مضيقان على حافة المواجهة تقف المنطقة على أعتاب مواجهتين متوازيتين الأولى في مضيق هرمز، والثانية في مضيق باب المندب مع أنصار الله. وأمام هذا المشهد المتشابك تتزاحم الأسئلة ما الذي يمكن أن تقدمه باكستان وتركيا للدفاع عن السعودية بموجب الاتفاق الذي يجمع الدول الثلاث؟ ولماذا تحرص إيران على النأي بنفسها عن حرب باب المندب؟ وأي دور لموقفَي الصين وروسيا في رسم حدود هذه المعركة؟ وفيما يلي قراءة في آخر مستجدات الجبهتين.
باب المندب: كيف اشتعلت الجبهة لم تنشأ جبهة باب المندب من فراغ. فقد انطلقت شرارتها في يوليو/تموز حين حاول أنصار الله تسيير رحلة من طهران إلى صنعاء في تحدٍّ للحصار المفروض منذ عقد، فقصف التحالف مدرج مطار صنعاء. وعلى إثر ذلك أعلن الحوثيون في العشرين من الشهر نفسه حصارًا على الموانئ والسفن السعودية في باب المندب، لتنهار هدنة صمدت منذ 2022. وفي سبتمبر/أيلول بسطت الجماعة سيطرتها على المخا ومينائها، ثم على جزيرة ميون ومواقع استراتيجية أخرى، وأحكمت قبضتها على باب المندب في الحادي عشر من الشهر بعد انسحاب القوات الحكومية. ويعبر من هذا الممر عادة نحو 12% من تجارة النفط العالمية.
وتوازى ذلك مع ضربات صاروخية ومسيّرة قالت الجماعة إنها طالت منشآت أرامكو في ينبع وهدفًا حساسًا في الرياض. وقد عطّلت الهجمات عمل خط الأنابيب شرق غرب الذي كانت المملكة تصدّر عبره نفطها متجاوزةً هرمز، فاضطرت إلى إعادة جزء من صادراتها إلى المضيق، وقفز خام برنت لفترة وجيزة فوق 108 دولارات للبرميل.
تحالف مكة: أمام اختباره الأول على وقع هذا التصعيد، اجتمع وزراء خارجية السعودية وباكستان وتركيا في نيويورك للإعداد لاجتماع عاجل لرؤساء الأركان في إطار اتفاقية مكة للدفاع المشترك الموقعة في السابع من أغسطس/آب، والتي تعدّ أي هجوم على إحدى الدول الثلاث هجومًا عليها جميعًا. وقد انعقد الاجتماع في الرياض، وأشاد وزير الدفاع السعودي بمخرجاته. وتذهب قراءات إلى أن العمليات البرية ستكون العامل الحاسم، وأن مساهمة باكستان قد تتمثل في قوات تتلاحم مع القوات السعودية لمحاصرة مواقع أنصار الله من جهة شمال اليمن. ولإسلام آباد رصيد في هذا المجال، إذ تتمركز قواتها في المملكة منذ سبعينيات القرن الماضي، ووصلت في أبريل/نيسان قوة باكستانية تضم طائرات مقاتلة إلى قاعدة الملك عبد العزيز الجوية. غير أنها أعلنت في العاشر من سبتمبر أنها لا تدرس ردًا عسكريًا فوريًا، وجاءت روايتها لاجتماع نيويورك متحفظة، مكتفيةً بالحديث عن استكمال الهياكل المؤسسية للاتفاقية.
أما داخل اليمن، فقد دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في خطابه بذكرى ثورة 26 سبتمبر، إلى التعبئة العامة والنفير الوطني. ووعد بالعفو عن المنشقين عن الجماعة، فيما تتواصل المعارك من تعز ومأرب إلى الحديدة وحضرموت. وإذا كانت الخطة ترمي إلى إحكام طوق بري على أنصار الله من الشمال والشرق والجنوب، فإن تقديرات تنقلها شبكة CNN ترجّح أن نجاحها مرهون بزجّ قوات برية إضافية وبموقف أمريكي حازم، وكلا الأمرين غير متوقع في المدى القريب. أما تركيا، فتمتلك في الصومال قاعدة تركسوم العسكرية، ما يرجّح أن تتركز مساهمتها في الإسناد الجوي والتقني. وقد أكد وزير خارجيتها هاكان فيدان التزام بلاده بتعهدات التحالف، مشيرًا إلى استعدادها لتلبية احتياجات سعودية في مجالات تقنية محددة.
أنصار الله وطهران: حسابات حصر المواجهة في المقابل، توعّد القيادي أنصار الله محمد البخيتي باكستان وتركيا بـ قبضة حديدية إن دخلتا الحرب، غير أن أولوية الجماعة تبقى منع دخول لاعبين آخرين على خط المعركة. ففي العاشر من سبتمبر، يوم سيطرتها على المخا، وجّهت رسالة إلى الجهاز الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي تتعهد فيها بعدم استهداف السفن الأوروبية وعدم المساس بحرية الملاحة في باب المندب. وقدّمت تطمينات مماثلة لواشنطن عبر محادثات سهّلتها سلطنة عُمان. وقد قال ترامب إن أنصار الله اتصلوا بإدارته مؤكدين أنهم لا يريدون مواجهة الولايات المتحدة، ورفض بحسب التقارير طلبات سعودية بضربهم مكتفيًا بإرسال مستشارين.
ومن هذه الزاوية يُقرأ الموقف الإيراني. فطهران تنفي انخراطها في هذا الصراع، وقال الرئيس مسعود بزشكيان إن أنصار الله يتحملون مسؤولية أفعالهم ولا يتلقون توجيهات من بلاده. ويكتسب هذا النأي دلالته في ضوء موقفَي بكين وموسكو. إذ أفادت رويترز، نقلًا عن مصادر إيرانية، بأن الصين طلبت سرًا من طهران كبح أنصار الله إثر مناشدة سعودية، وأكدت خارجيتها أنها لا تريد امتداد التوتر إلى اليمن والبحر الأحمر. فيما رأى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن هجمات أنصار الله على المملكة تأتي بنتائج عكسية وتضر بالاقتصاد العالمي. ومع ذلك، تضمّن العرض الإيراني الأخير لواشنطن وقفًا أوسع لإطلاق النار يشمل لبنان واليمن، ما يجعل الفصل بين الملفات انتقائيًا لا مطلقًا.
بيد أن استهداف السعودية يطال عمليًا ميناء ينبع، المرتبط بخط أنابيب شرق غرب الذي تصل طاقته إلى سبعة ملايين برميل يوميًا، في حين يمثل البحر الأحمر شريانًا لإمدادات الطاقة الخليجية نحو أوروبا. لذلك أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إرسال جنود وأنظمة رادار ودفاع لحماية الموقع، مؤكدًا أن الغاية ليست الانخراط في أي صراع. كما يشغّل عسكريون يونانيون منذ 2021 بطارية باتريوت في المملكة، أسقطت مؤخرًا صاروخًا باليستيًا ومسيّرة في محيط ينبع.
هرمز: من معركة المضيق إلى الملف النووي في خضمّ هذه التطورات، حثّت الرياض وأبو ظبي واشنطن على الإبقاء على العقوبات والحصار البحري المفروضين على إيران. وأبلغ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مسؤولين أمريكيين أن الحصار يجب أن يستمر حتى تُرغَم طهران على اتفاق جديد، فيما شدد مسؤولون إماراتيون على رفض أي سيطرة إيرانية دائمة على المضيق. وجاء ذلك بينما قدّمت طهران عبر الوسيط القطري خطة من سبعة أيام تقضي برفع الحصار، والإفراج عن نحو 12 مليار دولار من أصولها المجمدة، وتخفيف العقوبات النفطية، مقابل إعادة فتح المضيق واستئناف المحادثات النووية.
لكن ترامب رفض العرض واصفًا إياه بأنه غير مقبول. ونقلت وول ستريت جورنال عن مسؤولين أمريكيين أنه أبلغ مساعديه بأن استئناف القصف بعد انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر بات مرجحًا، وإن أشاروا إلى أن موقفه قد يتبدل. ويبقى الركون إلى تصريحات ترامب مجازفة. فمذكرة التفاهم التي وقّعها ترامب وبزشكيان في 17 يونيو/حزيران لم تصمد، إذ أعادت واشنطن فرض حصارها البحري مطلع أغسطس/آب بعد تجدد الهجمات الإيرانية على السفن. وقد أعلن بزشكيان أن بلاده لم تعد تثق بالتفاوض مع واشنطن بعدما تعرضت لهجمات في أثناء جولات تفاوض سابقة. والواضح أن فتح هرمز لم يعد أولوية ملحّة لدى ترامب. فهو يؤكد أن بلاده تمسك بزمام المضيق وأن الناقلات تعبره، كما أن تسيير الناقلات بقيادة أمريكية رغم التهديدات الإيرانية خفّف من إلحاح التوصل إلى اتفاق لدى واشنطن. لكن حركة الشحن التجاري ما زالت أدنى بنحو 75% من مستويات ما قبل الحرب.
وبالتوازي، جرى الاعتماد على ممرات بديلة. أولها خط شرق غرب نحو ينبع، الذي بات بدوره هدفًا لمسيّرات أنصار الله. وثانيها قوافل صهاريج تنقل النفط العراقي عبر سوريا إلى ميناء بانياس. إلى جانب دعم أمريكي لإحياء خط كركوك بانياس الذي قد يستغرق تأهيله نحو ثلاث سنوات. وبذلك عاد التركيز إلى الهدف الذي طالما كرره ترامب منع إيران من امتلاك سلاح نووي. وقد تضمنت المطالب الأمريكية في مفاوضات إسلام آباد تسليم نحو 440 كيلوغرامًا من اليورانيوم عالي التخصيب وتفكيك منشآت التخصيب، في وقت تطالب فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بمعلومات كاملة عن هذه المخزونات وبالسماح لمفتشيها بالتحقق منها.
غير أن للانتظار كلفته السياسية أيضًا. فقد أظهر استطلاع لشبكة NBC أن 69% من المستطلَعين لا يوافقون على إدارة ترامب للحرب مع إيران، فيما بلغ متوسط سعر غالون البنزين 4.49 دولار. ويرى محللون أن الوقت سلاح ذو حدين، وأن إطالة أمد الصراع تبقى السيناريو الأرجح ما دام كل طرف مقتنعًا بأن الانتظار سيحسّن شروطه. وهكذا ترتسم ملامح مشهد إقليمي بالغ التعقيد. ففي باب المندب جبهة يسعى أنصار الله إلى حصرها في مواجهة مع السعودية، بينما تتسع دائرة الداعمين للرياض من إسلام آباد وأنقرة إلى باريس وأثينا. وفي هرمز جبهة تجاوزت فيها الحسابات الأمريكية فتح المضيق إلى هدف أبعد يتصل بالبرنامج النووي الإيراني. وبين الجبهتين، قد يكون يوم الانتخابات الأمريكية في نوفمبر المحطة التي تحدد اتجاه الرياح في المنطقة.