أستهلّ هذه المقالة بالانحناء أمام ضحايا وشهداء الإبادة التي ارتكبها تنظيم داعش الإرهابي بحق أبناء الديانة الأيزيدية، تلك الحملة الهمجية التي انطلقت من سنجار وامتدّت إلى أبعد قرية لهم شمال الموصل عام 2014، ضمن مشروع ظلامي أراد تحويل العراق إلى أرضٍ منكوبة بالتخلّف والفقر، محكومة بقوانين السبي وقطع الرؤوس وإحياء المحرّمات التي لفظها الزمن.
تحلّ علينا هذه الذكرى بحزنٍ لا يهدأ، فيما لا يزال السنجاريون يتذوّقون مرارة العيش في المخيمات، وعودةٌ ناقصة تُنتهك فيها ألف حق وحق، ومجتمعٌ ينتظر نساءه وأطفاله المختطفين، وينتظر الكشف عن المقابر الجماعية التي ما زالت مجهولة المكان والعدد، كأنّ الأرض تخفي أسراراً لا تريد البوح بها.
وفي الوقت نفسه يمرّ العراق بمرحلة حسّاسة، إذ بدأت دواليب مكافحة الفساد بالدوران في بعض المناطق من البلاد وعلى مستويات محدودة، وهي خطوات ينبغي أن تتصاعد وتتسع، لأن الفساد تحوّل ــ أولاً ــ إلى منهج سياسي تتبنّاه قوى متنفّذة بلا رادع، وثانياً إلى سبب مباشر في انهيار الدولة وهيبتها وفقدانها القدرة على حماية مواطنيها.
إن حملة مكافحة الفساد، وفي هذا المفصل الزمني تحديداً، يجب أن تمتدّ إلى كل أركان النظام السياسي، بحكم مسؤوليته عن الجرائم التي ارتُكبت بحق العراقيين جميعاً، وبشكل خاص بحق الأيزيديين خلال عهد داعش. فـ"الدولة الإسلامية" لم تهبط من السماء، بل كانت نتاجاً مباشراً لسياسات المحاصصة وصراعات القوى المتنفّذة على المال والنفوذ والجغرافيا، ونتاجاً لتعامل دولي وإقليمي مع عراقٍ مُنهك فاقد للشرعية الوطنية.
ومن كان على رأس تلك القوى ــ ولا يزال ــ معروفون بالاسم، ويتحمّلون المسؤولية الكاملة عمّا جرى في3 آب 2014 من حملات دم طالت الأبرياء من أبناء الديانة الأيزيدية، وأثقلت ذاكرتهم المثقلة أصلاً بفرمانات تاريخٍ أسود. ألم يحن الوقت لفتح ملف هؤلاء ومحاسبتهم محاسبة عادلة؟ ألم يحن الوقت لعودة كريمة لأهل المخيمات؟ ألم يحن الوقت لوقف الاضطراب السياسي الذي يزداد اشتعالاً في سنجار وجبلها ؟ ألم يحن الوقت لتثبيت الأمن في تلك المنطقة الملتهبة وقطع الأيادي الإقليمية العابثة؟ ألم يحن الوقت للكشف عن المقابر المفقودة وإعادة المختطفات والمختطفين؟ ألم يحن الوقت للكفّ عن اللعب بمشاعر الأيزيديين، كما حدث مؤخراً في قضية أسلمة امرأة تحت غطاء القانون في الأنبار؟ ألم يحن الوقت ليعيش الأيزيدي كمواطن كامل الحقوق، مشارك في صناعة القرار، لا كأحد أبناء "جالية" يُنظر إليها بريبة ويُمنح لها مقامٌ شكلي دون فعل؟
أسئلة أطرحها لعلّها تجد جواباً في زمنٍ أكثر عدلا .
المجد للشهداء. العار للقتلة المباشرين. والعار لمن خذل الأيزيديين وترك أبواب قتلهم وخطفهم وسبيهم وبيعهم مفتوحة أمام تلك الجريمة المهولة.
والعزّ للرجال الذين دافعوا عن سنجار، ولمن سخّروا أيامهم لإيصال صوت الأيزيديين إلى عالمٍ ظالمٍ غير منصف، ولمن كتب كلمةً صادقة دفاعاً عن دمٍ لم يُنصف بعد.