في دهاليز الحكاية القصيرة، حيث تختزل الحروف العالم وتُختصر الحياة في ومضة، يتكئ القاص والروائي علي غازي على ركيزتين لا تنفصلان: الحدس الفني والوعي السردي. هو أحد أولئك الذين لا يتكئون على ضجيج الأسماء، بل على صمت المعنى، وعلى وهج ما تُخفيه الكلمة خلف ستارها. وُلد في محافظة القادسية عام 1968، لكنه أعاد ولادته الفعلية من خلال الحرف، فكان صوته الأدبي أحد الأصوات التي لم ترفع شعاراتها، بل نسجت هويتها بحبر الصبر والمثابرة والموهبة.

منذ بداياته، انحاز علي غازي إلى القصّة، وتحديدًا القصة القصيرة جدًا، هذا الفن الذي يشبه الوميض في عتمة المعنى، والذي يتطلّب من كاتبه مهارة جراح وحس شاعر. لم يكن غازي من هواة الإطالة، بل من الذين يضربون المسامير في صلب المعنى بضربة واحدة، فيُقيمون بناءً سرديًا متماسكًا وإن كان على رقعة من كلمات.

صدرت له عدة مجموعات قصصية وروايات قصيرة، منها "فصول فيفالدي الأربعة" و"ذهبوا مع الريح" و"زوجان وحبة قمح"، غير أنَّ التفاتته العميقة لفن القصة القصيرة جدًا ظهرت جليًا في مجموعته "فصول فيفالدي الأربعة"، تلك المجموعة التي التقطتها الناقدة الدكتورة رفل حسن طه برهافة عالية، ورأت فيها تجربة مكتنزة بالإيحاءات والدلالات، تمضي بالقارئ إلى عمق الرمزية دون أن ترفع راية التصريح. تقول: "تمكنت نصوصه من استدراج المتلقي إليها وقراءتها قراءة لا تكتفي بالفهم السطحي... بل تبحر في معانيها المسافرة في الدلالات البعيدة".

ومن النماذج التي تناولتها بدراستها قصة "استسقاء"، التي تسير على نسق تصاعدي دقيق، حيث تبدأ من الصلاة طلبًا للمطر وتنتهي بغيمة لا تُمطر، وبجدبٍ لا يرحل، فيتحوّل النص من مجرّد قصة رمزية إلى تأمّل ساخر في خيبات الواقع، وجفاف الأرواح.

وفي قصة أخرى، "أبناء آدم"، يستحضر علي غازي الموروث الديني ليُسقطه على الواقع، فالعنف الأخوي الذي بدأ بقابيل وهابيل لا يزال يتكرّر، لا بخناجر الماضي فقط، بل بخناجر اليوم أيضًا. يوظّف الرمز ليكشف عن فساد النفس البشرية حين تُنزع منها الرحمة، وتُغرس فيها الأنانية حتى تغدو الحياة مجرد حلبة لتأكيد الذات بإلغاء الآخر.

وليس بعيدًا عن هذا التوجه الرمزي المكثف، كتب الدكتور جاسم خلف الياس عن مجموعة "فصول فيفالدي الأربعة" بوصفها نموذجًا لما يمكن أن تفعله القصة القصيرة جدًا عندما تتكامل أدواتها، قائلاً: "اختزل ما يُكتب في ثلاث صفحات إلى خمسة أسطر... وكثّف الحدث إلى حد لا يحتمل زيادة جملة واحدة". هكذا يتجاوز القاص حدود اللغة إلى اشتغال لغوي واعٍ يجعل الكلمة تزن ثقل المعنى لا عدد الحروف.

ولأن غازي لم يكتف بالكتابة الإبداعية، بل غاص في البعد التنظيري والنقدي، فقد أصدر كتابًا نقديًا بعنوان "نظرة من الداخل"، حلل فيه بنظرة تأملية واعية نماذج من القصة القصيرة جدًا، كاشفًا عن خبايا هذا الفن ومحددًا إشكالياته وتحوّلاته الجمالية، دون أن يدّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، بل كتجربة شخصية متواضعة، كما أشار في تقديمه للكتاب.

وقد أشادت الناقدة فايزة زاد بهذا الكتاب، واعتبرته خطوة جادة في تحليل وتفكيك بنية هذا الفن، مشيرة إلى أنه "اختصر تاريخ نشأته وتطور أدواته... واستعرض بعض تجارب كتّابه دون انحياز أو ادعاء تفوّق".

أما الرواية لدى علي غازي، فهي امتداد لوعيه القصصي، لكنها تظل مكثّفة، قصيرة، تحمل بصمة القاص الذي لا يتخلى عن الإيجاز حتى في فضاءات الرواية. ففي روايتيه "إعدام شيوعي" و*"تسيبورا"*, نلمح عوالم تنبض بالتوتر السياسي والاجتماعي، وتمتزج فيها المعاناة الفردية بالهمّ الجمعي، وتتقاطع فيها سيرة الوطن بسيرة الذات.

رغم أن علي غازي لم يحظَ بعد بما يستحق من الأضواء، إلا أن بصمته واضحة في أفق السرد العراقي، لا سيما في مجاله الأثير: القصة القصيرة جدًا. هو من أولئك الكُتّاب الذين لا يتحدثون كثيرًا عن أنفسهم، بل يتركون نصوصهم تتحدث عنهم، وتبوح بما عايشوه من ألم وفقد وأسئلة معلّقة في هواء الوطن.

وعندما نقرأ أعماله، نشعر بأنّنا أمام كاتب يكتب كما لو كان يمشي على حدّ السكين، فلا يفرّط في الجمالية، ولا يتهاون مع الفكرة، بل ينسج من الحروف خيطًا رفيعًا يشدّ القارئ إلى الأعماق، ويتركه مشحونًا بإثارة التأمل، ومتورطًا بأسئلته الخاصة.

علي غازي ليس كاتبًا عابرًا في مسار السرد، بل هو صوت يمشي في الظل، لكن صداه أبعد من أن يُحاصر.