ملخص
تبحث هذه الدراسة تطوّر مفهوم القوى المنتجة في فكر ماركس وإنجلز، من تحليله ضمن التصور المادي للتاريخ إلى بحث الآلة والصناعة الكبرى واندماج المعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج. وتعتمد منهجًا تاريخيًا تحليليًا لبيان مدى قدرة المفاهيم الماركسية على تفسير الانتقال من الآلة الميكانيكية إلى الخوارزمية والذكاء الاصطناعي. وتجادل بأن هذا الانتقال لا يمثل قطيعة كاملة مع منطق الرأسمالية الصناعية، بل مرحلة نوعية تعيد فيها الرأسمالية إنتاج تناقضاتها ضمن شروط رقمية جديدة. وتخلص إلى أن الآثار الاجتماعية للذكاء الاصطناعي لا تحددها خصائصه التقنية وحدها، بل علاقات ملكية البيانات والخوارزميات والبنية الحاسوبية، وتنظيم العمل، وتوزيع مكاسب الإنتاجية، ومدى المشاركة الديمقراطية في توجيه التكنولوجيا.
الكلمات المفتاحية: القوى المنتجة؛ علاقات الإنتاج؛ الآلة؛ الخوارزمية؛ الذكاء الاصطناعي؛ الرأسمالية الرقمية؛ العقل العام؛ زمن العمل.
مقدمة
يشهد العالم المعاصر تحولات تقنية متسارعة أعادت تشكيل بنية الاقتصاد وأنماط الإنتاج والعمل، حتى غدت البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي مكونات أساسية في تطور الرأسمالية الراهنة. ولم يعد أثر التكنولوجيا مقتصرًا على تطوير الأدوات ورفع إنتاجية العمل، كما ظهر خلال الثورة الصناعية، بل امتد إلى إنتاج المعرفة، وتنظيم الأسواق، وإدارة العمل، والمشاركة في صنع القرار. وفي سياق هذه التحولات برزت مفاهيم مثل «الرأسمالية الرقمية» و«اقتصاد المنصات» و«اقتصاد البيانات»، للتعبير عن مرحلة أصبحت فيها المعرفة والبيانات والقدرة الحاسوبية موارد إنتاجية ومصادر متزايدة للثروة والسلطة.
وتثير هذه التحولات إشكالية نظرية مركزية: هل تمثل الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي قطيعة مع التحليل الذي قدّمه ماركس وإنجلز لتطور الرأسمالية، أم تعبّران عن مرحلة نوعية جديدة من تطور القوى المنتجة يمكن فهمها في ضوء مفاهيم المادية التاريخية؟ ويتصل بذلك سؤال الكيفية التي أعادت بها الخوارزميات والبيانات والبنية الحاسوبية تشكيل العلاقة بين التكنولوجيا والعمل والملكية، ومدى استمرار التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والاستحواذ الخاص على نتائجه في الرأسمالية الرقمية.
يُعدّ مفهوم القوى المنتجة من المفاهيم الأساسية في الفكر الماركسي؛ لأنه يربط القدرات المادية والمعرفية للمجتمع بالبنية الاقتصادية والاجتماعية التي تنظّم استخدامها. ولا تقتصر القوى المنتجة على الآلات والأدوات، بل تشمل قوة العمل، والمعرفة العلمية، والخبرة التقنية، وتنظيم العمل، وأشكال التعاون التي تسهم في إنتاج الثروة الاجتماعية. غير أن هذه القوى لا تتطور بمعزل عن المجتمع، وإنما داخل علاقات إنتاج تاريخية تحدد أشكال الملكية والسيطرة، وتنظّم عملية العمل وتوزيع الموارد ونتائج الإنتاج.
تطوّر هذا المفهوم في سياق تحليل ماركس وإنجلز لصعود الرأسمالية الصناعية. ففي «الأيديولوجيا الألمانية» ارتبط بالتأسيس المادي لفهم التاريخ؛ وفي «البيان الشيوعي» ظهرت الثورة المتواصلة في أدوات الإنتاج بوصفها سمة ملازمة للرأسمالية ومصدرًا لقوتها وتناقضاتها. وقدّم إنجلز، في «حالة الطبقة العاملة في إنجلترا»، تحليلًا للآثار الاجتماعية التي أحدثها الإنتاج الصناعي، بينما أوضح ماركس في «رأس المال» دور الآلة والصناعة الكبرى في رفع الإنتاجية وإنتاج فائض القيمة النسبي وإعادة تنظيم العمل. أما في «الغروندريسه»، فقد بحث اندماج العلم والمعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج، وتحول المعرفة الاجتماعية العامة إلى قوة إنتاجية مباشرة.
ويتيح هذا المسار النظري الانتقال من تحليل الآلة الميكانيكية إلى بحث الخوارزمية والذكاء الاصطناعي بوصفهما شكلين معاصرين لتجسّد المعرفة في وسائل الإنتاج. ولا يعني ذلك أن ماركس تنبأ بالذكاء الاصطناعي أو باقتصاد المنصات، كما لا يعني إمكان إسقاط مفاهيم القرن التاسع عشر على الحاضر بصورة ميكانيكية. فالذكاء الاصطناعي يتميز بقدرته على معالجة كميات كبيرة من البيانات والتدخل في بعض المهام المعرفية واللغوية والتحليلية. لكنه يعتمد، في الوقت نفسه، على بنية مادية وبشرية تشمل الرقائق الإلكترونية، ومراكز الحوسبة، والطاقة، وشبكات الاتصال، وعمل الباحثين والمبرمجين والعاملين في إعداد البيانات وصيانة الأنظمة.
وتنطلق الدراسة من فرضية مفادها أن الانتقال من الآلة إلى الخوارزمية لا يمثل خروجًا كاملًا عن المنطق الذي حلّل به ماركس تطور الرأسمالية، بل يعبر عن مرحلة نوعية جديدة تعيد فيها الرأسمالية إنتاج تناقضاتها ضمن شروط تقنية أكثر تعقيدًا. فكما ارتبط استخدام الآلة الصناعية برفع الإنتاجية وإعادة تنظيم العمل وتعظيم تراكم رأس المال، أصبحت البيانات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي تؤدي وظائف مشابهة، مع امتداد تأثيرها إلى إنتاج المعرفة وتنظيم الأسواق ومراقبة العمل والمشاركة في اتخاذ القرار.
غير أن الذكاء الاصطناعي لا يقود بذاته إلى التحرر أو إلى مزيد من السيطرة. فهو يتيح إمكانات لتقليص زمن العمل الضروري، وتحسين الخدمات، وتطوير البحث العلمي، وتنسيق الموارد؛ لكنه قد يُستخدم كذلك لتقليل العمالة، وزيادة كثافة العمل، وتركيز الملكية، وتعميق المراقبة الرقمية. وتتحدد آثاره الاجتماعية وفق علاقات الملكية والعمل والسلطة، والجهات التي تضع أهداف التكنولوجيا، والطريقة التي توزَّع بها مكاسب الإنتاجية والمخاطر الناتجة منها.
وتعتمد الدراسة المنهج التاريخي التحليلي، من خلال تتبع تطور مفهوم القوى المنتجة في النصوص الأساسية لماركس وإنجلز، ثم توظيف النتائج المستخلصة في قراءة الرأسمالية الرقمية والذكاء الاصطناعي. ولا تهدف إلى البحث عن نبوءات تقنية في النصوص الماركسية، بل إلى اختبار القدرة التفسيرية لمفاهيم القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج وفائض القيمة و«العقل العام» في تحليل العلاقة المعاصرة بين التكنولوجيا والعمل والملكية، وبحث الشروط التي يمكن أن تجعل تطورها أساسًا لتقليص زمن العمل وتوسيع الخدمات والمعرفة والمشاركة الديمقراطية.
أولًا: «الأيديولوجيا الألمانية»: التأسيس النظري لمفهوم القوى المنتجة
تمثل «الأيديولوجيا الألمانية» (1845–1846) منعطفًا أساسيًا في تطور فكر ماركس وإنجلز؛ إذ انتقلا فيها من نقد الفلسفة المثالية الألمانية إلى تأسيس تصور مادي للتاريخ. فلم يعد التاريخ يُفسَّر انطلاقًا من تطور الأفكار أو أشكال الوعي، بل من النشاط المادي الذي ينتج البشر من خلاله شروط حياتهم. ومن ثم، أصبح إنتاج وسائل العيش نقطة البداية لفهم نشوء العلاقات الاجتماعية والمؤسسات السياسية والأشكال الفكرية.(1)
وفي هذا الإطار، يتبلور مفهوم القوى المنتجة بوصفه تعبيرًا عن القدرات المادية والبشرية التي يمتلكها المجتمع في مرحلة تاريخية معينة، وتشمل قوة العمل، وأدوات الإنتاج، والخبرات العملية، وتقسيم العمل، وأشكال التعاون. ولذلك لا تظهر القوى المنتجة عناصر تقنية منعزلة، بل قوى اجتماعية تتطور من خلال نشاط البشر وعلاقاتهم المتبادلة.(2)
ويرتبط تطور القوى المنتجة بتطور تقسيم العمل وأشكال التعامل الاجتماعي؛ فكل مرحلة جديدة فيه تغيّر تنظيم النشاط الإنتاجي والعلاقات بين الأفراد والجماعات. ومع اتساع الإنتاج والتبادل، تتجاوز هذه القوى الحدود المحلية، وتزداد العلاقات الاجتماعية ترابطًا واعتمادًا متبادلًا.
غير أن القوى الناشئة من النشاط المشترك للبشر قد تظهر أمامهم بوصفها قوة مستقلة لا يسيطرون عليها؛ لأن تقسيم العمل والملكية الخاصة يفصلان المنتجين عن شروط إنتاجهم ونتائج نشاطهم. فالقدرات التي ينتجها المجتمع جماعيًا لا تخضع بالضرورة لسيطرته الواعية، بل قد تتحول، بفعل العلاقات الاجتماعية التي تنظّم استخدامها، إلى قوة تهيمن على منتجيها.
ولا تقدم «الأيديولوجيا الألمانية» الصياغة الاقتصادية المكتملة للعلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج، لكنها تضع أساسها النظري من خلال الربط بين تطور القدرات الإنتاجية وتقسيم العمل والملكية. وقد منح ماركس هذه العلاقة صياغة أكثر تحديدًا في مقدمة «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» سنة 1859، عندما بيّن أن قوى الإنتاج المادية تدخل، عند مرحلة معينة من تطورها، في تناقض مع علاقات الإنتاج القائمة، فتتحول هذه العلاقات من أشكال ساعدت على نموها إلى قيود تعوق استمرار تطورها.(3)
ولا يعني هذا التناقض أن التحول الاجتماعي يحدث آليًا بمجرد تطور القوى المنتجة؛ إذ يتطلب صراعات اجتماعية وتنظيمًا وفعلًا سياسيًا. لكنه يعني أن هذه الصراعات ترتبط بالشروط المادية والتناقضات القائمة داخل نمط الإنتاج. وبذلك أرست «الأيديولوجيا الألمانية» الأساس للانتقال من نقد الفلسفة إلى تحليل الحركة التاريخية للمجتمع الرأسمالي.
ثانيًا: «البيان الشيوعي»: الثورة المتواصلة في أدوات الإنتاج
إذا كانت «الأيديولوجيا الألمانية» قد وضعت الأساس النظري لفهم القوى المنتجة، فإن «البيان الشيوعي» (1848) نقل المفهوم إلى تحليل الحركة التاريخية للرأسمالية. ففي فصل «البرجوازيون والبروليتاريون»، يبيّن ماركس وإنجلز أن البرجوازية جعلت التغيير المستمر في أدوات الإنتاج شرطًا لبقائها وتوسعها:
«البرجوازية لا تستطيع أن توجد إلا إذا أحدثت ثورة متواصلة في أدوات الإنتاج، ومن ثم في علاقات الإنتاج، وبالتالي في العلاقات الاجتماعية بأسرها.»(4)
تكشف العبارة عن سمة تاريخية مميزة للرأسمالية؛ إذ لم يعد تجديد وسائل الإنتاج تحولًا عارضًا، بل أصبح عملية متواصلة تدفع إليها المنافسة والسعي إلى زيادة الإنتاجية وتوسيع الأسواق. فكل رأسمال مضطر إلى تطوير أدواته وأساليب إنتاجه حتى يحافظ على موقعه في مواجهة رؤوس الأموال الأخرى. وبذلك يتحول الابتكار التقني من إمكانية متاحة إلى ضرورة يفرضها منطق النظام نفسه.
ولا يفسر ماركس وإنجلز هذا التطور بالتقدم العلمي المجرد، بل يربطانه بالعلاقات الاجتماعية التي تنظّم الإنتاج. فالتكنولوجيا، في ظل الرأسمالية، لا تتطور استجابةً للحاجات الاجتماعية وحدها، وإنما وفق متطلبات المنافسة والتراكم. ومن ثم، تُوظَّف الآلات ووسائل النقل والاتصال وأساليب تنظيم العمل في رفع الإنتاجية وخفض كلفة السلع وتسريع دوران رأس المال.
ولا تظل آثار هذه الثورة محصورة داخل عملية الإنتاج؛ إذ يؤدي انتشار الصناعة الكبيرة إلى إضعاف الحرف والمنتجين الصغار، وإدماج أعداد متزايدة من السكان في العمل المأجور، وتوسيع السوق إلى نطاق عالمي. وهكذا تقترن الثورة التقنية بتحول أوسع يشمل تنظيم العمل والبنية الاجتماعية وترابط الأسواق.
ويترتب على ذلك تعاظم الطابع الاجتماعي للإنتاج؛ إذ يصبح قائمًا على تعاون أعداد كبيرة من العاملين وترابط المؤسسات والقطاعات، في حين تظل وسائل الإنتاج ونتائج العمل خاضعة للملكية الخاصة. ومن هنا ينشأ التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والاستحواذ الخاص على نتائجه، بحيث تتحول القدرات التي يطورها المجتمع جماعيًا إلى وسائل لتعزيز سلطة رأس المال.
ولا يقدم «البيان الشيوعي» التكنولوجيا بوصفها قوة تحررية أو قمعية في ذاتها؛ فقيمتها الاجتماعية تتحدد داخل علاقات الإنتاج. فهي توسع قدرة المجتمع على إنتاج الثروة، لكنها تؤدي، تحت سيطرة رأس المال، إلى إعادة تنظيم الإنتاج بما يخدم المنافسة والتراكم، ولا تفضي تلقائيًا إلى تخفيف العمل أو توزيع أكثر عدالة للثروة.
وتظهر تناقضات هذا التطور في أزمات فرط الإنتاج. فالرأسمالية تطور قدرات إنتاجية هائلة، لكنها تخضع استخدامها لحدود الربح والطلب القادر على الدفع. ولهذا تتعطل وسائل الإنتاج وتنتشر البطالة، لا بسبب عجز المجتمع عن الإنتاج، بل بسبب عجز العلاقات القائمة عن توظيف قدرته الإنتاجية بصورة مستقرة. وبذلك تصبح الثورة المتواصلة في أدوات الإنتاج مصدرًا لقوة الرأسمالية ومصدرًا لتناقضاتها في آن واحد.
ثالثًا: إنجلز والثورة الصناعية: الآثار الاجتماعية لتطور القوى المنتجة
يمثل كتاب فريدريك إنجلز «حالة الطبقة العاملة في إنجلترا»، الصادر سنة 1845، إحدى المعالجات المبكرة للعلاقة بين الثورة الصناعية والتحولات الاجتماعية التي رافقتها. وقد استند إنجلز إلى معايشته المباشرة للأوضاع الصناعية في مانشستر، وإلى الوثائق والتقارير الرسمية، فلم يقتصر على وصف معاناة العمال، بل سعى إلى تفسيرها بوصفها نتيجة للتحولات التي أحدثها الإنتاج الآلي في تنظيم العمل والبنية الاجتماعية للرأسمالية. ويتضح ذلك في مقدمة الكتاب والفصول المتعلقة بالبروليتاريا الصناعية والمدن الكبرى وفروع الصناعة المختلفة.(5)
أدرك إنجلز أن الثورة الصناعية لم تكن مجرد استبدال الآلات بالعمل اليدوي، بل انقلابًا عميقًا في أنماط الإنتاج والعمل والحياة الاجتماعية. فالآلة لم ترفع القدرة الإنتاجية فحسب، وإنما أسهمت في اقتلاع العمال من بيئاتهم التقليدية، ودفعهم إلى المدن الصناعية، وإخضاع نشاطهم لإيقاع المصنع وتقسيمه الصارم للعمل. وفي وصفه لهذا التحول يكتب:
«لقد رأينا في المقدمة آنفًا، كيف أن السكان العاملين في تشغيل مواد النسيج قد سُلخوا أولًا من نمط حياتهم السابقة [...] إذ كاد العمل الآلي أن يخلف العمل اليدوي في كل مكان، وأصبحت الأعمال اليدوية تُدار بمساعدة البخار أو الماء، فيما يحمل كل عام مزيدًا من التحسينات.»(6)
يكشف فعل «سُلخوا» عن أن الانتقال إلى الصناعة الآلية لم يكن تحولًا مهنيًا محدودًا، بل اقتلاعًا اجتماعيًا أصاب مجمل حياة المنتجين. فقد العاملون قدرًا كبيرًا من استقلالهم السابق، وأُدمجوا في نظام المصنع، حيث تحدد الآلة سرعة العمل وإيقاعه، ويخضع العامل لرقابة منتظمة وتقسيم متزايد للمهام. وبذلك لم تعد الأداة امتدادًا مباشرًا لمهارة العامل، بل أصبح العامل يؤدي وظيفة جزئية داخل منظومة إنتاجية تتحكم في حركته ووقته.
وتجاوزت آثار هذا التحول حدود المصنع إلى بنية المجتمع بأكملها. فقد أدى انتشار الإنتاج الآلي إلى إضعاف الحرف التقليدية وتراجع استقلال المنتجين الصغار، كما أسهم في الهجرة إلى المدن ونمو الأحياء العمالية وتكوين طبقة واسعة تعتمد في معيشتها على بيع قوة عملها. واقترنت هذه التحولات بتفاقم مشكلات السكن والصحة والبطالة وعدم الاستقرار، وإعادة تشكيل الأسرة والعلاقات الاجتماعية.
ولا يعزل إنجلز الآلة عن العلاقات التي تتحكم في استخدامها؛ فالمشكلة لا تكمن في ارتفاع الإنتاجية في ذاته، بل في خضوعه لنظام يقوم على الملكية الخاصة والمنافسة والسعي إلى الربح. ولذلك لم تتحول الزيادة الكبيرة في القدرة الإنتاجية إلى تحسن مماثل في حياة العمال، بل ترافقت مع إطالة يوم العمل، وتشغيل النساء والأطفال، والضغط على الأجور، والاستغناء عن بعض العاملين، وزيادة تبعية العمل لرأس المال.
ويكشف ذلك عن التناقض بين الإمكان المادي الذي تتيحه الصناعة والنتائج الاجتماعية لاستخدامها الرأسمالي. فمن الناحية التقنية، تسمح الآلة بإنتاج مقدار أكبر من الثروة في وقت أقل، لكنها لا تؤدي تلقائيًا إلى تخفيف العمل أو تحسين شروط الحياة. وتتحدد آثارها وفق الجهة التي تملك وسائل الإنتاج، والأهداف التي توجه استخدامها، والطريقة التي توزَّع بها مكاسب الإنتاجية. وبذلك قد يترافق التقدم التقني مع اتساع الفقر والحرمان لدى الفئات التي تنتج الثروة نفسها.
وتكمن أهمية كتاب إنجلز في أنه منح التصور المادي للتاريخ أساسًا اجتماعيًا وتجريبيًا ملموسًا، وأظهر أن الثورة الصناعية لا تغير أدوات الإنتاج وحدها، بل تعيد تشكيل المدينة والعمل والأسرة والصحة والحياة اليومية. كما بيّن أن تطور القوى المنتجة لا يمكن تقويمه بمعيار ارتفاع الإنتاجية وحده، بل ينبغي بحث علاقات الملكية والعمل والسلطة التي تحدد آثاره والجهات التي تتحمل كلفته وتستحوذ على نتائجه. وسيمنح ماركس هذا التناقض صياغة اقتصادية أكثر تحديدًا في تحليله للآلة والصناعة الكبرى في «رأس المال».
رابعًا: ماركس والآلة في «رأس المال»: التكنولوجيا وإنتاج فائض القيمة
يبلغ تحليل العلاقة بين التكنولوجيا والعمل مستوى أكثر تحديدًا في المجلد الأول من «رأس المال»، ولا سيما في فصل «الآلات والصناعة الكبرى». فلا يدرس ماركس الآلة بوصفها اختراعًا تقنيًا مستقلًا، بل عنصرًا يدخل في عملية إنتاج تحكمها المنافسة والسعي إلى تعظيم فائض القيمة. ولذلك يميز بين قدرتها التقنية على اختصار زمن العمل والوظيفة الاجتماعية التي تؤديها عندما تصبح ملكًا لرأس المال.
تتيح الآلة إنتاج كمية أكبر من السلع في وقت أقصر، وبذلك تخفض مقدار العمل اللازم لإنتاج السلعة. وعندما يعتمد رأسمال معين تقنية أكثر إنتاجية من المستوى السائد، يستطيع تحقيق فائض إضافي بصورة مؤقتة. ومع انتشار التقنية، يسهم ارتفاع الإنتاجية في خفض قيمة وسائل معيشة العامل، ومن ثم قيمة قوة العمل، وتقليص الجزء الضروري من يوم العمل لمصلحة الجزء الذي ينتج فائض القيمة. وهنا ترتبط الآلة بإنتاج فائض القيمة النسبي، لا بمجرد زيادة المنتجات.(7)
ولا تخلق الآلة القيمة بصورة مستقلة؛ فهي تنقل إلى السلع جزءًا من قيمتها بقدر استهلاكها، بينما يظل العمل الحي مصدر القيمة الجديدة. غير أنها تمكّن رأس المال من تنظيم العمل على نطاق أوسع، وزيادة إنتاجيته، وتقليل الاعتماد على بعض المهارات الحرفية. ولذلك تكمن أهميتها بالنسبة إلى رأس المال في أثرها في العلاقة بين العمل الضروري والعمل الفائض وفي تنظيم عملية الإنتاج.
كما تغيّر الآلة موقع العامل داخل عملية العمل. ففي الإنتاج الحرفي يستخدم العامل الأداة ويوجه حركتها، أما في نظام المصنع فيصبح جزءًا من منظومة آلية تحدد سرعة العمل وإيقاعه وتوزيع مهامه. ويؤدي تقسيم العملية الإنتاجية إلى حركات جزئية إلى نقل جانب من المعرفة والمهارة من العامل الفردي إلى النظام التقني والتنظيمي الذي يملكه رأس المال. وبذلك تظهر الآلة أمام العامل قوةً مستقلة، مع أنها نتاج للعمل والمعرفة الاجتماعيين.
وقد مكّن الإنتاج الآلي رأس المال من توسيع دائرة قوة العمل القابلة للاستغلال، كما استُخدمت المكننة لإطالة يوم العمل وزيادة كثافته بدل تحويل ارتفاع الإنتاجية إلى وقت متاح للعاملين. ويتجلى هنا التناقض بين الإمكان التقني للآلة واستخدامها الرأسمالي: فهي تختصر الوقت اللازم لإنتاج السلع، لكنها لا تؤدي تلقائيًا إلى اختصار يوم العمل؛ لأن الغاية التي تنظّم استخدامها هي زيادة فائض القيمة.
ويؤدي إدخال الآلات أيضًا إلى الاستغناء عن بعض العمال وتغيير المهارات المطلوبة وانتقال قوة العمل بين القطاعات. ويرتبط ذلك بتكوين «فيض السكان النسبي» أو «الجيش الصناعي الاحتياطي»، الذي يوفر لرأس المال قوة عمل متاحة ويمارس ضغطًا على الأجور وشروط العمل.(8) ولا تنشأ البطالة هنا من عجز تقني عن تشغيل البشر، بل من طريقة استخدام التكنولوجيا داخل حركة التراكم.
ولا يعارض ماركس الآلة في ذاتها؛ فهي توسع قدرة المجتمع على إنتاج الثروة وتحمل إمكانًا لتقليص العمل الضروري. لكن هذا الإمكان يتخذ داخل الرأسمالية صورة متناقضة: فكلما زادت قدرة المجتمع على الاقتصاد في وقت العمل، أمكن استخدام هذه القدرة لتقليل العمالة أو زيادة كثافة العمل وتعزيز السيطرة على العاملين.
وبذلك تدخل التكنولوجيا في صميم العلاقة بين رأس المال والعمل. فالآلة تجسّد المعرفة والتعاون الاجتماعيين، لكنها تصبح، بفعل الملكية الخاصة، وسيلة لتنظيم العمل وإخضاعه لمقتضيات التراكم. ويمهد ذلك لمعالجة «الغروندريسه»، حيث يبحث ماركس اندماج العلم والمعرفة الاجتماعية في الإنتاج وتحولهما إلى قوة إنتاجية مباشرة.
خامسًا: «العقل العام»: المعرفة الاجتماعية بوصفها قوة إنتاجية مباشرة
يقدّم ماركس في «الغروندريسه» (1857–1858)، ولا سيما في المقطع المعروف بـ«مقطع الآلات»، معالجة تتجاوز النظر إلى الآلة بوصفها أداة منفردة لزيادة الإنتاجية، إلى بحث الكيفية التي تتجسد بها المعرفة العلمية والاجتماعية في منظومة الإنتاج. وعلى الرغم من أن «الغروندريسه» كُتب قبل «رأس المال»، فإنه يطرح تصورًا نظريًا يكمل التحليل اللاحق للآلة والصناعة الكبرى، من خلال إبراز العلم والتعاون والمعرفة المتراكمة بوصفها عناصر متزايدة الأهمية في تطور القوى المنتجة.
فمع تطور الصناعة الكبرى، لا تعود الإنتاجية معتمدة أساسًا على مهارة العامل الفردية أو على مقدار الجهد المباشر الذي يبذله، بل ترتبط بدرجة متزايدة بتطبيق العلم، وتنظيم التعاون، وتراكم الخبرة التقنية، وتجسّدها في الآلات ووسائل الإنتاج. وفي هذا السياق يكتب ماركس:
وفي هذا السياق يكتب ماركس: «لقد أصبحت المعرفة الاجتماعية العامة قوةً إنتاجية مباشرة».(9)
يشير مفهوم «العقل العام» إلى المعرفة الاجتماعية المتراكمة والقدرات العلمية والتنظيمية التي ينتجها المجتمع عبر تاريخه، ثم تتجسد في وسائل الإنتاج. فالتقدم التقني لا ينشأ من عبقرية فردية منعزلة، بل من تراكم البحوث والخبرات وأشكال التعاون التي تشترك أجيال ومؤسسات وفئات اجتماعية متعددة في تكوينها. ومن ثم، تصبح المعرفة قوة إنتاجية عندما تنتقل من صورتها النظرية إلى تصميم الآلات وتنظيم الإنتاج وتطوير طرائق العمل.
غير أن هذه المعرفة، على الرغم من طابعها الاجتماعي، تظهر داخل علاقات الإنتاج الرأسمالية بوصفها خاصية لرأس المال. فالآلة والمنظومة التقنية اللتان تجسّدان العلم والتعاون الاجتماعيين لا تواجهان العامل باعتبارهما تعبيرًا عن قدرته الجماعية، بل باعتبارهما قوة يملكها رأس المال ويستخدمها في تنظيم عملية العمل. وهكذا تنفصل المعرفة المتراكمة عن المنتجين، وتعود إليهم في صورة سلطة تقنية تحدد وظائفهم وإيقاع عملهم وموقعهم داخل الإنتاج.
ويؤدي هذا التطور إلى تغير العلاقة بين وقت العمل المباشر وإنتاج الثروة. فكلما اندمج العلم في وسائل الإنتاج، أصبحت القدرة على إنتاج السلع أقل اعتمادًا، نسبيًا، على مقدار العمل المباشر المبذول، وأكثر ارتباطًا بالمستوى العام للمعرفة والتكنولوجيا والتنظيم الاجتماعي. ويكشف ذلك عن تناقض داخل الإنتاج الرأسمالي: فهو يعتمد في قياس القيمة على وقت العمل، لكنه يطوّر، في الوقت نفسه، قوى إنتاجية تقلل الحاجة النسبية إلى هذا الوقت.
ويتيح ارتفاع الإنتاجية إمكان تقليص الوقت الضروري لإنتاج وسائل الحياة وتوسيع الوقت المتاح لتطور الفرد ومشاركته الاجتماعية والثقافية. غير أن تحقق هذا الإمكان لا ينتج تلقائيًا من التطور التقني؛ ففي ظل علاقات الإنتاج الرأسمالية يمكن استخدام الاقتصاد في وقت العمل لخفض عدد العاملين، أو زيادة كثافة العمل، أو توسيع الإنتاج والتراكم، بدل تحويله إلى وقت حر للمجتمع. ولذلك يظل تحرير الوقت مرتبطًا بالعلاقات الاجتماعية التي تحدد ملكية وسائل الإنتاج وتوزيع مكاسب الإنتاجية.
ولا يعني هذا التحليل أن ماركس تنبأ بالاقتصاد الرقمي أو بالذكاء الاصطناعي، كما لا يعني أن مفهوم «العقل العام» يطابق الأنظمة الخوارزمية المعاصرة. لكن المفهوم يوفر مدخلًا نظريًا لفهم الكيفية التي تتحول بها المعرفة المنتجة اجتماعيًا إلى قدرة موضوعية مدمجة في وسائل الإنتاج. ففي الاقتصاد الرقمي تتجسد المعرفة في البرمجيات، وقواعد البيانات، والنماذج الحسابية، والخوارزميات، والبنية الحاسوبية، مثلما تجسدت في المرحلة الصناعية في تصميم الآلات وتنظيم المصنع.
وبذلك يمثّل «العقل العام» حلقة نظرية أساسية في الانتقال من الآلة إلى الخوارزمية. فهو يكشف أن تطور القوى المنتجة لا يتمثل في تحسين الأدوات المادية وحدها، بل في إدماج المعرفة والتعاون الاجتماعيين في عملية الإنتاج. كما يطرح السؤال الذي سيصبح أكثر إلحاحًا في الرأسمالية الرقمية: كيف تتحول المعرفة التي ينتجها المجتمع بصورة مشتركة إلى أصل خاص تسيطر عليه المؤسسات المالكة لوسائل إنتاجها التقنية؟
سادسًا: من الآلة إلى الخوارزمية: الذكاء الاصطناعي وتطور القوى المنتجة
يمثل الانتقال من الآلة الصناعية إلى الخوارزمية تحولًا نوعيًا في تطور القوى المنتجة. فقد قامت الثورة الصناعية على نقل جانب من الجهد العضلي والمهارة الحرفية إلى المنظومة الآلية، بينما يمتد الذكاء الاصطناعي إلى معالجة المعلومات وأتمتة بعض المهام المعرفية واللغوية والتحليلية. ومع ذلك، لا تمثل الخوارزمية قطيعة كاملة مع الآلة؛ فالأنظمة الرقمية تظل قائمة على بنية مادية وعمل بشري ومعرفة اجتماعية متراكمة.
ولا يقوم الذكاء الاصطناعي على الخوارزميات وحدها، بل يعتمد على منظومة تشمل البيانات والبرمجيات والرقائق الإلكترونية ومراكز الحوسبة وشبكات الاتصال والطاقة، فضلًا عن عمل الباحثين والمهندسين والمبرمجين والعاملين في جمع البيانات وتصنيفها وصيانة البنية التحتية. ولذلك لا يعني الاقتصاد الرقمي الانتقال إلى عالم غير مادي، بل يمثل شكلًا جديدًا من الترابط بين المعرفة والعمل والبنية التقنية.
وتدخل الأنظمة الخوارزمية في عدد متزايد من العمليات الاقتصادية، فتُستخدم في تحليل البيانات والتنبؤ بالطلب وتنسيق سلاسل التوريد ومراقبة الأداء ودعم اتخاذ القرار. وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن إنشاء الذكاء الاصطناعي واستخدامه يتطلبان قوة عمل ماهرة، وسياسات وأطرًا تنظيمية مساندة، وإمكان الوصول إلى البيانات، وتوافر الموارد الحاسوبية.(10) وبذلك أصبحت البيانات والبرمجيات والقدرة الحاسوبية مكونات أساسية في القوى المنتجة، إلى جانب العمل والآلات والطاقة والمواد.
وتختلف الأنظمة الخوارزمية عن الآلات التقليدية في أن وظيفتها لا تقتصر على تنفيذ حركة ميكانيكية محددة، بل تشمل معالجة المعلومات وتعديل المخرجات استنادًا إلى البيانات. غير أن وصفها بأنها «تتعلم» لا يعني امتلاكها وعيًا مستقلًا؛ فالتعلم الآلي يقوم على نماذج رياضية تستخرج علاقات احتمالية من البيانات وتستخدمها في التصنيف والتنبؤ وتوليد المخرجات. وتظل أهداف النظام ومعايير تقييمه ومجالات استخدامه محددة ضمن ترتيبات بشرية ومؤسسية.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه شكلًا معاصرًا لتجسّد المعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج. فالمعرفة لم تعد مدمجة في تصميم الآلة وحدها، بل أصبحت تتراكم في الشفرة البرمجية وقواعد البيانات والنماذج الحسابية. ولا يعني ذلك مطابقة «العقل العام» للذكاء الاصطناعي، بل استخدام المفهوم لفهم تحول المعرفة المتراكمة اجتماعيًا إلى قدرة إنتاجية موضوعية.
ويؤثر هذا التحول في موقع العمل البشري. فمع أتمتة بعض المهام، تتزايد أهمية تصميم الأنظمة والإشراف عليها وتفسير مخرجاتها وصيانتها. كما تنشأ أعمال قد تظل غير ظاهرة، مثل إعداد البيانات ومراجعة المحتوى. ومن ثم، لا يختفي العمل، بل تتغير وظائفه ويعاد توزيع المهام بين الإنسان والنظام التقني.
وقد يُستخدم الذكاء الاصطناعي لتخفيف المهام المتكررة والخطرة وتحسين الخدمات، كما قد يُستخدم لخفض العمالة وزيادة كثافة العمل وتشديد المراقبة. ولذلك لا يمكن استنتاج نتائجه الاجتماعية من خصائصه التقنية وحدها، بل ينبغي تحليل علاقات الملكية والعمل والسلطة التي تحدد أهداف استخدامه وتوزيع مكاسبه ومخاطره.
ويكشف الانتقال من الآلة إلى الخوارزمية، إذن، عن توسع نوعي في القوى المنتجة، إذ أصبحت معالجة المعلومات جزءًا مباشرًا من تنظيم الإنتاج. لكنه لا يمثل تجاوزًا للصناعة المادية أو للعمل البشري، ولا يحمل نتيجة اجتماعية محددة سلفًا؛ إذ تتحدد آثاره وفق الجهة التي تملك البيانات والنماذج والبنية الحاسوبية، والغايات التي توجه استخدامها.
سابعًا: الذكاء الاصطناعي وتناقضات الرأسمالية الرقمية
يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز مظاهر تطور القوى المنتجة في الرأسمالية المعاصرة؛ إذ امتد التقدم التقني من زيادة القدرة الميكانيكية إلى معالجة المعرفة والمعلومات وإدماجهما في تنظيم العمل والخدمات والأسواق. وأصبحت البيانات والخوارزميات والقدرة الحاسوبية عناصر أساسية في إنتاج الثروة، بما يكشف عن مستوى جديد من تجسّد المعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج.
ويتيح هذا التطور إمكانات لرفع الإنتاجية وتقليص الوقت اللازم لإنجاز المهام، وتطوير البحث العلمي، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتنظيم النقل والطاقة، والحد من بعض أشكال الهدر. وبهذا المعنى، يمثل الذكاء الاصطناعي امتدادًا للاتجاه الذي ناقشه ماركس في «الغروندريسه»، عندما رأى أن إنتاج الثروة يصبح أقل اعتمادًا نسبيًا على وقت العمل المباشر، وأكثر ارتباطًا بالمستوى العام للعلم والتكنولوجيا وتطبيقهما في الإنتاج.(11)
غير أن هذه الإمكانات لا تتحول تلقائيًا إلى مكاسب اجتماعية؛ إذ تعمل داخل علاقات تحدد ملكية البيانات والنماذج والمنصات والبنى الحاسوبية. ففي ظل الملكية الخاصة المركزة، تُوجَّه مكاسب الإنتاجية نحو خفض التكاليف وتعزيز القدرة التنافسية وتوسيع الأرباح. وهكذا تتحول المعرفة التي ينتجها المجتمع بصورة تراكمية إلى أصل خاص تحتكره المؤسسات القادرة على جمع البيانات وامتلاك الموارد الحاسوبية.
ويكشف ذلك عن تناقض بين الطابع الاجتماعي لإنتاج الذكاء الاصطناعي والشكل الخاص لملكيته. فهذه الأنظمة تقوم على تراكم تاريخي للمعرفة، وتستفيد من البحوث الممولة تمويلًا عامًا، ومن عمل الباحثين والمبرمجين والعاملين في إعداد البيانات، ومن المعلومات التي يولدها المستخدمون. ومع ذلك، تتركز السيطرة على نتائج هذا العمل لدى عدد محدود من الشركات والمنصات. وقد أشار الأونكتاد إلى الاختلالات في السيطرة على البيانات وتعزز المواقع المهيمنة للمنصات الرقمية العالمية.(12)
ويمتد التناقض إلى عالم العمل. فالذكاء الاصطناعي قادر على أتمتة بعض المهام الإدارية والتحليلية واللغوية، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى اختفاء المهن بكاملها. فالوظائف تتكون من مهام تختلف في قابليتها للأتمتة، ولذلك يتمثل الأثر الأرجح في إعادة تشكيلها وتغيير المهارات المطلوبة. وتؤكد دراسة لمنظمة العمل الدولية صادرة سنة 2025 أن التحول الأكثر ترجيحًا هو إعادة تشكيل العمل، لا إلغاء الوظائف بأكملها.(13)
وقد تستخدم المؤسسات الذكاء الاصطناعي لتقليص العمالة، أو زيادة كثافة العمل، أو تشديد مراقبة الأداء، أو توسيع العمل المؤقت وغير المستقر. كما قد تنشأ أعمال رقمية منخفضة الأجر في إعداد البيانات ومراجعة المحتوى، فتظل مخفية خلف الصورة الظاهرة للأتمتة. وفي المقابل، يمكن توظيف الأنظمة نفسها لتخفيف المهام المتكررة والخطرة وتحسين شروط العمل وتقليص ساعاته.
ويثير ارتفاع الإنتاجية تناقضًا أوسع؛ فإذا أتاحت الأتمتة زيادة الإنتاج من دون نمو مماثل في العمالة والدخول، فقد تتسع الفجوة بين القدرة على إنتاج السلع والخدمات والقدرة الاجتماعية على استهلاكها. ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي يقود آليًا إلى أزمة فرط إنتاج، لكنه قد يفاقم التوتر بين توسع القدرة الإنتاجية وسوء توزيع الدخل في مجتمع يعتمد فيه حصول الأغلبية على وسائل العيش على العمل المأجور.
ولا يترتب على هذه التناقضات أن الذكاء الاصطناعي يقود حتمًا إلى انهيار الرأسمالية أو تجاوزها؛ فقد أظهرت الرأسمالية قدرة على استيعاب التحولات التقنية وتجديد آليات التراكم. فتطور القوى المنتجة يخلق إمكانات موضوعية، لكنه لا يحدد نتيجتها الاجتماعية والسياسية مسبقًا. ولهذا لا يكمن السؤال الحاسم في مقدار ما يستطيع الذكاء الاصطناعي إنجازه فحسب، بل في الجهة التي تملكه، والقوى التي تحدد استخدامه، والطريقة التي توزَّع بها مكاسب الإنتاجية ومخاطرها.
ثامنًا: الذكاء الاصطناعي وإعادة تنظيم العلاقة بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج
ينتقل التحليل هنا من بحث موقع الذكاء الاصطناعي داخل الرأسمالية الرقمية إلى مناقشة الشروط الاجتماعية والمؤسسية التي يمكن أن تجعل تطور القوى المنتجة أساسًا لتحسين حياة الإنسان وتوسيع حريته. ولا ينطلق من افتراض أن التقدم التقني يقود تلقائيًا إلى الاشتراكية؛ لأن آثار التكنولوجيا تتحدد وفق علاقات الملكية والعمل والسلطة التي تنظّم إنتاجها واستخدامها وتوزيع مكاسبها.
فالذكاء الاصطناعي يتيح إمكانات لرفع الإنتاجية وتقليص زمن العمل وتحسين الخدمات وتنسيق الموارد، لكنه قد يُستخدم كذلك لتركيز الثروة وتكثيف العمل وتعميق المراقبة. ولذلك يتوقف الاتجاه الاجتماعي لتطوره على ملكية الموارد الرقمية، وتوزيع مكاسب الإنتاجية، وطبيعة التخطيط، ومدى المشاركة الديمقراطية، والضمانات التي تمنع البيروقراطية والمراقبة.
أولًا: الاشتراكية بوصفها إمكانًا تاريخيًا يتيحه تطور القوى المنتجة
لا يعالج ماركس الاشتراكية بوصفها نموذجًا أخلاقيًا مكتملًا يُفرض على المجتمع استنادًا إلى تصورات مجردة عن العدالة، بل إمكانًا تاريخيًا ينشأ من تطور المجتمع الرأسمالي وتناقضاته. فوفق التصور المادي للتاريخ، ترتبط التحولات الاجتماعية بالتفاعل بين القوى المنتجة وعلاقات الإنتاج التي تنظّم ملكيتها واستخدامها وتوزيع نتائجها. وعندما لا تعود العلاقات القائمة قادرة على استيعاب تطور القوى المنتجة، تتحول من أشكال ساعدت على نموها إلى قيود تحد من إمكاناتها.(14)
بدأت الملامح النظرية لهذا التصور في «الأيديولوجيا الألمانية»، حيث ربط ماركس وإنجلز تطور المجتمعات بالشروط المادية للإنتاج وتقسيم العمل والملكية. ثم منح ماركس هذه العلاقة صياغة مكثفة في مقدمة «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي»، موضحًا أن قوى الإنتاج المادية تدخل، في مرحلة معينة، في تناقض مع علاقات الإنتاج القائمة، فتتحول هذه العلاقات إلى قيود عليها.(15)
غير أن هذا التناقض لا يعني أن الاشتراكية تتحقق تلقائيًا؛ فتطور القوى المنتجة يهيئ إمكانات مادية للتحول، لكنه لا يحدد النتيجة الاجتماعية والسياسية مسبقًا. وقد تستمر علاقات الإنتاج القائمة إذا استطاعت إعادة تنظيم نفسها أو نقل أزماتها إلى فئات ومناطق أخرى. ومن ثم، يفتح التناقض مجالًا للتغيير، لكنه لا يُغني عن الفعل الاجتماعي والتنظيم السياسي والمؤسسات القادرة على تحويل الإمكان الموضوعي إلى واقع تاريخي.
ولا تمثل الاشتراكية، من هذا المنظور، رفضًا للتطور العلمي والمادي الذي تحقق داخل الرأسمالية، بل محاولة لإعادة تنظيم منجزاته على أساس اجتماعي مختلف. فقد طورت الرأسمالية وسائل الإنتاج ووسعت الأسواق وأدمجت العلم في الإنتاج، لكنها أبقت هذه القوى خاضعة للملكية الخاصة والمنافسة والربح. وبذلك تعمق التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج والاستحواذ الخاص على نتائجه.
ويكتسب هذا التحليل مزيدًا من التحديد في «نقد برنامج غوتا»، حيث يكتب ماركس:
«إن أي توزيع لوسائل المعيشة لا يعدو كونه نتيجة لتوزيع شروط الإنتاج نفسها.»(16)
تكشف العبارة أن توزيع الثروة لا يمكن تغييره جذريًا من دون تغيير العلاقات التي تنظّم ملكية شروط الإنتاج. فالمسألة لا تقتصر على مقدار ما يحصل عليه الأفراد، بل تشمل الجهة التي تمتلك وسائل الإنتاج، والسلطة التي تحدد أهداف استخدامها، والطريقة التي يُنظَّم بها العمل. ولذلك لا تعني الاشتراكية مجرد إعادة توزيع الدخل، بل إعادة تنظيم العلاقة بين المجتمع وشروط إنتاج الثروة.
ويمنح الذكاء الاصطناعي هذه المسألة مضمونًا معاصرًا؛ إذ أصبحت القوى المنتجة تشمل البيانات والخوارزميات والمنصات والبنية الحاسوبية. وتعتمد هذه الموارد على تراكم المعرفة والعمل الجماعي والاستثمار في التعليم والبحث، لكنها تتركز لدى عدد محدود من الشركات، فتتحول المعرفة المنتجة اجتماعيًا إلى مورد خاص.
وهكذا يعيد الذكاء الاصطناعي طرح السؤال: هل تظل القدرات التقنية والمعرفية خاضعة لملكية خاصة ولأهداف الربح، أم يمكن تنظيمها بوصفها موارد اجتماعية؟ وعلى هذا الأساس، لا تعني الاشتراكية في عصر الذكاء الاصطناعي رفض التكنولوجيا، بل تغيير العلاقات التي تحدد ملكيتها وأهداف استخدامها وتوزيع مكاسبها، وإخضاع السلطة عليها للرقابة الديمقراطية.
ثانيًا: الملكية الاجتماعية للبيانات والخوارزميات والبنية الرقمية
إذا كان تغيير علاقات الإنتاج يقتضي إعادة تنظيم ملكية وسائل الإنتاج والسيطرة عليها، فإن هذه المسألة تكتسب في عصر الذكاء الاصطناعي مضمونًا أوسع. فقد بيّن ماركس أن توزيع وسائل الاستهلاك يتحدد، في جانب أساسي منه، بتوزيع شروط الإنتاج نفسها.(17) ومن ثم، لا يمكن معالجة التفاوت في الثروة الرقمية من دون بحث الجهات التي تمتلك البنية الأساسية لإنتاجها وتتحكم في الوصول إليها.
يشير تقرير لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن إنشاء الذكاء الاصطناعي واستخدامه يعتمدان على قوة عمل ماهرة، وأطر تنظيمية مساندة، وإمكان الوصول إلى البيانات، وتوافر الموارد الحاسوبية.(18) ويكشف ذلك عن اتساع مفهوم وسائل الإنتاج في الاقتصاد الرقمي؛ إذ أصبحت تشمل البيانات والخوارزميات والمنصات وشبكات الاتصال ومراكز البيانات والبرمجيات والرقائق والقدرة الحاسوبية، إلى جانب المصنع والآلة والعمل البشري.
ولا تعني الملكية الاجتماعية لهذه الموارد مجرد نقلها من الشركات إلى الدولة؛ لأن تغير المالك القانوني لا يضمن تغير العلاقات التي تحكم الإنتاج أو توزيع سلطة القرار. فقد تتحول الملكية الحكومية، إذا انفصلت إدارتها عن العاملين والمستخدمين، إلى ملكية بيروقراطية تحتكر المعلومات والخبرة. ولذلك تقتضي الملكية الاجتماعية الفعلية إخضاع الموارد الأساسية للرقابة الديمقراطية والمساءلة، وإشراك الفئات المتأثرة في تحديد أهداف استخدامها.
وتتضح أهمية ذلك في الطبيعة الخاصة للبيانات؛ إذ ينشأ جانب كبير منها من نشاط اجتماعي يشمل العمل والتواصل والتعليم والاستهلاك واستخدام الخدمات والمنصات. وبعد جمع البيانات ومعالجتها تتحول إلى مورد اقتصادي تسيطر عليه المؤسسات المالكة للبنية الرقمية. وقد أشار الأونكتاد إلى وجود اختلالات كبيرة في توزيع القدرة على جمع البيانات وتخزينها وتحليلها وتحويلها إلى قيمة اقتصادية.(19)
غير أن الطابع الاجتماعي لإنتاج البيانات لا يعني اعتبار البيانات الشخصية ملكًا عامًا متاحًا بلا قيود. فالملكية الاجتماعية للبنية الرقمية يجب أن تقترن بحماية الخصوصية، وتحديد أغراض جمع البيانات ومدد الاحتفاظ بها، ومنح الأفراد حق المعرفة والاعتراض والتصحيح. والمقصود إخضاع البنى الأساسية لمعالجة البيانات لرقابة عامة، لا إلغاء الحقوق الفردية أو تحويل الحياة الخاصة إلى مورد مفتوح.
ويشمل سؤال الملكية الخوارزميات والنماذج المتقدمة والقدرة الحاسوبية؛ فاحتكار الشركات لهذه الموارد يزيد قدرتها على تحديد شروط الوصول إلى التكنولوجيا والمعرفة. كما أن تدريب النماذج الكبيرة وتشغيلها يتطلبان موارد لا تتوافر إلا لعدد محدود من الشركات والدول، وهو ما قد يعزز الفوارق الاجتماعية والاقتصادية.(20) ولذلك يصبح دعم البنية الحاسوبية العامة والبحوث المفتوحة والمنصات التعاونية، إلى جانب قواعد منع الاحتكار، شرطًا لتوسيع المشاركة في تطوير التكنولوجيا.
وبذلك لا تعني الملكية الاجتماعية مجرد تغيير سند الملكية، بل إعادة توزيع سلطة القرار حول البيانات والخوارزميات والبنية الحاسوبية، مع حماية الخصوصية وضمان الرقابة الديمقراطية، وتوجيه هذه الموارد نحو الحاجات العامة بدل إخضاعها الحصري لمنطق الربح.
ثالثًا: الذكاء الاصطناعي وتقليص زمن العمل الضروري
يحتل زمن العمل موقعًا مركزيًا في تحليل ماركس للرأسمالية؛ لأن إنتاج فائض القيمة يقوم على العلاقة بين الوقت الذي ينتج فيه العامل ما يعادل قيمة قوة عمله والوقت الإضافي الذي يعمل فيه لمصلحة رأس المال. وقد أتاحت الآلة الصناعية زيادة كمية السلع المنتجة في وقت أقصر، لكنها لم تؤدِّ تلقائيًا إلى تقليص يوم العمل؛ إذ استُخدمت لإطالته أو زيادة كثافته والاستغناء عن بعض العاملين، بدل تحويل مكاسب الإنتاجية إلى وقت متاح للمجتمع.(21)
ويظهر هذا التناقض في عصر الذكاء الاصطناعي؛ فالأنظمة الخوارزمية قادرة على أتمتة بعض المهام وتسريع معالجة المعلومات وتقليل الوقت اللازم لإنجاز الأعمال. ومن الناحية المادية، تتيح هذه القدرة إنتاج المقدار نفسه من السلع والخدمات بوقت أقل، وهو ما يفتح إمكانًا لتقليص ساعات العمل وتوسيع الوقت المخصص للتعليم والرعاية والثقافة والمشاركة الاجتماعية.
وقد ربط ماركس في «الغروندريسه» الاقتصاد في وقت العمل بإمكان زيادة الوقت الحر، فكتب أن «توفير وقت العمل يعادل زيادة الوقت الحر».(22) ولا يعني الوقت الحر مجرد الراحة اللازمة لاستعادة القدرة على العمل، بل الوقت الذي يستطيع فيه الإنسان تنمية قدراته والمشاركة في الحياة الاجتماعية. ومن ثم، لا تقاس قيمة التقدم التقني بزيادة الإنتاج وحدها، بل بمدى إسهامه في تحرير الإنسان من العمل الضروري.
غير أن المؤسسات قد تستخدم الذكاء الاصطناعي لخفض عدد العاملين مع إبقاء ساعات العمل طويلة، أو لزيادة كثافته من خلال مراقبة الأداء ورفع التوقعات الإنتاجية. وبذلك تتحول التقنية التي تستطيع توفير الوقت إلى وسيلة لمزيد من الضغط. ولهذا ينبغي التمييز بين تقليل الوقت اللازم لإنتاج سلعة وتقليص يوم العمل الفعلي؛ فالأول نتيجة لارتفاع الإنتاجية، أما الثاني فقرار اجتماعي يتعلق بتوزيع مكاسبها بين الأرباح والأجور والوقت الحر.
ولا ينبغي بناء التحليل على افتراض اختفاء معظم المهن؛ فالوظائف تتكون من مهام لا تتساوى في قابليتها للأتمتة. وتشير دراسة منظمة العمل الدولية الصادرة سنة 2025 إلى أن الأثر الأرجح للذكاء الاصطناعي التوليدي في عدد واسع من المهن هو إعادة تشكيل المهام لا إلغاء الوظائف بكاملها؛ إذ يمكن أن تُؤتمت بعض المهام، بينما تظل أخرى بحاجة إلى الخبرة والحكم والتفاعل البشري.(23)
وقد تؤدي إعادة تشكيل الوظائف إلى تخفيف الأعمال المتكررة والخطرة، كما قد تقود إلى إضعاف المهارات وزيادة المراقبة وعدم الاستقرار. ولذلك ينبغي ألا يقتصر تقويم أثر الذكاء الاصطناعي على عدد الوظائف التي يلغيها أو يستحدثها، بل يجب أن يشمل نوعية العمل والأجور والحقوق وقدرة العاملين على التأثير في القرارات التقنية.
ويتطلب تحويل مكاسب الإنتاجية إلى وقت حر خفض ساعات العمل من دون خفض الأجور، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وضمان التدريب وإعادة التأهيل، وإشراك العاملين ونقاباتهم في القرارات المتعلقة بإدخال الأنظمة الذكية. فالتكنولوجيا تستطيع توفير الوقت، لكنها لا تقرر بذاتها لمن يعود هذا الوقت وكيف يُستخدم.
رابعًا: من التخطيط الاقتصادي إلى التخطيط الخوارزمي
شكّل التخطيط الاقتصادي محورًا أساسيًا في النقاش الاشتراكي حول تنظيم الإنتاج وفق الحاجات الاجتماعية بدل إخضاعه للسوق والربح. فقد رأى ماركس وإنجلز أن الرأسمالية تجمع بين تنظيم دقيق للعمل داخل المؤسسة وفوضى عامة في الإنتاج الاجتماعي؛ إذ تخطط كل مؤسسة عملياتها، لكنها تتخذ قرارات الإنتاج والاستثمار بصورة منفصلة، ولا يظهر مدى توافقها مع الحاجات إلا بعد طرح السلع في السوق.
ويؤدي هذا الانفصال إلى اختلالات بين الإنتاج والطلب، وإلى أزمات وبطالة وتعطل للموارد، في الوقت الذي تبقى فيه حاجات أساسية من دون إشباع. وقد ربط ماركس بين ازدياد تركّز وسائل الإنتاج واتساع الطابع التعاوني للعمل واستمرار خضوع الإنتاج للملكية الخاصة. كما رأى إنجلز أن انتقال وسائل الإنتاج إلى سيطرة المجتمع يمكن أن يتيح تنظيمها وفق خطة واعية بدل تركها للمنافسة العمياء.(24)
لكن تجارب التخطيط المركزي كشفت صعوبات تتعلق بجمع المعلومات وتحديثها وبطء الاستجابة للتغيرات وانفصال الأجهزة الإدارية عن المنتجين والمستهلكين. فعندما تتركز المعلومات والقرارات في جهاز بيروقراطي مغلق، قد تتحول الخطة إلى أوامر إدارية لا تعبّر عن الحاجات المتغيرة ولا تستفيد من معارف العاملين والمجتمعات المحلية. ولذلك لا يكفي استبدال قرارات السوق بقرارات مركزية لإقامة تخطيط اجتماعي فعال.
يتيح الذكاء الاصطناعي أدوات لمعالجة بعض هذه الصعوبات؛ إذ تستطيع الأنظمة الرقمية تحليل كميات واسعة من المعلومات، وتقدير الطلب، ومقارنة البدائل، وتنسيق سلاسل التوريد، ومتابعة استخدام الموارد في وقت قريب من الزمن الفعلي. ويمكن توظيف هذه القدرات في مجالات الطاقة والنقل والصحة والإسكان وإدارة المياه، بما يساعد على تقليل الهدر وتحسين الاستجابة للحاجات.
غير أن الخوارزميات لا تلغي المشكلة السياسية للتخطيط. فهي تستطيع حساب الوسائل الأكثر كفاءة لتحقيق هدف محدد، لكنها لا تقرر الأهداف الاجتماعية التي ينبغي إعطاؤها الأولوية. فالاختيار بين زيادة الإنتاج وتقليص العمل، أو بين خفض الكلفة وحماية البيئة، أو بين الاستهلاك الراهن والاستثمار المستقبلي، يتضمن أحكامًا اجتماعية لا يمكن اشتقاقها من البيانات وحدها.
وتؤكد تجربة الصين المعاصرة أن استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي في التخطيط لا يلغي السوق أو الملكية الخاصة، ولا يؤدي تلقائيًا إلى تنظيم اشتراكي للإنتاج. فقد اقترنت الخطط الوطنية لتطوير الذكاء الاصطناعي بوجود قطاع خاص وآليات سوق ومنافسة وتراكم رأسمالي. ولذلك لا يكفي استخدام الدولة للخوارزميات للحكم على الطبيعة الاجتماعية للتخطيط؛ بل ينبغي بحث علاقات الملكية وأهداف الإنتاج وتوزيع الثروة والمشاركة في القرار.(25)
كما تعتمد نتائج التخطيط الخوارزمي على طبيعة البيانات والمعايير المستخدمة. فإذا كانت البيانات ناقصة أو منحازة، أو حُددت مؤشرات النجاح من منظور ضيق، فقد تعيد النتائج إنتاج الاختلالات القائمة. ولهذا ينبغي النظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة مساندة تعرض البدائل وتوضح نتائجها المحتملة، بينما يظل تحديد الأولويات خاضعًا للنقاش الديمقراطي.
ويتطلب ذلك شفافية البيانات والمعايير، وإمكان تدقيق النماذج، ومشاركة العاملين والخبراء والمجتمعات المتأثرة. كما ينبغي تنظيم بعض الموارد على المستوى الوطني، مع ترك قرارات أخرى للمؤسسات والبلديات والتعاونيات، بحيث تدعم الخوارزميات التنسيق بين المستويات من دون تحويل الإدارة إلى سلطة تقنية مركزية.
ولا ينفصل التخطيط عن ملكية البيانات؛ فإذا بقيت المعلومات الأساسية محتكرة من الشركات، تعذر توجيهها نحو التخطيط العام. لكن إتاحتها للمؤسسات العامة يجب ألا تبرر جمعًا غير محدود للبيانات أو انتهاك الخصوصية؛ بل ينبغي تحديد الغرض وتقليل الجمع إلى الحد الضروري وضمان الرقابة المستقلة.(26) وبذلك تكون الخوارزمية أداة للمعلومات والتنسيق، لا بديلًا عن المجتمع والقرار الديمقراطي.
خامسًا: الديمقراطية والمشاركة الاجتماعية في إدارة الذكاء الاصطناعي
لا تكتمل الملكية الاجتماعية لوسائل الإنتاج الرقمية من دون مشاركة العاملين والمستخدمين والمواطنين في تحديد أهداف استخدامها ومراقبة نتائجها. وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة لأن الأنظمة الخوارزمية تؤثر في التوظيف والأجور وتقييم الأداء، وفي الحصول على التعليم والرعاية الصحية والائتمان والخدمات العامة. ولذلك ينبغي ألا تبقى القرارات المتعلقة بتصميم هذه الأنظمة واستخدامها حكرًا على الإداريين والخبراء التقنيين.
وتؤكد «التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» الصادرة عن اليونسكو ضرورة حماية حقوق الإنسان والخصوصية، وضمان الشفافية وقابلية التفسير والمسؤولية والرقابة البشرية.(27) غير أن هذه المبادئ تحتاج إلى آليات مؤسسية تمنح المتأثرين بالقرارات الخوارزمية حق معرفة المعايير المستخدمة، والاعتراض على النتائج، والمطالبة بمراجعة بشرية فعلية، وتحديد المسؤولية عند وقوع التمييز أو انتهاك الحقوق.
ويمكن الإفادة نظريًا من تحليل ماركس لكومونة باريس، ولا سيما مبادئ انتخاب المسؤولين وخضوعهم للمساءلة وإمكان عزلهم والحد من امتيازاتهم.(28) ولا يعني ذلك نقل نموذج سياسي من القرن التاسع عشر إلى إدارة التكنولوجيا المعاصرة، بل الاستفادة من مبدأ منع انفصال الجهاز الإداري عن المجتمع وتحوله إلى قوة مستقلة فوقه.
وفي مواقع العمل، تقتضي المشاركة إشراك العمال ونقاباتهم في القرارات المتعلقة بإدخال الأنظمة الذكية، وتحديد المهام المتأثرة بها، ومعايير تقييم الأداء، وآثارها في الأجور وساعات العمل والتوظيف. وقد بيّنت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أهمية الحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية في توجيه استخدام الذكاء الاصطناعي والحد من مخاطره.(29)
أما في الخدمات العامة، فتتطلب المشاركة تقويم الآثار الاجتماعية والحقوقية قبل اعتماد الأنظمة، وتمثيل الفئات المتأثرة في متابعتها، وإنشاء قنوات واضحة للاعتراض والشكوى. ويمكن تشكيل مجالس مستقلة تضم ممثلين عن العاملين والمستخدمين والخبراء والمؤسسات العامة، تتولى تدقيق الأنظمة المؤثرة في الحقوق ونشر نتائج تقويمها.
وبذلك لا تعني ديمقراطية الذكاء الاصطناعي إخضاع كل قرار تقني للتصويت، بل بناء مؤسسات توزّع سلطة القرار وتضمن الحق في المعرفة والمشاركة والاعتراض والمساءلة. فهذه المشاركة هي الوسيلة التي تمنع تحول الإدارة الرقمية إلى اختصاص مغلق تحتكره الأجهزة الإدارية والخبرات التقنية.
سادسًا: مخاطر البيروقراطية والمراقبة في المجتمع الرقمي
لا يؤدي انتقال وسائل الإنتاج الرقمية إلى الملكية العامة، في ذاته، إلى ضمان إدارتها ديمقراطيًا أو توجيهها نحو الحاجات الاجتماعية. فقد تتحول هذه الملكية، إذا انفصلت مؤسسات إدارتها عن العاملين والمواطنين، إلى قاعدة لجهاز بيروقراطي يحتكر المعلومات والخبرة التقنية وسلطة القرار. ولذلك تتطلب الملكية الاجتماعية الفعلية خضوع المؤسسات لرقابة المجتمع ومساءلته.
وتتضاعف هذه المخاطر بسبب قدرة الأنظمة الرقمية على جمع كميات واسعة من البيانات وربطها وتحليلها. فالمؤسسة التي تسيطر على قواعد البيانات والمنصات والبنية الحاسوبية تمتلك قدرة على مراقبة السلوك وتصنيف الأفراد والتأثير في فرصهم وحقوقهم. وقد تُستخدم هذه القدرة في تحسين الخدمات وتوزيع الموارد، لكنها قد تتحول إلى وسيلة للضبط الاجتماعي إذا غابت القيود القانونية والرقابة المستقلة.
ولا تقتصر المراقبة الخوارزمية على الدولة؛ إذ تمارسها الشركات أيضًا من خلال تتبع نشاط المستخدمين وجمع بياناتهم، ومن خلال الإدارة الرقمية للعاملين وقياس أدائهم وتحديد وتيرة عملهم. ولذلك لا يمكن اختزال المسألة في تعارض بين السوق والدولة؛ فتركيز البيانات والسلطة التقنية لدى أي مؤسسة، عامة أو خاصة، قد يهدد الحقوق والاستقلال الفردي.
كما قد تنشأ البيروقراطية الرقمية من احتكار المعرفة التقنية. فتعقيد النماذج يسمح للإداريين والخبراء بتقديم قراراتهم بوصفها نتائج موضوعية تفرضها البيانات، مع أنها تتضمن اختيارات تتعلق بالمعايير والأولويات. وعندما يتعذر على العاملين والمواطنين فهم طريقة اتخاذ القرار أو الاعتراض عليه، تتحول الخبرة التقنية إلى مصدر مستقل للسلطة.
وتؤكد مبادئ اليونسكو لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي ضرورة حماية الخصوصية، وضمان الشفافية وقابلية التفسير، وتحديد المسؤولية، والإبقاء على الرقابة البشرية في الأنظمة المؤثرة في الأفراد والمجتمع.(30) غير أن هذه المبادئ تحتاج إلى ضمانات قانونية ومؤسسية تحول دون بقائها التزامات شكلية.
ومن أهم هذه الضمانات تقليل جمع البيانات إلى الحد الضروري، وتحديد الغرض من استخدامها ومدة الاحتفاظ بها، والفصل بين الجهات التي تجمع البيانات والجهات التي تراقب استخدامها. كما ينبغي تمكين الأفراد من معرفة البيانات المستخدمة في القرارات المؤثرة فيهم وتصحيحها والاعتراض على النتائج المبنية عليها.
ويجب أن تكون المراجعة البشرية فعلية، بحيث يمتلك المسؤول صلاحية تغيير القرار الخوارزمي، لا أن يكتفي بالمصادقة عليه. كما ينبغي إخضاع الأنظمة المستخدمة في التوظيف والخدمات العامة والأمن والتصنيف الاجتماعي لتدقيق مستقل ودوري. ويمكن الاستفادة من مبدأ خضوع المسؤولين للمساءلة وإمكان عزلهم، الذي أبرزَه ماركس في تحليله لكومونة باريس، لمنع استقلال الجهاز الإداري عن المجتمع.(31)
ولا تعني الشفافية كشف البيانات الشخصية أو نشر تفاصيل تمكّن من إساءة استخدام الأنظمة، بل إتاحة معرفة أهداف النظام ومعاييره العامة وآثاره والجهة المسؤولة عنه، وتمكين الهيئات المختصة من تدقيقه مع حماية الخصوصية والأمن.(32) وبذلك لا يكمن خطر البيروقراطية الرقمية في التكنولوجيا وحدها، بل في تركّز المعلومات والخبرة والقرار داخل مؤسسات لا تخضع لرقابة فعالة.
خاتمة
يكشف تتبع مفهوم القوى المنتجة في فكر ماركس وإنجلز أن التكنولوجيا لا تتطور خارج العلاقات الاجتماعية، ولا تحمل في ذاتها نتيجة تاريخية محددة. فمن التأسيس المادي للتاريخ في «الأيديولوجيا الألمانية»، مرورًا بتحليل الثورة المتواصلة في أدوات الإنتاج في «البيان الشيوعي»، والآثار الاجتماعية للصناعة عند إنجلز، وصولًا إلى تحليل الآلة في «رأس المال» ومفهوم «العقل العام» في «الغروندريسه»، ارتبط تطور القدرة الإنتاجية بأشكال الملكية وتنظيم العمل وتوزيع الثروة والسلطة.
وقد أظهر تحليل الآلة الصناعية أن ارتفاع الإنتاجية لا يؤدي تلقائيًا إلى تقليص العمل أو تحسين حياة العاملين. فالآلة التي تستطيع توفير وقت العمل قد تُستخدم، تحت سيطرة رأس المال، لزيادة كثافته وإضعاف مهارات العامل والاستغناء عن بعض العاملين وتوسيع فائض القيمة. ومن ثم، لا تتحدد آثار التكنولوجيا بقدرتها المادية وحدها، بل بالغاية الاجتماعية التي توجه استخدامها والعلاقات التي تنظّم ملكيتها.
ويمثل الذكاء الاصطناعي مرحلة نوعية جديدة في هذا المسار؛ لأنه يوسع نطاق الأتمتة من بعض المهام المادية إلى مجالات معرفية ولغوية وتحليلية، ويجعل البيانات والخوارزميات والقدرة الحاسوبية مكونات مباشرة في تنظيم الإنتاج والخدمات. لكنه لا يمثل انتقالًا إلى اقتصاد غير مادي؛ إذ يعتمد على الرقائق ومراكز الحوسبة والطاقة وشبكات الاتصال، وعلى عمل الباحثين والمبرمجين والعاملين في إعداد البيانات وصيانة الأنظمة.
ويؤكد هذا التطور راهنية فكرة تجسّد المعرفة الاجتماعية في وسائل الإنتاج. فالذكاء الاصطناعي يقوم على تراكم تاريخي للعلوم والخبرات والعمل الجماعي والاستثمار في التعليم والبحث، لكنه يتحول داخل الرأسمالية الرقمية إلى أصول خاصة تسيطر عليها مؤسسات محدودة. وبذلك يتخذ التناقض بين الطابع الاجتماعي لإنتاج المعرفة والاستحواذ الخاص على نتائجها صورة تتداخل فيها ملكية البيانات مع السيطرة على المنصات والبنية الحاسوبية والعمل.
ولا يؤدي الذكاء الاصطناعي بالضرورة إلى اختفاء العمل البشري؛ فالأثر الأرجح في عدد واسع من المهن هو إعادة تشكيل المهام وتغيير المهارات المطلوبة. وقد يخفف هذا التحول الأعمال المتكررة والخطرة، كما قد يزيد المراقبة وعدم الاستقرار ويخلق أعمالًا رقمية منخفضة الأجر. ولذلك ينبغي تقويمه في ضوء نوعية العمل والأجور والحقوق ومشاركة العاملين في القرارات التقنية، لا بعدد الوظائف التي يلغيها أو يستحدثها وحده.
كما أن قدرة الذكاء الاصطناعي على توفير الوقت لا تعني تحوله تلقائيًا إلى وقت حر للمجتمع؛ فقد تظهر مكاسب الإنتاجية في صورة أرباح أعلى أو تقليل للعمالة. ولذلك يتطلب تحرير الوقت إعادة توزيع هذه المكاسب، وخفض ساعات العمل من دون خفض الأجور، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وضمان التدريب والمشاركة العمالية.
ويستطيع الذكاء الاصطناعي تطوير أدوات التخطيط من خلال تحليل المعلومات وتقدير الحاجات ومقارنة البدائل وتنسيق الموارد، لكنه لا يستطيع تحديد الأولويات الاجتماعية بذاته. فالاختيار بين زيادة الإنتاج وتقليص العمل، أو بين خفض الكلفة وحماية البيئة، يظل قرارًا اجتماعيًا وسياسيًا. ومن ثم، ينبغي أن تبقى الخوارزميات أدوات للمعلومات والتنسيق، لا بدائل عن القرار الديمقراطي.
ولا تكتمل الملكية الاجتماعية للموارد الرقمية بمجرد انتقالها إلى الدولة؛ فقد تتحول الملكية العامة، إذا انفصلت إدارتها عن المجتمع، إلى قاعدة لبيروقراطية تحتكر البيانات والخبرة والقرار. ولذلك ينبغي أن تقترن بالمشاركة الديمقراطية والشفافية والمساءلة وحماية الخصوصية، وبحق الأفراد في معرفة القرارات الخوارزمية المؤثرة فيهم والاعتراض عليها ومراجعتها بشريًا.
وتبيّن الدراسة أن الذكاء الاصطناعي لا يقود حتمًا إلى تجاوز الرأسمالية، كما لا يقتصر على إعادة إنتاجها في صورة ثابتة. فهو يوسع القدرة الاجتماعية على إنتاج الثروة والمعرفة بوقت عمل أقل، لكنه يفعل ذلك داخل علاقات قد تحوّل هذه القدرة إلى مصدر جديد للربح والاحتكار والسيطرة. ويتوقف الاتجاه الغالب على الصراعات الاجتماعية والمؤسسات السياسية وأشكال الملكية والتنظيم التي تحكم استخدام التكنولوجيا.
وهكذا لا يكمن السؤال الحاسم في مقدار ما تستطيع الخوارزميات إنجازه فحسب، بل في مَن يمتلك البيانات والبنية الحاسوبية، ومَن يحدد أهداف الأنظمة، ومَن يتحمل مخاطرها، وكيف توزَّع الثروة والوقت الناتجان من استخدامها. وفي الإجابة العملية عن هذه الأسئلة يتحدد ما إذا كان الانتقال من الآلة إلى الخوارزمية سيوسع مجال الحرية الإنسانية، أم سيمنح منطق التراكم والاحتكار والسيطرة أدوات أكثر تطورًا.
الهوامش
(1) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، الأيديولوجيا الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب (بيروت: دار الفارابي، 2016)، ص 32–34.
(2) المرجع نفسه، ص 34–48.
(3) كارل ماركس، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، ترجمة راشد البراوي (دار النهضة العربية، 1969)، المقدمة، ص 2–3.
(4) كارل ماركس وفريدريك إنجلز، البيان الشيوعي، ترجمة العفيف الأخضر (بيروت/ بغداد: منشورات الجمل، 2015)، ص 63.
(5) فريدريك إنجلز، حالة الطبقة العاملة في إنجلترا، ترجمة فخري لبيب (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1980)، انظر المقدمة وفصول «البروليتاريا الصناعية» و«المدن الكبرى» و«فروع الصناعة المختلفة».
(6) المرجع نفسه، ص 163.
(7) كارل ماركس، رأس المال: نقد الاقتصاد السياسي، ترجمة فالح عبد الجبار، مج 1، الجزء الرابع، فصل «الآلات والصناعة الكبرى» (بيروت: دار الفارابي، [د.ت.])، ص 465 وما بعدها.
(8) المرجع نفسه، الجزء السابع، مبحث «الإنتاج المطّرد لفيض السكان النسبي، أو الجيش الصناعي الاحتياطي»، ص 773 وما بعدها.
(9) Karl Marx, Grundrisse: Foundations of the Critique of Political Economy, Martin Nicolaus (trans.) (London: Penguin Books, 1973), pp. 704–706, especially p. 706. الترجمة العربية للباحث.
(10) OECD, A Blueprint for Building National Compute Capacity for Artificial Intelligence, OECD Digital Economy Papers, no. 350 (Paris: OECD Publishing, 2023), pp. 12, 19–20, https://doi.org/10.1787/876367e3-en
(11) Marx, Grundrisse, pp. 704–712.
(12) United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), Digital Economy Report 2021: Cross-border Data Flows and Development—For Whom the Data Flow? (Geneva: United Nations, 2021), p. 149.
(13) منظمة العمل الدولية، «مواكبة التحول الرقمي وثورة الذكاء الاصطناعي في أسواق العمل العربية: الاتجاهات والتحديات والفرص»، ملخص تنفيذي، 22 أيلول/سبتمبر 2025، النسخة العربية الإلكترونية.
(14) ماركس، مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي، المقدمة، ص 2–3.
(15) ماركس وإنجلز، الأيديولوجيا الألمانية، ص 27–43.
(16) ماركس، كارل. نقد برنامج غوتا. ضمن: دراسات اقتصادية مختارة (2). ترجمة فؤاد أيوب. دمشق: دار دمشق للطباعة والنشر والتوزيع، 1964. ، ص 315.
(17) المرجع نفسه، ص 315.
(18) OECD, A Blueprint for Building National Compute Capacity for Artificial Intelligence, pp. 12, 19–20.
(19) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، تقرير الاقتصاد الرقمي 2021: تدفقات البيانات عبر الحدود والتنمية — لمن تتدفق البيانات؟: استعراض عام (جنيف: الأمم المتحدة، 2021)، ص 2–4، النسخة العربية الإلكترونية.
(20) OECD, A Blueprint for Building National Compute Capacity for Artificial Intelligence, OECD Digital Economy Papers, no. 350 (Paris: OECD Publishing, 2023), pp. 5–6.
(21) ماركس، رأس المال، مج 1، فصل «الآلات والصناعة الكبرى»، ص 465 وما بعدها.
(22) Marx, Grundrisse, pp. 704–712. الترجمة العربية للباحث.
(23) منظمة العمل الدولية، «مواكبة التحول الرقمي وثورة الذكاء الاصطناعي في أسواق العمل العربية»، مصدر سابق.
(24) ماركس، رأس المال، مج 1، «الميل التاريخي للتراكم الرأسمالي»، ص 936–940؛ فريدريك إنجلز، ضد دوهرنغ: ثورة السيد أوجين دوهرنغ في العلوم، ترجمة محمد الجندي وخيري الضامن (موسكو: دار التقدم، 1984)، ص 312–332.
(25) وكالة أنباء شينخوا، «استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي لبناء مدن ذكية في الصين»، 15 أيلول/سبتمبر 2018، النسخة العربية الإلكترونية؛ ووكالة أنباء شينخوا، «النص الكامل لتقرير عمل الحكومة الصينية»، 18 آذار/مارس 2016، النسخة العربية الإلكترونية.
(26) مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، تقرير الاقتصاد الرقمي 2021: استعراض عام، ص 2–4.
(27) منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (باريس: اليونسكو، 2021)، الفقرات 32–40 و68–69.
(28) كارل ماركس، الحرب الأهلية في فرنسا، ترجمة إلياس شاهين (موسكو: دار التقدم، [د.ت.])، ص 29–30.
(29) OECD, OECD Employment Outlook 2023: Artificial Intelligence and the Labour Market, chap. 7, “Social Dialogue and Collective Bargaining in the Age of Artificial Intelligence” (Paris: OECD Publishing, 2023), pp. 230–233, especially p. 232, https://doi.org/10.1787/08785bba-en.
(30) اليونسكو، التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، الفقرات 32–40 و68–69.
(31) ماركس، الحرب الأهلية في فرنسا، ص 29–30.
(32) اليونسكو، التوصية الخاصة بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما المبادئ المتعلقة بالخصوصية وحوكمة البيانات والشفافية وقابلية التفسير والرقابة البشرية.