مقدمة: نحو استراتيجية عراقية لحماية القرار الوطني، ليس العراق بلداً فقيراً، بل هو بلد أُفقر. هذه المفارقة تختصر قصة عقود من الهدر والصراع والتبعية. يمتلك العراق واحداً من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، ونهرين صنعا أقدم حضارات الأرض، وموقعاً جغرافياً يربط الخليج بالمشرق وآسيا بأوروبا، وقبل ذلك كله شعباً فتياً تتجاوز نسبة الشباب فيه النصف. ومع ذلك، ظل المواطن العراقي ينتظر الكهرباء في الصيف، والوظيفة بعد التخرج، والاستقرار بعد كل أزمة. السؤال الجوهري إذن ليس ماذا يملك العراق؟ بل كيف يدير ما يملك، ولمن يُسخّره؟
إن الإجابة عن هذا السؤال هي المدخل الحقيقي لأي مشروع وطني جاد، لأن الثروة التي لا تتحول إلى قوة تصبح عبئاً، والقوة التي لا تستند إلى ثروة منتجة تبقى هشة ومؤقتة.
أولاً: الإطار الفكري وتغيير المعادلة الحاكمة. حكمت العراق لعقود معادلة مختلة ثروة هائلة في يد دولة ضعيفة، ودولة ضعيفة في محيط طامع. هذه المعادلة جعلت من النفط العراقي مصدر جذب للتدخلات الإقليمية والدولية بدلاً من أن يكون مصدر حماية، وجعلت الموازنة العامة رهينة لتقلبات الأسعار في أسواق لا يملك العراق التأثير فيها. فحين تعتمد الدولة في أكثر من تسعين بالمئة من إيراداتها على سلعة واحدة، يصبح قرارها الاقتصادي مرهوناً بقرارات الآخرين، ويصبح قرارها السياسي بالتبعية مكشوفاً للضغوط.
لقد أنتج نموذج "الدولة الريعية المستهلكة" ثقافة كاملة: دولة توزّع ولا تنتج، ومواطن ينتظر الراتب ولا يجد فرصة الإنتاج، ونخب سياسية تتنافس على اقتسام الريع بدلاً من تنميته. وتغيير المعادلة يعني الانتقال الواعي إلى نموذج "الدولة الإنتاجية القوية"، حيث تُقاس قيمة الثروة بما تضيفه إلى قدرات البلد العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية، لا بما تستهلكه الموازنة التشغيلية في عام واحد.
ثانياً: محاور العمل الوطني والاستراتيجي. استدامة الثروات وتطوير القدرات، النفط ثروة ناضبة، والتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة يجعل الزمن عاملاً حاسماً. كل برميل يُصدَّر اليوم دون أن يتحول جزء من عائده إلى أصل منتج هو خسارة للأجيال القادمة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى صندوق سيادي وطني محصّن قانونياً من التجاذبات السياسية، يوجّه نسبة ثابتة من العوائد النفطية نحو استثمارات بنيوية في التعليم والبحث العلمي والتكنولوجيا والصناعات التحويلية والزراعة الحديثة. فالعراق الذي يستورد مشتقاته النفطية وهو بلد نفطي، ويستورد غذاءه وهو بلد الرافدين، يحتاج إلى إعادة بناء سلاسل القيمة داخل حدوده، من المصافي والبتروكيماويات إلى الصناعات الغذائية ومواد البناء.
تحصين القرار السياسي واستقلاله. لا سيادة سياسية بلا سيادة اقتصادية. الدولة التي تحتاج إلى قرض عاجل لتدفع رواتب موظفيها، أو التي تعتمد على جارٍ في الكهرباء والغاز والماء، لا تملك ترف الاستقلال في مواقفها. إن الاستقلال الاقتصادي هو الجدار الحامي للقرار السياسي، وبناؤه يمر عبر تنويع مصادر الطاقة والإمداد، والتفاوض الجاد على حصص المياه، وتنويع الشركاء التجاريين بحيث لا يمتلك طرف واحد مفاتيح الضغط على بغداد.
حماية المصالح العليا. يحتاج العراق إلى عقيدة أمنية واقتصادية واضحة عنوانها "مصلحة العراق أولاً". وهذه العقيدة لا تعني الانغلاق أو العداء، بل تعني أن كل عقد مع شركة أجنبية، وكل اتفاق مع مؤسسة مالية دولية، وكل تفاهم مع دولة جارة، يُقاس بمعيار واحد: ماذا يضيف إلى قدرة العراق وماذا يأخذ منها؟ ويقتضي ذلك مراجعة عقود الاستثمار في القطاع النفطي لضمان نقل التكنولوجيا وتشغيل الكفاءات المحلية، ووضع شروط واضحة للمحتوى المحلي في المشاريع الكبرى.
التأثير في مجريات الأحداث. حين يمتلك العراق اقتصاداً متماسكاً وجبهة داخلية موحدة، يتغير موقعه في الإقليم تلقائياً. فبدلاً من أن يكون ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتنافسة، يصبح لاعباً محورياً قادراً على فرض التوازن والوساطة وحماية استقرار المنطقة. وقد أثبت العراق في محطات عدة قدرته على لعب دور الجسر بين أطراف متخاصمة، غير أن هذا الدور يبقى محدوداً ما لم يستند إلى قوة ذاتية حقيقية تمنحه الاحترام لا مجرد المجاملة.
ثالثاً: خارطة طريق للقوى الوطنية العراقية. تقع المسؤولية اليوم على عاتق القوى الوطنية العراقية لتحويل هذه الرؤية إلى برنامج مرحلي قابل للقياس والمحاسبة، يرتكز على ثلاث ركائز متكاملة.
الركيزة الأولى: الإصلاح المؤسسي وحوكمة الثروات. لا يمكن حماية الثروة من الخارج إذا كانت مستباحة من الداخل. فالفساد هو الثغرة التي يتسلل منها النفوذ الأجنبي، إذ إن المسؤول الذي يمكن شراؤه هو قرار يمكن شراؤه. والمطلوب تشريعات صارمة تضمن الشفافية الكاملة في عقود النفط والغاز، ونشر الإيرادات والنفقات بصورة دورية ومفصلة، وتفعيل الرقابة البرلمانية والقضائية، وأتمتة الإجراءات الحكومية لتقليص مساحات الابتزاز والرشوة.
الركيزة الثانية: الاستثمار في الإنسان العراقي. الثروة الحقيقية ليست تحت الأرض، بل فوقها. إن إصلاح المنظومة التعليمية، وربط الجامعات بحاجات سوق العمل، وإنشاء مراكز للتدريب المهني والتقني، وتوفير بيئة تستعيد الكفاءات العراقية المهاجرة، كلها شروط لا غنى عنها لإعداد جيل قادر على قيادة التحول التكنولوجي والصناعي. فلا معنى لبناء مصانع حديثة دون مهندسين وفنيين يديرونها، ولا معنى لاقتصاد رقمي دون عقول رقمية.
الركيزة الثالثة: تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية. على الدبلوماسية العراقية أن تنتقل من إدارة الأزمات إلى صناعة الفرص. فمشاريع الربط الإقليمي، مثل طريق التنمية وخطوط الطاقة والنقل، تمنح العراق أوراق قوة تفاوضية حقيقية إذا أُحسن استثمارها. والمطلوب شراكات دولية قائمة على المصالح المتبادلة والندية، لا على الإملاءات، مع تنويع الشركاء شرقاً وغرباً بما يمنع احتكار أي طرف للتأثير في القرار العراقي.
ختاما: إن معركة العراق الحقيقية في هذه المرحلة ليست معركة سلاح فحسب، بل معركة إدارة وإرادة. فالثروة التي نُهبت أو هُدرت لعقود يمكن أن تتحول، بقرار وطني شجاع ومؤسسات نزيهة وإنسان مؤهل، إلى أساس لعراق قوي يملك قراره ويحمي حدوده ويحترمه جيرانه. والطريق ليس قصيراً ولا سهلاً، لكنه الطريق الوحيد الذي يضمن ألا يبقى العراق غنياً على الورق فقيراً في الواقع. سيادة الثروة هي الشرط الأول لسيادة الوطن، وبناء القدرات هو الضمانة الوحيدة لبقائها.