الحالية عن المضي قدماً في مخططها الكارثي الرامي إلى إقامة “إسرائيل الكبرى”. ومع ذلك، ينبغي عليهم أن يدركوا أن تقاعسهم لا يقضي فقط على أي أمل في تحقيق سلام إسرائيلي – فلسطيني، بل إنه يعرض أمن إسرائيل ذاته – الذي يفترض أنهم يسعون لحمايته – للخطر؛ فضلاً عن أنهم بذلك يصبحون متواطئين في جرائم إسرائيل ضد الإنسانية.
إن احتمال تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة عقب الإنتخابات المرتقبة في أكتوبر/تشرين الأول يفتح نافذة للضغط عليها لتغيير مسارها، بدءاً بوقف عمليات التطهير العرقي الممنهجة والوحشية في الضفة الغربية، ووقف القتل المستمر وتدمير ما تبقى من بنية تحتية في قطاع غزة. وفيما يلي بعض التدابير التي يمكن اتخاذها فوراً للحيلولة دون وقوع كارثة أخرى:
1- المطالبة بوقف فوري لتوسيع المستوطنات وإرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين في الضفة الغربية، وربط أي مساعدات عسكرية بوقف فوري لعمليات ضم الأراضي الفلسطينية.
2- وقف نقل أي أسلحة تُستخدم لتكريس الإحتلال، وحظر استيراد أي منتجات تُصنع في المستوطنات، على غرار ما أعلنت عنه مؤخراً كل من كندا والمملكة المتحدة وفرنسا.
3- دعم آليات المساءلة الدولية، بما في ذلك تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية وتطبيق قرارات الأمم
المتحدة ذات الصلة.
4- وعلى الرغم من أن العديد من القوى الغربية قد اعترفت بدولة فلسطين، إلا أن هذا الإعتراف يظل بلا قيمة ما لم تقم تلك القوى بتوسيع نطاق الدعم المالي والسياسي والقانوني للمجتمع المدني الفلسطيني والمدافعين عن حقوق الإنسان والحركات السلمية التي تقاوم عمليات التجريد من الممتلكات والحقوق.
5- تنسيق الضغط الدبلوماسي من خلال تحركات مشتركة واستدعاء السفراء، وخفض مستوى الزيارات رفيعة المستوى.
6- يتعين على الدول العربية التي تقيم علاقات سلام مع إسرائيل خفض مستوى تمثيلها الدبلوماسي فيها والتهديد بسحب سفرائها إذا ما واصلت إسرائيل سياساتها التوسعية.
تُعد هذه التدابير الحد الأدنى المتسق مع المبادئ التي يزعم حلفاء إسرائيل التمسك بها في أماكن أخرى. إن الخيار واضح وحاسم: فإما التحرك الآن لوقف مشروع “إسرائيل الكبرى”، أو التواطؤ في نظام دائم للهيمنة، مما سيؤدي إلى تقويض خطير لمصالحهم الجيواستراتيجية ومصداقيتهم الأخلاقية لعقود قادمة.