في قرية "المعيميرة" الوادعة، المتربعة عند أطراف مدينة الحلة، ولد الشاعر عبد الحسين كاظم حسن زامل الجنابي عام 1941، لا كمولود عابر، بل كصوت سيأتي لاحقًا ليُعيد إلى اللغة العربية جلالها، ويُغذّي جذورها التي كادت تُصاب بالعطش في أرضٍ غبراء. ومنذ خطواته الأولى في مدارج الحلة، كان أشبه بمن يُهيئ نفسه لرحلة طويلة مع الكلمة، فشقّ طريقه في الدراسة حتى بلغ كلية الشريعة، ومنها تخرّج حاملاً في يده شهادة امتياز، وفي قلبه بستانٌ من اللغة والفقه والبلاغة.
لكنه لم يكن فقيهًا تقليديًا ولا لغويًا متحفيًا، بل روحًا شاعرةً تمزج الشريعة بالأدب، والحكمة بالوجدان، والتاريخ بنبض القصيدة. ومنذ ستينيات القرن الماضي، أخذ الجنابي يسكب نفسه شعرًا، فتوزّعت قصائده بين العمود الأصيل والتفعيلة المجددة، يكتب بلسانٍ فصيح لا يخالطه عامي، حتى في حديثه اليومي، وكأنه يحمل اللغة في صوته لا في قلمه فقط.
كان معلمًا للغة العربية، لكنه في الحقيقة كان يُدرّسها بروح الشاعر لا بمنهج المعلم. ومن مقاعد الدراسة إلى المنابر الثقافية، ظل الجنابي وفياً لحرفه، حتى حين تقاعد عن التدريس في تسعينيات القرن الماضي، لم يتقاعد عن الشعر، ولم تتعب منه القوافي، بل ظلت تنبت على أطراف كلماته كزهورٍ برّية نمت في حقول اللغة.
في دواوينه المتعددة، مثل "من سفر اللاءات" و"الشعر دوح أخضر" و "من فيوض الوجدان"، تتجلى بصمته الأسلوبية الفريدة؛ لغة متينة، جزلة، مترعة بالمفردات الغريبة التي تحرج حتى القواميس، لكنها بين يديه تصبح نضرة، حيّة، كأنها خرجت لتوها من فم امرئ القيس أو طرفة بن العبد. لا يهاب الغريب من الألفاظ، بل يحتفي به، ويُطعّمه في جسد القصيدة دون أن يشوّه موسيقاها أو يعكّر صفوها.
وقد تنبّه النقاد لهذه السمة الفريدة في شعره، فكتب محمد جودة العميدي مقالة بعنوان "انتقاء المفردة والبناء الفني للقصيدة", وصف فيها طريقة الجنابي في اصطياد الكلمة النادرة وصهرها في بوتقة شعرية لا يشوبها تعقيد ولا تكلّف، بل يخرج منها المعنى أكثر تألقًا وأوسع دلالة.
أما علي عبيس المعموري، فدرس تجربته في بحثٍ أسلوبي منشور في مجلة القانون والعلوم البينية، وسلّط الضوء على أدوات الجنابي الفنية التي تتراوح بين الانسياب الموسيقي والصرامة اللغوية، وبين الإيحاء الديني والرمز الإنساني، مؤكدًا على عمق تجربته وتمكّنه من أدواته.
ولأن الشعر عند عبد الحسين الجنابي ليس غاية للزينة، بل وسيلة للبعث والتذكير والحكمة، فإن قصائده كثيرًا ما تستحضر الموروث وتنفخ فيه روحًا معاصرة. فيقرأ القارئ فيها ملامح التاريخ العربي، ويشتمّ فيها عبق التراث، لكنه لا يشعر بأنه يقرأ شيئًا منسيًا، بل شيئًا ينبض بالحياة، كأن القصيدة عنده ماضٍ حاضر، أو حاضرٌ ينهل من ماضٍ عريق.
كتب عنه عدد من الباحثين والأدباء، أبرزهم د. صباح نوري المرزوك الذي أدرجه في كتابه "تكملة شعراء الحلة" و"النهضة الفكرية في الحلة"، مؤكداً على مساهمته في إثراء الساحة الأدبية، لا سيما وهو أحد من ارتبط اسمه بالجيل المحافظ على العمود العربي، والمجدد في إطار أصوله لا خارجها.
ولم تغب مكانته عن المؤسسات الثقافية، فقد كرّمه اتحاد أدباء وكتاب بابل، واحتفت به جمعية الرواد الثقافية التي هو أحد أعضائها، وأحنت له جامعة بابل هامات التقدير في يوم المعلم، عرفانًا لما غرسه من حبّ اللغة ووعي الشعر في نفوس طلابه.
أما ديوانه "صرير اليراع وهزيز الرياح"، فيكاد يكون عنوانًا مكثّفًا لمسيرته كلها: صوت القلم حين يكتب، وصوت الريح حين تهب من بوادي الحنين، ومن صحارى الغربة. إنه الشاعر الذي لم تغره ضوضاء الحداثة المفتعلة، ولا فتنة السهولة، بل آثر الصعب الجميل، والجزيل العذب، فكتب بلغةٍ لا تصالح، ولا تهادن، ولا تتنازل عن شموخها.
عبد الحسين الجنابي ليس فقط شاعرًا من المعيميرة، بل شاعر من تلك الضفة النقية التي ما زالت تؤمن أن العربية ليست مجرد لغة، بل وطنٌ قائم بذاته. هو حارس من حراس الفصحى، ومزارع يزرع القوافي في تربة الثقافة، ويسقيها من نهر الشعر، لعلّها تبقى خضراء في زمن الجفاف.