في الزوايا القديمة من مدينة الحلة، حيث تتعانق النخيل برائحة الفرات، وُلد محمد كاظم جواد عام 1957، لينبت في أرض الطفولة والدهشة شاعرٌ سيشدّ الرحيل نحو آفاق الكلمة، متقشفًا بالضوء، مترفًا بالخيال. نشأ في محلة "الكلج"، وتدرج في مدارس مدينته حتى غادرها إلى بغداد، حيث تخرج من معهد التكنولوجيا عام 1978، لكنه ما لبث أن حمل معه حنين الحلة وضوئها الناعم إلى حيث يعمل في دائرة إصلاح الكبار، وكأن قدره أن يجاور الأسرى ليحرر أرواح الأطفال بالشعر.

منذ عام 1973، كان صوت محمد كاظم يتسلل من أعمدة الصحف العراقية والعربية، بصوت خفيض، لا يطرق الأبواب بوقاحة، بل يتسلل كنسمة تمسُّ وجوهَ العابرين. لم تكن قصائده تطرق الأذان بل القلوب، ولم تكن صرخاته مدوية، بل تأملاته لينة، كصمت الحدائق في صباحات المطر.

عرفه الناس شاعرًا للكبار، لكن الطفل الذي يسكنه لم يهدأ. فاختار أن يخاطب هذا الكائن الحالم، المتأمل، البريء، فكتب له قصائد أصبحت زادًا للخيال، وأجنحة للصغار الذين لا يملكون سوى الحلم. كتب "العازف الصغير"، و"قطار من خشب"، و"أين ظلّي؟"، و"أطول لسان"، و"ديك وشمس"، وغيرها الكثير من الإصدارات التي تجاوزت الثلاثين عملاً أدبيًا، توزعت بين بيروت، الشارقة، دمشق، ودبي. وكان في كل ذلك يكتب بخفّة ظل شاعرٍ يدرك أن الطفل لا يُخدع ولا يُجامل.

تميزت قصائد محمد كاظم جواد للأطفال باللعب الذكي على ثنائية الدهشة والمعرفة، وأسلوبه الشعري مزج بسلاسة بين الإيقاع المدهش واللغة المشبعة بالصور والمفارقات، حتى غدا من بين الأسماء القليلة التي تتصدر الكتابة الطفولية في الوطن العربي، كما أشار الناقد شكر جاجم، الذي وصفه بأنه "شاعر يتقن أدواته بمهارة لافتة، ونصوصه كاشفة عن ثقافته وتجربته المتراكمة"، مؤكداً أن إنتاجه لا يلهث خلف الشهرة ولا يتوسل أضواء الصالونات، بل يكتب من الأعماق، متصالحًا مع عزلته، ومؤمنًا بمشروعه الفني.

أما الباحث أنس إسماعيل، فذهب أبعد من ذلك في تفكيك تجربة محمد كاظم، حين رأى فيها نزوعًا نحو "التمثّل بالمكان المنسي والغرائبي"، فهو شاعر "يعيد صياغة المشهد بالمقلوب"، ويتجول في الذاكرة بخفة الحنين، ثم يخطُّ من الحكاية صدى عاطفيًا يليق بشاعرٍ يعيش نصفه في الواقع ونصفه الآخر في حلم يتشكّل من ماء الشمس وظلّ الأرنب.

قصائده ليست مجرد سرد أو تلاعب بالألفاظ، بل محاولة خفيّة لمداواة الشرخ الوجودي في روح الكائن، وربما لهذا السبب حصد جوائز مهمة في ميدان شعر الأطفال، من بينها جائزة العراق عامي 2008 و2011، وجائزة "ملتقى الناشرين العرب" عن قصته اللافتة "أين ظلي؟".

وإذا كان البعض قد تجاهل تجربته لأنها اختارت الهامش وتجنّبت صخب المراكز الثقافية، فإن هذا الهامش هو ذاته الذي صار قلبًا نابضًا في أدب الطفل العربي. لقد أنجز محمد كاظم جواد مشروعه في صمت، دون ادعاء، تاركًا لقصائده أن تتحدث، ولأرنبٍ ضائع أو قطٍ حلق شاربه أن يحمل ما يريد أن يقوله العالم.

إن محمد كاظم جواد ليس مجرد شاعر يكتب للأطفال، بل شاعر يكتب من خلالهم. يجعل من أسئلتهم البسيطة مفاتيح لفهم الوجود، ومن خيالهم مسرحًا يهرب إليه الكبار حين تضيق بهم الحياة. أما شعره للكبار، كما في "بريق أسود" أو "زارني الشعر"، فهو انعكاس لحساسية شاعرية ناضجة، تأخذ بيد القارئ إلى مساحة تتجاوز الواقع، حيث تكون القصيدة مرايا، ومنافي، ومرافئ مترددة بين الحنين والانكسار.

في زمنٍ تكثر فيه القصائد وتقلّ الأصوات، يبقى محمد كاظم جواد صوتًا يتكئ على الحرف لا على الضجيج، ويكفيه أن يكون صديقًا دائمًا لطفلٍ يقرأ، أو لظلّ يبحث عن صاحبه.