في مدينةٍ تتقاطع فيها الأرواح وتتعانق الظلال، وُلد الشاعر علي حسين سلطان العلياوي، الذي حمل الاسم الشعري "علي أبو بكر" كرايةٍ تمخر العواصف، عام 1954 في النجف الأشرف، المدينة التي تختزنُ ملامحَ التاريخ وتبوحُ بأسرارِ التراث في كل زقاق وعتبة. هناك، نبتت أولى البذور، وتشكّل الوعي بين جدران المدارس المتوسطة، قبل أن يشدّ رحاله إلى الإسكندرية، لا على ضفاف النيل، بل على أرض العراق، حيث الحديد والنار والعرق يشكّلون وجها آخر من وجوه الإبداع.
في الإسكندرية الصناعية، كان يعمل بين المحركات، ويكتب بين الصمت والضجيج، شاعراً يقاوم صلابة الواقع بورقٍ هشّ، وقلبٍ لا يلين. لم يكن علي أبو بكر عاملًا وحسب، بل كان مؤسسًا في منتدى أدباء الإسكندرية، ومن أوائل من أشعلوا قناديله في ليالي بابل، وترك بصمته في الشعر العراقي التسعيني، زمن القهر والعتمة، حين كان النشر فعلاً يشبه التهريب، وكانت "الاستنساخات اليدوية" أشبه برسائل سرية تتنقل بين الخائفين والحالمين على حد سواء.
بين الجوع والملائكة... ولادة النص
في مجموعته الشعرية "ملائكة الجوع"، كتب علي أبو بكر نصه من عراء الروح، بلغة مجروحة، تحفر في القلب مثل فأسٍ تبحث عن ماء. لم يكن الشعر عنده زينةً للقول، بل صرخة في برية المنفى الداخلي. وها هو الناقد سلام كاظم فرج ينصفه حين يقول إن علي أبو بكر من مؤسسي الحركة الثقافية في الإسكندرية، ومن الذين اضطرهم الفقر والإقصاء إلى ابتكار طرائق نشر تشبه المغامرات الثورية.
بين العمودي والتفعيلة... روح لا تصطف خلف الرايات
ينتمي علي أبو بكر إلى ذلك الجيل الشعري الذي لم ينكر الجذور العمودية، لكنه لم يتردد في السباحة نحو تخوم التفعيلة، حتى إذا احتدم السؤال، أجاب بعين الناقد والبصير: "العمودي هو الأصل، والتفعيلة ابنته الشرعية، أما قصيدة النثر فهي الجنين المدهش الذي أفلت من حبل السرة وانطلق".
لكنه، في الوقت ذاته، لا يزجّ نفسه في خندقٍ دون آخر، بل يرى في الشعر "حالة تسامٍ صدفوية، اندلاع رؤيا، لا تخطيطًا لصفقة رابحة"، ويشبه نفسه ب" قنّاص عاشق" ينتظر طريدته الشعرية التي لا تأتي إلا حين تشاء.
في حضرتك أيها النص
قصيدة علي أبو بكر ليست إيقاعًا فقط، بل أثرٌ لغوي وجمالي يتكئ على "سلاسة الإرسال ورصانة الثيمة ومعمار اللغة". وفي حواره، لا يختار نصًا بعينه ليقدمه كنموذج، لأنه يرى أن كل نص هو تجلٍّ لحالة إلهامية لا تُستنسخ.
هكذا يتنقل بين "رحلة" و"ملائكة الجوع"، ويستعد لإصدار "بعد ذبول الذاكرة"، كأن الذاكرة عنده كائن حيّ يذبل حين يُرهق من كثرة التذكّر، لكنه لا يموت.
كتبوا عنه... فأنصفوا الشعر في ذاته
كتب عنه نقاد كبار، من محمد صابر عبيد إلى عبد الرحمن غركان، ومن نادية العزاوي إلى خضير ميري وريسان الخزعلي ومحمد العميدي، كما كتب عنه شعراء من أمثال ناهض الخياط وسلام كاظم فرج وإياد الشمري ورياض الغريب، في مشهد يدل على أن شعره لم يكن هامشًا ولا صدى، بل نواة تُرسم حولها الدوائر.
المثقف بين الأمية والتكنولوجيا
يرى علي أبو بكر أن ما يُروّج له من عزوف عن القراءة لا يمثل الواقع بدقّة، ويصرّ على أن الإنترنت، رغم كل مساوئه، خلق فسحة لا نهائية من الوصول المعرفي، وأتاح لمن يشاء أن يتثقف، كما لم يحدث من قبل في التاريخ.
في المهرجانات... وفي الذات
شارك في مهرجانات مرموقة مثل المربد والجواهري، وكانت له قراءات شعرية في العراق وسوريا، ونُشرت قصائده في الصحف العربية والمحلية، وأقيمت له أمسيات في البيت الثقافي العربي ومنتدى الإسكندرية، لكنه، رغم كل ذلك، لا يقدّم نفسه كنجمٍ أو ناطق باسم أحد، بل كغيمة ماطرة مترعة بالأنوار، لا تعرف أين ستستقر، ولا بأي أرض ستفيض.
وهو من الشعراء الذين كتبوا من هوامش الحياة، لكن نصوصهم صارت مركزًا حقيقيًا لمن يريد فهم ذلك المزاج العراقي المركّب، الممتد بين النار والطين، بين الثورة والخذلان، بين القصيدة والخسارة.
هو شاعر القصيدة التي تمشي على أطراف الحياة، فلا تسقط في الرومانسية، ولا تنغلق على البلاغة، بل تبني صداها من وجعٍ شخصيٍ عميق، وتجربة إنسانية لا تتجمّل.
وفي زمنٍ ضجّ بالضجيج، يظل علي أبو بكر واحدًا من أولئك الذين يعرفون كيف يصنعون من الصمت بيتًا للشعر، ومن الجوع ملائكة.