معالي الوزير،

نرحب بكم في موقع المسؤولية، ونشد على ايديكم في مهمتكم الجديدة. انها مهمة ثقيلة، بل هي من اخطر وادق المواقع في الدولة، لانها تتصل مباشرة بمستقبل العقول، ومصداقية العلم، وكرامة الاساتذة، وحق الطلبة في تعليم رصين.

نكتب اليكم ونحن ندرك ان الوزارة ليست بحاجة الى وعود جديدة بقدر حاجتها الى خطوات عملية، والى ارادة صلبة، والى قرارات تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وتوقف النزيف الذي اصاب التعليم العالي والبحث العلمي في العراق.

معالي الوزير،

ان المرحلة السابقة تركت جراحا عميقة، ولا يجوز ان نطوي صفحتها دون ان نتعلم منها. لقد شهدنا تجاهلا صارخا لكرامة التدريسيين، وتدخلا في نتائج الامتحانات ورفع درجات الطلبة الفاشلين، وتعيينات ولائية جعلت من منصب العميد ورئيس الجامعة مكافاة سياسية لا استحقاقا علميا. وشهدنا فرض اتاوات على الطلبة، وتحويل الوزارة الى جهاز رقابي بوليسي يراقب ويعاقب بدل ان يطور ويحفز. كما شهدنا توسعا هائلا وغير منضبط للتعليم الاهلي، وفسادا في الجامعات الاهلية، واهمالا كاملا لحقوق الهيئة التدريسية واحتياجاتها، وغيابا شبه تام لبرامج التدريب والتطوير المستمر.

والاخطر من ذلك كله، ذلك الارتفاع الكبير في النشر الزائف، ودكاكين النشر، ومصانع الاوراق، التي تغلغلت في المؤسسات، حتى اصبح بعض المسؤولين الكبار في الوزارة والجامعات جزءا من هذه الممارسات. لقد صار البحث العلمي في كثير من الحالات اما مسروقا، او مقتبسا بشكل غير امين، او مزورا، او من انتاج تجاري لا علاقة له بالعلم. وبلغ الامر ان بعض الباحثين ينشرون بمعدل 100 بحث سنويا، مع تزايد عمليات سحب الاوراق من المجلات العلمية، وانعدام التاثير العالمي والمجتمعي، وغياب اي دعم مالي مباشر للبحث العلمي، حتى تحمل الباحثون تكاليفه بانفسهم.

هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل هي جوهر الازمة. ومن هنا، فان مهمتكم ليست مجرد ادارة روتينية، بل هي اصلاح شامل اذا اردتم انقاذ مصداقية البحث العلمي ومستقبل التعليم العالي في العراق.

معالي الوزير،

نضع بين ايديكم بعض المحاور التي نراها ضرورية لبدء اصلاح حقيقي:

  1. الاصلاح الاداري والتحول الرقمي:

انهاء الاداء الورقي، والاتمته الشاملة للمعاملات، والقبول المركزي، والخدمات الطلابية، وماكنة التعيينات والتنقلات والترقيات، لضمان الشفافية والعدالة والحد من التدخلات البشرية والروتين القاتل.

  1. تطوير المناهج وربطها بسوق العمل:

اعادة النظر المستمرة في البرامج الدراسية، وتطبيق معايير عالمية مثل نظام بولونيا، وتفعيل المنصات الذكية، والتقليل من التكدس في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل.

  1. استقلالية الجامعات ودعم البحث العلمي:

منح الجامعات الرصينة مرونة ادارية ومالية واكاديمية وفق مبدا اللامركزية، وربط البحوث بازمات الدولة الحقيقية مثل شحة المياه، الطاقة، التغير المناخي، التنمية المستدامة، التلوث، الصحة العامة بدلا من البحوث النظرية البحتة، مع تخصيص ميزانيات كافية للابتكار وبراءات الاختراع.

  1. الجودة والاعتماد الأكاديمي الدولي:

التسريع في حصول الكليات والجامعات على الاعتماد المؤسسي والبرامجي، وتشجيع النشر في المجلات المتميزة والرائدة، مع محاسبة من يلوث المشهد العلمي بالنشر الزائف.

  1. اصلاح التعليم الاهلي والموازي:

فرض رقابة صارمة على الجامعات والكليات الاهلية، ومنع التوسع العشوائي، ومراجعة او الغاء اجور التعليم الموازي والمسائي، وضمان العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والجودة الأكاديمية. والمطلب الملح هو جعل الجامعات والكليات الاهلية غير ربحية، لا ان تتحول الى تجارة تعليمية.

  1. الدبلوماسية الأكاديمية والابتعاث:

توجيه البعثات نحو التخصصات المهمة والنادرة والدقيقة وفي جامعات الدول المتطورة: الطب والصحة المجتمعية، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، الطاقات المتجددة، مع الاستفادة القصوى من العائدين، وتطوير العلاقات مع جامعات الدول المتقدمة وبرامج التوامة.

  1. انصاف الهيئة التدريسية:

لا اصلاح بلا اساتذة مكرمين، وحقوق مصونة، وبرامج تدريب وتطوير مستمرة. ان اهمال التدريسيين كان ولا يزال احد اخطر اسباب تدهور التعليم.

  1. مكافحة الفساد والنشر الزائف:

فتح ملف دكاكين النشر ومصانع الاوراق، ومحاسبة المتورطين، ووضع ضوابط صارمة للنشر العلمي، واعادة الاعتبار للبحث الجاد والنزيه.

  1. تخصيص ميزانية مستقلة ومحمية للبحث العلمي:

لا بحث علمي حقيقي بدون تمويل كاف ومستقر. لذلك نطالب بتخصيص ميزانية مستقلة للبحث العلمي، تدار عبر صندوق وطني او هيئة مستقلة، وتحدد لها نسبة ثابتة من موازنة الوزارة او موازنة الدولة، بحيث لا تبقى البحوث رهينة المزاج الاداري او التقشف العشوائي. ويجب ان توجه هذه الميزانية الى:

  • تمويل المشاريع البحثية التنافسية وفق معايير الجودة والاثر.
  • دعم الباحثين، وخاصة الشباب منهم، وتغطية تكاليف بحوثهم بدل تحميلهم اياها شخصيا.
  • دعم المجلات العلمية العراقية الرصينة، وبراءات الاختراع، والابتكار، ونقل المعرفة.
  • ربط التمويل بحل مشكلات البلد الحقيقية: المياه، الطاقة، المناخ، الصحة، التعليم، والتنمية المستدامة.
  • محاسبة من يحول البحث العلمي الى دكاكين ومصانع اوراق على حساب المال العام.
  1. تشريع تعليمات وقوانين جديدة للترقية العلمية:

لا يجوز ان تبقى الترقية العلمية رهينة عدد البحوث او العلاقات او المحاصصة. نطالب بتشريع تعليمات وقوانين جديدة للترقية تقوم على تقييم شامل وعادل، يشمل:

  • الجهود التعليمية والتربوية للتدريسي، لا مجرد ارقام النشر.
  • الاشراف على طلبة الدراسات العليا، والمناقشات، واللجان العلمية.
  • النشاطات التي تخدم المجتمع، وتقدم حلولا عملية لمشكلاته.
  • البحوث الاصيلة ذات الاثر العلمي والمجتمعي، وبراءات الاختراع، ونقل المعرفة.
  • وضع ضوابط صارمة لمحاسبة النشر الزائف، وسحب الترقيات او الامتيازات ممن ثبت تورطه فيه.
  • تشكيل لجان ترقية رصينة ومستقلة، تعلن معاييرها وقراراتها بشفافية.
  1. اعادة النظر في اساليب القبول للجامعات والدراسات العليا وشروط الحصول على الشهادات:

ان اصلاح التعليم يبدا من باب القبول، ولا يمكن ان ننتظر مخرجات رصينة ونحن نتسامح في المدخلات. لذلك نطالب بـ:

  • اعادة النظر في اساليب القبول للجامعات، واعتماد معايير موضوعية وشفافة، وامتحانات ومقابلات تكشف الكفاءة الحقيقية، لا مجرد درجات الاعدادية.
  • اصلاح نظام القبول في الدراسات العليا، وربطه بخطة بحث واضحة، واختبار علمي رصين، ومقابلة جادة، لا بمزاج الادارات او الضغوط.
  • وضع شروط صارمة للحصول على الشهادات: اصالة الرسالة او الاطروحة، اشراف علمي حقيقي، امتحان شامل، لجان مناقشة رصينة، ومنع التلاعب او الشراء او الاستنساخ، ومهرجانات الامتحان.
  • مراجعة المناهج ومسارات الدراسة لتكون متوافقة مع حاجة سوق العمل ومتطلبات التنمية.
  1. ضبط معادلة الشهادات ومنع استيراد الشهادات غير الرصينة:

من اخطر ما يهدد مصداقية التعليم العالي انتشار الشهادات غير الرصينة والوهمية، وبخاصة تلك التي تستورد من بعض دول الجوار دون دراسة حقيقية او تقييم علمي رصين. لذلك نطالب بـ:

  • انشاء لجنة مركزية لمعادلة الشهادات، تعتمد على تصنيفات جامعية معتمدة، وتتحقق من مدة الدراسة، والمناهج، والاقامة، والبحوث، واللغة.
  • اخضاع حاملي الشهادات من الجامعات الضعيفة لاختبارات علمية ومهنية قبل المعادلة او التعيين او الترقية.
  • منع معادلة الشهادات الفورية او الممنوحة من جامعات غير معترف بها، او التي لا تستند الى دراسة حقيقية وتقييم رصين.
  • حماية سوق العمل الأكاديمي من الشهادات الوهمية التي تسرق حقوق الكفاءات وتشوه سمعة التعليم العراقي.

معالي الوزير:

لا بحث علمي بلا تمويل، ولا ترقية علمية بلا معايير عادلة، ولا شهادة بلا دراسة حقيقية، ولا جامعة بلا هيبة. ونأمل منكم ان يتم التعامل مع هذه المطالب بجدية، وان تجعل من مكافحة النشر الزائف والشهادات الوهمية والقبول غير العادل معركة مفتوحة، حتى لا يبقى الاصلاح شعارا، بل يتحول الى واقع ملموس يحفظ كرامة العلم واهله، ومستقبل العراق وابنائه.

معالي الوزير،

نرحب بكم، ونتمنى لكم النجاح، لكننا نريد نجاحا يلمس على الارض، لا شعارات تقال على المنابر. نريد وزارة تفتح ابوابها للكفاءات، وتغلق ابوابها امام المحاصصة والفساد، وتستمع الى الاساتذة والطلبة، لا الى الوسطاء والسماسرة. نريد اصلاحا تربويا وتعليميا شاملا، يعيد للجامعة العراقية هيبتها، وللبحث العلمي قيمته، وللتدريسي كرامته، وللطالب حقه في تعليم جيد ومتكافئ.

نامل ان يكون عهدكم عهد جديد للتعليم العالي والبحث العلمي في العراق.

محمد الربيعي