لا تولد الأزمات الاقتصادية الخانقة في فراغ، ولا تُقرأ بمعزل عن طبيعة الصراع السياسي ومصالح القوى المهيمنة فالأرقام التي تتقافز على شاشات الصيرفة ليست مؤشرات نقدية صمّاء، بل ترجمة حسابية لموازين القوة داخل الدولة. وفي المشهد العراقي تتجلى هذه الحقيقة بأوضح صورها في ملف العملة الوطنية، إذ لم تعد الفجوة بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازي اضطراباً عابراً يُردّ إلى تقلبات العرض والطلب، بل غدت آلية ممنهجة لنزيف الثروة الوطنية، تنقلها بهدوء من جيوب عامة الشعب إلى حسابات النخبة الحاكمة، عبر واجهات مصرفية ترتبط بالأحزاب ارتباط الفرع بأصله.
وتكمن جذور هذه الآلية في بنية الاقتصاد الريعي. فالدولة العراقية تتلقى إيرادات النفط بالدولار، ثم تبيعها إلى البنك المركزي لتحصل على الدينار الذي تدفع به الرواتب، فيما يعيد البنك بيعها إلى المصارف والتجار. ومعنى ذلك أن كل دولار يُباع بالسعر الرسمي ليس سوى نفط تحوّل إلى نقد، والنفط بنص المادة (111) من الدستور ملك كل الشعب العراقي. فإذا اتسعت المسافة بين السعرين، صار الوصول إلى الدولار الرسمي امتيازاً يدرّ مكسباً مضموناً بلا جهد ولا مخاطرة. ولو افترضنا فارقاً لا يتجاوز مئة وخمسين ديناراً للدولار، فإن كل مليون دولار يُشترى بالسعر الرسمي ويُباع في السوق الموازي يترك في جيب صاحبه مئة وخمسين مليون دينار، من دون إنتاج سلعة واحدة أو خلق فرصة عمل واحدة. هنا تحديداً يتحول فارق السعر من مشكلة نقدية إلى ريع سياسي، ويغدو الوصول إلى نافذة الدولار غنيمة يتزاحم عليها المتنفذون.
ومن هذا الباب ظل مزاد العملة طويلاً أشبه بصنبور مفتوح على الخارج تتقدم إليه مصارف وشركات بفواتير استيراد متضخمة أو وهمية، فتحصل على الدولار بالسعر الرسمي، ثم يغادر البلاد بينما لا تصل البضائع، أو تصل بقيمة أدنى بكثير مما سُجّل على الورق. ولم يكن غريباً أن تتكاثر المصارف الأهلية في بلد يظل فيه الائتمان الموجّه إلى القطاع الخاص هزيلاً فالربح الأيسر كان في نافذة الدولار لا في الإقراض والتنمية. ولا يغيّر تبدّل الأدوات والمسميات شيئاً من جوهر المعادلة ما دام الفارق قائماً. أما الأرباح فلا تتبخر، بل تستقر في أرصدة بعينها، ويعود بعضها إلى الداخل في هيئة نفوذ حملات انتخابية، وفضائيات، وشبكات ولاء، وماكينات حزبية لا تهدأ. وهكذا تكتمل الحلقة المغلقة المال يشتري السلطة، والسلطة تحمي المال، والمواطن الواقف خارج الدائرة يدفع ثمن الدورة كلها.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا تعجز أجهزة الرقابة عن إغلاق هذا الصنبور، والقوانين قائمة والأدوات متاحة؟ هنا يبرز مصطلح الحصانة الإثنية الفاسدة بوصفه أخطر جدار حماية تلوذ به شبكات المصالح. فبموجب العُرف التوافقي القائم على المحاصصة الطائفية والقومية، لا يُنظر إلى المصرف المشبوه باعتباره مؤسسة تجارية خالفت القانون، بل حصةً لمكوّن في معادلة الحكم. ولذلك ما إن يُتخذ بحقه إجراء رقابي أو قانوني حتى تُرفع شعارات استهداف المكوّن والإخلال بالتوازن السياسي فزّاعةً لإحباط أي محاولة للمحاسبة، فينقلب السؤال من هل خالف هذا المصرف القانون؟ إلى لماذا مصرفنا نحن دون مصارفهم؟ وبهذا القلب الماكر تُجهَض المساءلة قبل أن تبدأ، ويُمنح حيتان المال حصانة مطلقة تضعهم فوق القانون.
واللافت أن هذا العرف غير المكتوب بات يعلو على الدستور المكتوب نفسه فالمادة (14) منه تقرر أن العراقيين متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب القومية أو الدين أو المذهب، في حين تفرض المحاصصة منطقاً معاكساً، يصبح فيه الانتماء الإثني والمذهبي طريقاً للإفلات من القانون لا ضمانة للمساواة أمامه. بل إن المحاسبة نفسها خضعت للمحاصصة فإما أن توزَّع الملاحقات بالتساوي بين المكونات حفاظاً على التوازن، وهو ما يتعذر عملياً، وإما ألا يُلاحَق أحد، وهو ما يحدث غالباً. وينشأ عن ذلك ردع متبادل بين القوى المتشاركة في الحكم فلكل طرف ملفاته على الآخر، وكل تحرك ضد مصرف لهذه الجهة يستدعي رداً على مصرف لتلك، فيستقر الجميع على ميثاق صمت غير معلن، ويتحول التوافق السياسي إلى ما يشبه الكارتل تقاسمٌ للريع، والتزامٌ بألا يُفسد أحد اللعبة على أحد.
ولا تكمن خطورة هذه الحصانة في أنها تحمي الفاسدين فحسب، بل في أنها تتغذى على مخاوف حقيقية فذاكرة التهميش والإقصاء ما تزال حية لدى مكونات عراقية عديدة، والعدالة الانتقائية ليست وهماً في بلد عرف مراراً توظيف القضاء والرقابة في تصفية الخصوم. ومن هذه المخاوف المشروعة تصنع النخب درعها غير المشروع، إذ تُستنفَر الجماهير للدفاع عن مصرف لم تنل منه شيئاً، وعن رموز تغترف من قوتها، باسم الهوية والكرامة الجمعية. وبذلك يغدو المنهوب حارساً لناهبه، ويقف من يدفع الثمن في الصف الأول دفاعاً عمّن يقبضه.
وتحت هذه المظلة ينمو التداخل العضوي بين صانع القرار السياسي والشريك التجاري في المصارف الأهلية، وهو ما يفسر العجز المتعمد عن ضبط الأسواق. فحين يكون الرقيب شريكاً للمراقَب، أو وكيلاً عنه، أو مديناً له بمقعده، تفقد الرقابة معناها، وتتحول الإجراءات الحكومية إلى إدارة للأزمة لا حلٍّ لها. والطبقة التي يُفترض بها حماية العملة الوطنية هي ذاتها المستفيدة من فوضى المضاربات وفارق السعرين لتمويل ماكيناتها السياسية، ومن مصلحتها أن تبقى الفجوة مفتوحة لا أن تُردم؛ فاستقرار العملة يعني جفاف المنبع الذي تتغذى منه، ولا أحد يردم بئره بيده.
ولا يعني ذلك أن الفجوة صنيعة الفساد وحده؛ فثمة عوامل بنيوية لا يصح إغفالها، من الاعتماد شبه الكلي على النفط، إلى ضعف الثقة بالجهاز المصرفي وهيمنة التعامل النقدي، إلى قيود الامتثال الدولية على حركة الدولار، والطلب عليه لتمويل تجارة تعبر الحدود بعيداً عن القنوات الرسمية. لكن الفارق بين دولة تعالج أزمتها ودولة تتعيّش عليها هو بالضبط ما تصنعه الحصانة الإثنية فهي التي تحوّل الهشاشة البنيوية إلى فرصة استثمارية، والأزمة العابرة إلى ريع دائم.
ومن المفارقات المرّة أن أشد الإجراءات صرامة بحق المصارف المشبوهة جاءت بضغط من الخارج لا بمبادرة من الداخل إذ شدد الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ أواخر عام 2022 رقابته على التحويلات بالدولار، ثم حُرم عدد كبير من المصارف العراقية من التعامل بالعملة الخضراء إثر قرارات أمريكية. وفي هذه المفارقة دليل بليغ على أن العطب سياسي قبل أن يكون فنياً فالدولة التي تعجز عن محاسبة مصرف داخل حدودها، ثم تقبل أن يحاسبه غيرها، تعترف ضمناً بأن سيادتها القانونية رهينة توازنات المكونات. وحتى بعد العقوبة، ظل السؤال الأهم معلقاً من يملك هذه المصارف فعلاً، ومن وفّر لها الغطاء طوال تلك السنين؟
وفي المحصلة، تقع الكلفة الأكبر لهذه الحصانة الفاسدة على عاتق المواطن البسيط. فالعراق يستورد قسماً كبيراً من غذائه ودوائه ومعظم سلعه الاستهلاكية، والتاجر يسعّر بضاعته في الغالب على أساس دولار السوق لا دولار البنك المركزي، ما يعني أن الدعم الكامن في السعر الرسمي يتبخر في الطريق قبل أن يبلغ رفوف المحال. وعلى هذا النحو يتقاضى الموظف راتبه بالدينار ويشتري حاجاته بسعر الدولار الموازي، في حين يشتري المتنفذ الدولار بالسعر الرسمي ويبيعه بالموازي. إنها إعادة توزيع مقلوبة للثروة، يموّل فيها الفقير ثراء الغني، ويغدو فيها التضخم ضريبة خفية لا تحتاج إلى قانون يقرّه البرلمان. أما المواطن فيرى قوته اليومي يتآكل شهراً بعد شهر، ليكون الضحية المباشرة لمنظومة شرعنت الفساد بغطاء الهوية، من دون أن يعرف على وجه الدقة من مدّ يده إلى جيبه.
إن تفكيك هذه المعادلة لا يبدأ من شاشات الصيرفة، بل من فصل المال عن السلطة بإلزام المصارف بالكشف عن مالكيها المستفيدين الحقيقيين، ومنع الجمع بين المنصب العام والمصلحة المصرفية، وتحصين البنك المركزي والقضاء من الإملاءات الحزبية، وإخضاع الجميع لقاعدة قانونية واحدة لا تعرف المكونات.
على أن الشرط الأعمق يبقى في وعي الناس أنفسهم فما لم يدرك المواطن أن الهوية التي تُستدعى لحماية مصرف مشبوه لا تحميه هو، بل تحمي من ينهبه، ستبقى الحصانة قائمة وإن تبدلت الوجوه. فالفساد لا مذهب له ولا قومية، والجوع لا يسأل الجائع عن انتمائه، والعملة التي تُنهب باسم المكوّن إنما تُنهب من جيوب أبنائه أولاً. وحين يُنزع عن الفساد قناعه الهوياتي ويُسمّى باسمه المجرد، نهباً للمال العام لا دفاعاً عن مكوّن، عندها فقط تبدأ الدولة باستعادة عملتها، ويبدأ المواطن باستعادة قوته.
جاكوب شامايا