آفاق التدوين الكردي وسياق الموسوعة التاريخية
على تخوم جبال كردستان الشامخة، حيث تتشابك صياصي الصخر بدموع التماثيل الحجرية وصهيل الخيول، لم يكن القلم أقل شأناً من البندقية؛ فمنذ بدايات القرن التاسع عشر، أدرك قادة الكرد وفرسانهم أن السيف قد يُغمد، لكن الكلمة هي الباقية لتخلد المأساة والبطولة. ومع تعاقب العقود واحتدام الثورات، تحولت شهادات الأمراء والمصلحين من مجرد صرخات استغاثة وبحث عن هوية إلى أرشيفات دم ووثائق سرية؛ غير أن الصفة المهيمنة على الغالبية العظمى من تلك الأدبيات كانت الانتماء القومي أو الحزبي الضيق، فضلاً عن وجود تناقضات واسعة نتيجة الصراعات البينية، ابتداءً من كتابات شخصيات بارزة مثل د. عبد الرحمن قاسملو في تحليله للحركة الكردية، وصولاً إلى مذكرات سعت لشخصنة القضايا الوطنية وإضفاء طابع ذاتي عليها.
وفي مقابل هذا الركام من الأدبيات المتناقضة، يأتي الطوفان الأكبر للذاكرة ليجد ذروته التوثيقية والدرامية في موسوعة "بارزاني والحركة التحررية الكردية" للزعيم والسياسي مسعود مصطفى بارزاني؛ حيث سُجلت الشهادة هنا من أعلى هرم القرار ومسرح المعركة لتشكل واحدة من أثمن المراجع التاريخية والأرشيفية التي تؤرخ للقضية الكردية في العراق والمنطقة. وتستمد الموسوعة فرادتها من شخصية المؤلف الذي يجمع بين القيادة السياسية والمعايشة الميدانية المباشرة بصفته نجل الأب الروحي الملا مصطفى بارزاني. ولم تُكتب هذه الموسوعة في ظروف أكاديمية هادئة، بل جاءت تحت وطأة ظروف سياسية وأمنية بالغة القسوة لحماية الذاكرة الوطنية من التزييف، متكئة بصورة أساسية على أرشيف شخصي ومؤسساتي ضخم يضم مئات المراسلات والوثائق والرسائل السرية المتبادلة مع ملوك ورؤساء العالم وقيادات المنطقة.
بيبليوغرافيا النضال.. قراءة في نتاجات وتدوينات القيادات الكردية
لم تكن موسوعة مسعود بارزاني نبتة منبتة عن سياقها التاريخي، بل جاءت امتداداً وتتويجاً لإرث فكري وسياسي زاخر رفدت به القيادات الكردية مكتبة النضال القومي، وإن اختلفت زوايا الرؤية والأطر الأيديولوجية بين مؤلفيها:
الدكتور عبد الرحمن قاسملو وسِفر "كردستان وإيران": يمثل كتاب السكرتير العام للحزب الديمقراطي الكردستاني في إيران أحد أهم المؤلفات الفكرية والجيوسياسية؛ حيث حلل فيه القضية الكردية من منظور يزاوج بين التحليل الماركسي والنظرية القومية، مستعرضاً صراع الكرد مع السلطة المركزية في طهران وتجربة جمهورية مهاباد قبل اغتياله.
إبراهيم أحمد والتأسيس الروائي-السياسي: استطاع المفكر والقيادي البارز إبراهيم أحمد أن يزاوج بين السياسة والأدب، لا سيما في رواياته وكتاباته التي أطّرت الوعي القومي المبكر وصورت معاناة المجتمع الكردي وصراعه مرآةً للواقع السياسي.
جلال طالباني مام جلال وأرشيف المذكرات والحوارات: على الرغم من أن الرئيس جلال طالباني لم يتفرغ لصياغة مذكرات مجلدة في كتاب واحد، إلا أن أرشيفه السياسي الحافل، وخطاباته، ومقابلاته الموثقة تُعد وثيقة مرجعية حية تفكك كواليس الحركة الكردية، وتأسيس الاتحاد الوطني، وإدارة المعارضة العراقية.
إرث الملا مصطفى بارزاني والرسائل التاريخية: رغم أن الأب الروحي للحركة الكردية لم يضع كتاباً أكاديمياً، إلا أن رسائله الرسمية الصارمة للملوك والرؤساء من الكرملين إلى البيت الأبيض وبغداد، ومذكراته الميدانية، شكلت المادة الخام الأولى التي ارتكزت عليها السبيكة التاريخية لكتابات نجله مسعود بارزاني.
إن استعراض هذا الشريط التدويني يظهر جلياً كيف كانت كتابات القادة الكرد تعكس -رغم تباينها وتناقضاتها الحزبية- إصراراً جمعياً على تحويل الفعل العسكري والسياسي إلى مادة تاريخية توثق رحلة البحث عن الذات والمصير.
محطات الموسوعة.. تفصيل الأجزاء من الجذور إلى العراق الجديد
الجزء الأول: الجذور وبواكير النضال من بارزان إلى مهاباد 1931 - 1961 يستعرض هذا الجزء مرحلة التأسيس الأولى وما رافقها من محطات مفصلية شكلت الوعي القومي والسياسي للكرد، بدءاً من ثورات منطقة بارزان الأولى بقيادة الشيخ أحمد بارزاني، وصولاً إلى التجربة التاريخية الشامخة المتمثلة في تأسيس جمهورية مهاباد الفتية في إيران عام 1946 والتي لعب فيها الملا مصطفى بارزاني دور القائد العسكري. يوثق النص بدقة عالية تفاصيل انهيار هذه الجمهورية وما تلاها من مسيرة العودة الملحمية الخالدة للملا مصطفى بارزاني ورفاقه عبر حدود ثلاث دول عام 1947 في ظروف مناخية وعسكرية قاسية. بالتوازي مع ذلك، يضيء هذا الجزء على تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني في السادس عشر من آب 1946، متتبعاَ العودة التاريخية للبارزاني الخالد إلى العراق بعد ثورة الرابع عشر من تموز 1958 والترحيب الأولي للزعيم عبد الكريم قاسم به، قبل أن تتلبد الأجواء السياسية وينفرط عقد التحالف نتيجة التنصل من التعهدات الدستورية ومنح الحقوق القومية، مما فتح الباب أمام بدايات المواجهة العسكرية.
الجزء الثاني: انطلاقة ثورة أيلول الكبرى واتفاقية آذار 1961 - 1975 يتناول هذا الجزء حقبة متفجرة بالغة الحساسية والتوثيق الميداني والسياسي، حيث يسرد بدقة تفجر ثورة أيلول الكبرى عام 1961 بقيادة الملا مصطفى بارزاني وكيف استطاعت تحويل جبال كردستان إلى حصن صمود واستنزاف أمام القوات الحكومية المتعاقبة. وينتقل النص ليوثق كواليس اتفاقية الحادي عشر من آذار 1970 التاريخية بين قيادة الثورة الكردية وحكومة حزب البعث، والتي شكلت أول اعتراف رسمي ومكتوب بالحقوق الثقافية والإدارية وإقرار الحكم الذاتي ومجلس تشريعي خاص بكردستان. غير أن ذروة القوة التوثيقية في هذا الجزء تتبدى في كشف ملابسات انتكاسة آذار 1975 ومؤامرة "اتفاقية الجزائر المشؤومة"؛ إذ يبرز المؤلف عبر الوثائق والرسائل الرسمية كيف أدت التوازنات الإقليمية والدولية والصفقة المبرمة بين شاه إيران وحكومة بغداد برعاية أمريكية إلى قطع الدعم فجأة عن الثورة الكردية، مما أدى إلى وقف القتال القسري وما أعقبه من مآسٍ إنسانية وعمليات تهجير ونفي قسري طالت مئات الآلاف.
الجزء الثالث: مرحلة إعادة البناء وثورة كولان 1975 - 1990 يقدم هذا الجزء قراءة عميقة لمرحلة الانبعاث والنهوض من بين ركام النكسة، مفنداً الرهانات التي كانت تتوقع انتهاء الحركة الكردية بعد عام 1975. يوثق هذا الجزء تأسيس "القيادة المؤقتة" وإطلاق "ثورة كولان" في السادس والعشرين من أيار 1976 بقيادة إدريس بارزاني ومسعود بارزاني لاستئناف الكفاح المسلح وجمع شتات الثوار. كما يتطرق بشمولية عالية إلى سنوات الحرب العراقية الإيرانية وتشكيل "الجبهة الكردستانية" التي جمعت الأحزاب الكردية المعارضة، مواكبًا أبشع محطات الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الكردي والمتمثلة في جرائم الأنفال وقصف مدينة حلبجة بالسلاح الكيماوي عام 1988، وتوثيق صمود البيشمركة والهجرة المليونية الأولى نحو الحدود الدولية في ظل البطش الممنهج.
الجزء الرابع: انتفاضة 1991 وتأسيس كيان الإقليم والتحديات الداخلية 1990 - 2002 يسلط هذا الجزء الضوء على التحول الهيكلي والتاريخي في جغرافية العراق وكردستان عقب حرب الخليج الثانية، بدءاً من اندلاع انتفاضة آذار المجيدة عام 1991 وتحرير مدن كردستان، وما تبعها من صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 688 وفرض منطقة الحظر الجوي لحماية المدنيين. ويبين النص كيف انتقلت الحركة الكردية من مرحلة الثورة إلى مرحلة بناء الدولة عبر إجراء أول انتخابات ديمقراطية عام 1992 وتأسيس البرلمان وحكومة إقليم كردستان. ولا يتردد المؤلف بشجاعة وصراحة في توثيق المحطة الأكثر إيلاماً والمتمثلة في مرارة الاقتتال الداخلي والحرب الأهلية بين الأحزاب الكردية في منتصف التسعينيات، مستعرضاً الأسباب والخطوات الصعبة المعقدة التي قادت إلى ردم الفجوة وتوقيع اتفاقية واشنطن للسلام عام 1998 لإعادة ترتيب البيت الكردي.
الجزء الخامس والسادس: العراق الجديد والدستور ومرحلة الاستفتاء 2003 وما بعدها يستكمل هذا الجزء المذكرات وإسهامات الحركة الكردية في مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين في نيسان 2003، موثقاً الدور المحوري للقيادة الكردية برئاسة مسعود بارزاني في إعادة بناء الدولة العراقية وصياغة دستور عام 2005 وتثبيت النظام الفدرالي الاتحادي لأول مرة في تاريخ العراق الحديث. كما يتعمق النص في إدارة الملفات الشائكة والمعقدة مع بغداد بشأن الموازنات والنفط والمناطق المقتطعة والتحديات الأمنية الكبرى، مروراً بـ تضحيات البيشمركة في الحرب العالمية ضد تنظيم داعش الإرهابي، وصولاً إلى محطة استفتاء استقلال كردستان في أيلول 2017 وتداعياته السياسية والجيوسياسية على مستوى المنطقة.
القيمة الأكاديمية والتوثيقية للموسوعة
إن القيمة الحقيقية والمكانة الأكاديمية لهذه الموسوعة لا تتوقف عند حدود السرد الذاتي، بل تكمن في اعتمادها الصارم على المصادر الوثائقية الأولى المتمثلة في أرشيف المراسلات والبرقيات الرسمية والاتفاقيات بخط اليد، وهو ما يمنحها قوة أركيولوجية وأرشيفية لا غنى عنها لأي باحث أو مؤرخ. وعلى الرغم من أن الكتاب دخل في اشتباك وتعارض صريح مع الروايات الرسمية التي كانت تصدرها الحكومات المتعاقبة في بغداد والتي كانت تسعى لتوصيف الثورات الكردية كحركات عصيان خارجي، فقد استطاع بارزاني برهنة أن الحركة الكردية كانت تطالب دائماً بالحقوق الدستورية والشراكة الوطنية ضمن إطار الدولة العراقية. وعلى الرغم من وجود تباينات وتقاطعات نقدية مع مذكرات شخصيات وأحزاب كردية أو إقليمية أخرى حول تقييم بعض المحطات كالاقتتال الداخلي أو ظروف نكسة 1975، تظل الموسوعة المرجع الأهم والأشمل الذي يوثق الأحداث من أعلى هرم صنع القرار الكردي، معطيةً للمؤلف حقه كصانع للحدث وشاهد تاريخي أودع أسرار مرحلة كاملة بين يدي التاريخ.