في البيئات السياسية التي تحكمها التوازنات المعقدة، غالباً ما تولد الحكومات الجديدة محمّلة بوعود فضفاضة، تتصدرها شعارات محاربة الفساد والإصلاح البنيوي. وتأتي هذه الاندفاعات الخطابية في أيام التكليف الأولى أداةً تقليدية لامتصاص الغضب الشعبي وتسكين شارعٍ محتقن، شارعٍ جرّب الوعود حتى كفّ عن تصديقها. غير أن القراءة الواقعية للمشهد العراقي تكشف عن مفارقة بنيوية حتمية كيف يمكن لسلطة تنفيذية صعدت عبر بوابة التوافق والمحاصصة أن تفكك المنظومة التي أنجبتها؟ وكيف يُنتظر ممّن جاء بتوقيع الأحزاب أن يُحاسب الأحزاب التي وقّعت؟

ولفهم هذه المفارقة لا بد من العودة إلى الجذر. فالمحاصصة التي وُلدت مع مجلس الحكم عام 2003، حين وُزّعت مقاعده على مقاس الطوائف والقوميات، قُدّمت يومها ضمانةً مؤقتة لطمأنة مكونات خرجت لتوّها من عقود القمع والإقصاء. لكن المؤقت في العراق سرعان ما يغدو دائماً فقد انقلبت تلك الضمانة إلى عقد غير مكتوب ينظّم تقاسم الدولة لا تمثيل المجتمع. وصارت الوزارات تُوزَّع وفق نظام النقاط كما تُوزَّع الغنائم: لكل كتلة حصة بقدر مقاعدها، ولكل وزارة ثمن يُدفع من رصيد تلك المقاعد. وهكذا لم تعد الوزارة مؤسسة خدمية تُدار بمعايير الكفاءة، بل إقطاعية سياسية تُدار لمصلحة الحزب الذي ظفر بها على طاولة التشكيل. حتى التشريع لم يسلم من منطق المقايضة، فباتت القوانين الخلافية تُمرَّر بنظام السلة الواحدة، كي يخرج كل طرف بحصته.

وفي ظل هذه المعادلة، لا يعود الفساد انحرافاً طارئاً عن قواعد اللعبة، بل يغدو جزءاً من آلية اشتغالها. فالمكاتب الاقتصادية للأحزاب داخل الوزارات، والدرجات الخاصة التي تُدار بالوكالة لسنوات تفادياً لتصويت قد يُخلّ بالتوازن، والعقود التي تُفصَّل على مقاس شركات بعينها، والمنافذ الحدودية التي يتحدث عنها المسؤولون أنفسهم كأنها خارج سلطة الدولة كل ذلك ليس ثقوباً في جدار المنظومة، بل هو الإسمنت الذي يشدّ جدرانها بعضها إلى بعض. إنها العملة التي تُشترى بها الولاءات، وتُدار بها الماكينات الانتخابية، وتُضمن بها ديمومة التوافق ذاته. ولذلك فإن مطالبة الحكومة بمحاربة الفساد الكبير تعني، في جوهرها، مطالبتها بتجفيف المنابع التي تتغذى منها الأحزاب التي جاءت بها؛ أي أن تقطع الغصن الذي تجلس عليه.

إن رئيس الوزراء في النظم التوافقية يُعامَل سياسياً بوصفه مديراً تنفيذياً لتسيير مصالح الكتل المهيمنة، لا قائداً لإصلاح جذري. فالرحم السياسي الذي تولد منه هذه الحكومات يجعلها مكبّلة سلفاً بالتزامات غير معلنة تجاه الأحزاب التي منحتها الثقة تحت قبة البرلمان، ورئيسها يدرك أن الكرسي الذي يجلس عليه مُعارٌ لا مملوك. ومن هنا يصبح الاقتراب من رؤوس الفساد الكبيرة أقرب إلى الانتحار السياسي؛ فالحيتان الكبرى قادرة على سحب الثقة، أو تعطيل الموازنة، أو استجواب الوزراء وإقالتهم، أو إغراق الحكومة في أزمات متلاحقة متى شعرت بتهديد حقيقي لمصالحها. ويزداد القيد إحكاماً في بلد لا تقتصر فيه أدوات الضغط على الأصوات البرلمانية، بل تمتد أحياناً إلى سلاح خارج سلطة الدولة، فيتحول السؤال عند صاحب القرار من ماذا يجب أن أفعل؟ إلى ما الذي أستطيع فعله وأبقى؟. ونتيجة لهذه القيود، يتحول الإصلاح عملياً إلى أداة لتصفية الحسابات الجانبية بين الخصوم، أو لضرب شبكات فساد صغيرة لا غطاء سياسياً لها، بما يمنح انطباعاً بوجود حركة إصلاحية دون أن يمسّ جوهر المعادلة.

والذاكرة العراقية القريبة حافلة بالشواهد. ففي آب 2015 أُعلنت تحت ضغط الشارع حزم إصلاح أبرزها إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء، فصوّت لها البرلمان خلال يومين، ثم عاد في تشرين الثاني ليمنع الحكومة بالإجماع من أي إصلاح مهم دون موافقته، قبل أن تقضي المحكمة الاتحادية عام 2016 بعدم دستورية إلغاء مناصب نواب الرئيس. والمفارقة أن هذه المناصب نفسها ظلّت، بعد أكثر من عقد، بنداً على طاولة التقاسم إذ نالت الحكومة الحالية الثقة في أيار الماضي بأربع عشرة حقيبة فقط، وأُرجئت الداخلية والدفاع، ومعهما مناصب نواب الرئيس ونواب رئيس الوزراء، إلى ما بعد عيد الأضحى بانتظار توافق الكتل. وحين حاولت حكومة أخرى القفز على القيود بأدوات استثنائية، فشكّلت عام 2020 لجنة لمكافحة الفساد طالت مسؤولين ورجال أعمال، انتهت اللجنة بقرار من المحكمة الاتحادية يقضي بحلّها لمخالفتها مبدأ الفصل بين السلطات، وسط اتهامات بانتهاكات جسيمة. فالإصلاح من داخل المؤسسات يُخنق، ومن خارجها ينقلب عسفاً يمنح خصومه الذريعة.

أما سرقة القرن، التي سُحب فيها نحو ملياري ونصف المليار دولار من الأمانات الضريبية بين 2021 و2022، فقد أُطلق سراح متهمها الأبرز بكفالة بعد أن أعاد ما يزيد على 125 مليون دولار، ثم توارى عن الأنظار حين حان موعد المحاكمة. وبقي السؤال الأهم معلّقاً من وفّر الغطاء، ومن وقّع، ومن سكت؟

في المقابل، يدفع المواطن ثمن هذه المعادلة من يومه وغده. فقد قدّر رئيس الجمهورية عام 2021 أن نحو 150 مليار دولار من أموال الفساد هُرّبت إلى الخارج منذ 2003، من أصل قرابة تريليون دولار جناها العراق من النفط. ولم يكن غريباً أن ينفجر الاحتقان في تشرين 2019، حين خرج شباب لم يعرفوا عراقاً غير عراق ما بعد 2003 يرفعون شعاراً بسيطاً وموجعاً نريد وطن، فدفعوا ثمنه مئات الشهداء وآلاف الجرحى.

واليوم تُعرّي أزمة 2026 هشاشة البناء كله. فحين أُغلق مضيق هرمز انهارت إيرادات النفط التي تموّل تسعين في المئة على الأقل من الموازنة، فتأخرت رواتب موظفين كثيرين، وأقرّت الحكومة بأنها في أزمة سيولة. وفي صيف تجاوزت حرارته الخمسين، اعترفت وزارة الكهرباء بعجز يقارب أربعين ألف ميغاواط فمنظومة أُنفقت عليها عشرات المليارات بقيت معلّقة بغاز مستورد. إن هرمز لم يصنع الهشاشة، بل كشفها.

قد يقول المدافعون عن التوافقية إنها كانت صمام أمان لمجتمع متعدد ذاق مرارة الاقتتال الأهلي، وإن التخلي عنها قد يفتح الباب لهيمنة أغلبية تُقصي الآخرين. وهي حجة لا يصح تجاهلها، لكنها تخلط بين تمثيل المكونات في القرار، وهو ضمانة مشروعة، وتقاسم الدولة غنيمةً، وهو أصل الداء. فلم يجنِ فقراء الجنوب، ولا أبناء المدن المحررة، ولا موظفو الإقليم الذين صارت رواتبهم ورقة في صراعات النخب، شيئاً يُذكر من حصة مكوّنهم. لقد حمت المحاصصة الطبقة السياسية من محاسبة الجميع، أكثر مما حمت المكونات بعضها من بعض.

فهل يعني ذلك أن الإصلاح مستحيل؟ المستحيل أن يولد من رحم المحاصصة طوعاً فالأنظمة التوافقية لا تُصلح نفسها حين تقتنع، بل حين تُضطر. وها هي لحظة الاضطرار قد طرقت الباب خزينة تعثّرت في دفع الرواتب، وشارع غلى في الحر، ومورد وحيد ثبت أنه رهينة مضيق. والسؤال الذي تطرحه هذه اللحظة من سيدفع ثمن التقشف؟ هل تُغلق المكاتب الاقتصادية وتُقلَّص امتيازات الدرجات الخاصة، أم يُطلب من الموظف والمتقاعد وحدهما شدّ الأحزمة؟ وتحويل هذه اللحظة إلى فرصة يتطلب ضغطاً شعبياً منظماً يتجاوز الغضب العابر إلى ثقل انتخابي ورقابي مستدام، وإصلاحاً هادئاً يجفف منابع الريع بأتمتة الجمارك ورقمنة المعاملات وتقليص كل مساحة يتحكم فيها توقيع أو ختم، وهيئات رقابية مستقلة لا تُوزَّع مناصبها بدورها وفق منطق الحصص. وهي مسارات ستصطدم حتماً بمقاومة من يعيشون على تلك المساحات.

وإلى أن يحدث ذلك، فإن أي اندفاع أولي نحو محاربة الفساد من داخل المنظومة نفسها لن يعدو كونه مناورة إعلامية محكومة بسقف مرسوم لا يمكن تجاوزه، ما دامت أدوات التغيير مرتهنة لـ فيتو الأحزاب التوافقية. ولذلك فإن المعيار الحقيقي لجدية أي حكومة ليس عدد الموظفين الصغار الذين يُساقون إلى المحاكم، ولا أكوام الأموال المستردة أمام الكاميرات، بل أسئلة بسيطة هل حوسب حوت واحد محمي سياسياً؟ هل أُغلق مكتب اقتصادي واحد؟ هل خرجت وزارة واحدة من سوق النقاط؟ وما لم يأتِ الجواب، سيبقى الإصلاح الذي يولد من رحم المحاصصة وهماً يحمل جيناتها، وسيبقى لسان حال العراقيين مع منظومتهم ما قاله المتنبي، ابن الكوفة، قبل أكثر من ألف عام فيكَ الخصامُ وأنتَ الخصمُ والحَكَمُ.

powered by social2s