بعد أنهيار تجربة البعث الاولى في الحكم في 18 تشرين الثاني 1963 ، عادوا مستفيدين منها في تجربتهم الثانية في تموز 1968 ، بإحتكار مراكز القرار الى المناطقية، فكانت المراكز العسكرية والامنية خصوصا والسياسية لحدود بعيدة ، حكرا على مدن وبلدات المنطقة الغربية والموصل. وانحسر هذا الاحتكار بعد سنوات الى احتكار تكريت وقرية العوجة للمراكز الاكثر اهمية وتأثيرا في الدولة، وكان من مميزات هذه الفترة، هو تبوأ شخصيات مغمورة وغير كفوءة لشغل مراكز امنية وعسكرية وسياسية غاية في الاهمية. ومع هيمنة صدام حسين للسلطة بازاحة البكر سنة 1979، تحولت السلطة الى سلطة عائلية شديدة المركزية، ليتم منح المناصب العسكرية والامنية الحساسة لعناصر من الدائرة الضيقة للنظام.
الفترة ما بين الاعوام 1979 – 2003 ، شهدت مركزية شديدة للسلطة بصعود نجلي الدكتاتور صدام حسين والاقارب والاصهار. فكان لعدي علاوة على مناصبه العديدة ، منصب قائد ميليشيا "فدائيي صدام"، اما قصي المرشح كخلف لوالده وقتها، فكان الى جانب مناصبه العديدة قائدا للحرس الجمهوري والحرس الخاص. وليتحكم النظام اكثر بمفاتيح السلطة ومركزيتها، قام صدام حسين بتعيين اصهاره حسين كامل وصدام كامل وجمال مصطفى، واخوته غير الاشقاء (وطبان وبرزان وسبعاوي)، في اعلى المناصب الامنية والسيادية، على الرغم من عدم كفاءتهم، ولا امتلاكهم لتاريخ عسكري او امني او سياسي.
نتيجة لهذه المركزية في السلطة عند البعث وما نتج عنها من جرائم بحق شعبنا وبلدنا، وجهت المعارضة العراقية الشيعية والكردية وقوى وطنية غيرهما، انتقادات لاذعة للسلطة وطبيعتها المناطقية والعشائرية والعائلية، فهل تجاوزت هذه القوى ونعني بها الشيعية والكردية تحديدا، هذه المركزية في السلطة التي انتقدتها وهي في المعارضة؟ وهل هناك مدن شيعية وكردية أخذت مكان العوجة وتكريت، في هيمنتها على مراكز اتخاذ القرار والهيمنة على المناصب الامنية والعسكرية والسيادية والاقتصادية؟
ان الممارسات التي كانت تعاب على البعث، اعادتها الاحزاب الشيعية والكردية بممارسات لا تختلف عن ممارسات البعث، بل اسوأ منها في بعض المجالات. فها هو نوري المالكي الذي عمل على تمركز السلطة بيد حزب الدعوة بداية، نراه وهو رئيس للوزراء وبعدها رئيسا للاطار التنسيقي الشيعي ، يمنح اصهاره (مثل ياسر صخيل المالكي أو حسين أحمد المالكي المعروف بابو رحاب) مراكز عليا في الهياكل الأمنية والسياسية ومكتب رئيس الوزراء حينما كان رئيسا لها من خلف الكواليس بداية، دون امتلاك خلفيات عسكرية أكاديمية تؤهلهم لذلك، وليتوج هذا التوجه بترشيحه لصهره ياسر صخيل وهو شرطي سابق وزيرا للداخلية! اما مركز ابنه احمد ودوره في الحياة السياسية والاقتصادية والامنية، يبقى سرا من اسرار الدولة العميقة الذي سينكشف امام الرأي العام مستقبلا . والامر لا يتعلق بالمالكي وحده، فهناك قيادات شيعية ورجال دين شيعة، جعلوا من اخوتهم واصهارهم واقربائهم ضمن دائرة ضيقة، تتحكم بمصير البلاد وعشرات الملايين من العراقيين.
اما كرديا، فاننا نرى عائلة البارزاني تتحكم بأربيل، فمسعود البارزاني ترك رئاسة الاقليم بعد سنوات الى خليفته نيجرفان بالوراثة، بينما يتولى افراد من العائلة البارزانية، المناصب الامنية الحساسة في الاقليم كجهاز مكافحة الارهاب المعروف بالبارستان. ولا يقتصر دور العائلة على الملفين الامني والعسكري، بل الى الملف الاقتصادي بما فيه ملف النفط. ولم تكن السليمانية بعيدة عن أربيل، فقيادة المدينة وحزب الاتحاد الوطني الكردستاني، انتقلا بعد رحيل جلال الطالباني الى نجليه بافل وقوباد طالباني بالوراثة ايضا، مع منح المراكز الحساسة لابناء عمومتهم.
سنيا نرى الامر لا يختلف عن عقلية وممارسات شركائهم في السلطة، فمحمد الحلبوسي له ذراع في الهيمنة على محافظة الانبار عن طريق شقيقه شجاع الحلبوسي، كما ادارالاخوين النجيفي محافظة الموصل بعقلية النفوذ العائلي "ومفيش حد احسن من حد كما يقول المصريون"، ويبقى الخنجر هو الاخر جزء من هذا الاحتكار العائلي للسلطة.
ان استخدامنا لمصلح "التتار والمغول" لا علاقة له بالطائفة والقومية ولا بالبعد التاريخي، بل بالسلوك السياسي الذي تدار به البلاد، حيث يتحكم الابناء والاصهار والاقرباء بمؤسسات الدولة، على حساب الكفاءة ودولة المواطنة.
هناك فرق كبير في النظام السياسي وشكل السلطة بين عهدي البعث والمحاصصة، لكن بعض آليات إنتاج السلطة التي انتقدتها المعارضة في عهد البعث عادت بأشكال جديدة بعد ٢٠٠٣. والان هل يحق للقوى المهيمنة على مفاتيح السلطة في بغداد والاقليم، ان تنتقد البعث وصدام حسين، على منح اولاده واشقائه واصهاره المناصب السيادية والامنية والعسكرية بالبلاد؟ وهل هناك فرق بين قرية العوجة بتكريت وقرية الموامنة في طويريج بكربلاء من جهة ، وبين تكريت و اربيل والسليمانية وغيرها من المدن ومنها "مقدسة" من جهة ثانية؟ وهل هناك فرق بين رعونة البعث بالأمس ورعونة الاسلاميين وقوى المحاصصة اليوم، وتلاعبهم بمصير البلاد وقوت الناس.
إن تعقيدات المشهد السياسي اليوم تشير الى أن الازمة، هي ازمة نهج وسلوك وليست أزمة اشخاص أو شعارات او آيديولوجيات. فالسلوك الإداري الذي يقوم على المحسوبية ومنح الأصهار والأقارب مناصب رفيعة ومؤثرة في الدولة على حساب الكفاءة ظل مستمرا من عهد البعث لليوم. وهذا يعني ان الفرق بين العهدين البعثي والمحاصصاتي كان في تغيير الوجوه بين تتار ومغول ليس الا، لان القوى السياسية "العراقية" تبادلت ادوارها، مستبيحة الدولة بمؤسساتها على انها غنيمة، كما فعل البعث. قد تتغير الوجوه وتتبدل الأحزاب وتتغير الشعارات، وقد تنتقل مراكز النفوذ من العوجة وتكريت إلى بغداد او طويريج أو أربيل أو السليمانية أو إلى مدن غيرها، لكن السؤال الاهم هو، هل تغير أسلوب ادارة الدولة، وهل تغير سلوك من يمسك بتلابيبها، والى متى؟
بين جرائم تتار الامس من البعثيين ومغول اليوم من اقطاب المحاصصة، يبقى حال العراق وكما قال الفنان العراقي الراحل سليم البصري"حجي راضي" في مسلسل تحت موس الحلاق "نفس العضة ونفس الدكتور".
الدنمارك
8/10/2026