في مدينة الحلة، حيث تتعانق ضفاف الفرات بشغف التاريخ، وُلدت الشاعرة زينب كاظم البياتي في الثاني والعشرين من آذار عام 1979، وكأنما كانت تلك المدينة، بمآذنها ومآقيها، تمهّد لطفلةٍ ستنمو وفي قلبها بذور القصيدة.

نشأت في كنف الحلة، وتدرّجت في دراستها حتى أنهت التعليم الإعدادي، لتتجه بعدها إلى فضاءات الجمال في كلية الفنون الجميلة – قسم الفنون التشكيلية، حيث تخرجت عام 2014. ولأن الإبداع لا يعرف نهاية، تابعت دراستها العليا سعيًا وراء درجة الماجستير، ولا تزال تواصل هذا الطريق، حاملة في حقيبتها شغف الفن وحلم الكلمة.

منذ أيام مقاعد الدراسة، بدأت زينب تنحت القصيدة كما ينحت النحات ملامح الروح في الصخر، وشاركت بفعالية في النشاطات الأدبية والثقافية، حيث وجدت في الشعر نافذتها الأوسع نحو الذات والعالم. وكانت تلك البدايات حافزًا لها للانخراط في المشهد الأدبي الأوسع، حتى أصبحت عضوًا في اتحاد الأدباء والكتاب في بابل منذ عام 2022.

صدر لها ديوانها الأول "صعلكة على أكتاف الرماد" عن دار سطور – بغداد، 2021، وهو عنوان يشي بثورة داخلية وانحياز لجماليات التمرد النبيل، وقد جاء محمّلًا بنصوصٍ تنبض بالحس الأنثوي العميق، والرؤية المتجاوزة للسطح إلى أعماق الذات والوجود.

تتميز زينب البياتي بأسلوب شعري يزاوج بين البوح الصادق والتكثيف الرمزي، فهي تكتب بلغة متحررة من القوالب، تفيض بالعاطفة دون أن تتخلى عن عمق المعنى، وتتنقل بين عوالم الذات والآخر، بين اليومي والأسطوري، بانسيابية تشهد على وعيٍ شعري يتجاوز الإيقاع إلى جوهر التجربة. نصوصها غالبًا ما تستدعي صورًا تشكيلية، كأنها تستثمر خلفيتها في الفنون الجميلة لصياغة القصيدة بصريًا قبل لغويًا، فتغدو كلماتها ضربًا من الرسم بالكلمات، حيث القصيدة فضاء مفتوح للرؤية والتأمل.

نشرت الشاعرة نصوصها في عدد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، فضلًا عن منصات إلكترونية متخصصة، لتصل كلماتها إلى قارئ يبحث عن الشعر وسط زحام اللغة. كما تُرجمت بعض نصوصها إلى اللغة الإنجليزية، وظهرت في مجلات فصلية مثلمتون، نخيل عراقي، معارج، دار العرب الثقافية، وجريدة العراقية الأسترالية.

لم تمرّ تجربتها الشعرية دون أن تتوقف عندها أعين النقاد، فقد كتب عنها الأستاذ شكر حاجم الصالحي، وتناولها الناقد غانم عمران المعموري في كتابه "الذات والوجدان في القصيدة"، واحتفت بها الكاتبة المغربية فاطمة بوهراكة في موسوعتها "موسوعة الشعر العراقي الفصيح"، حيث أدرجت اسمها بين الأسماء التي تمثل الصوت الشعري الجديد في العراق.

كرّمتها جهات ثقافية وفنية عدة، ومنحتها شهادات تقديرية، تقديرًا لما قدمته من صوت شعري متفرد. ولم تغب عن المهرجانات والمحافل الثقافية الكبرى، فقد شاركت في مهرجان بابل للثقافات والفنون العالمية في دوراته المتعاقبة، كما صدحت بقصائدها في البيوت الثقافية وضمن فعاليات اتحاد الأدباء والكتاب في العراق، مجسدة حضورًا شعريًا ينبض بالتجدد والصدق.

تجربة زينب البياتي ليست مجرد توثيق لمسيرة أدبية، بل هي مرآة لامرأة تمسك بجمر القصيدة وتعبّر عن ذوات النساء وهموم الإنسان، بوعي فنيٍّ عميق وإصرار على أن تكون للكلمة مكانها في زمن القلق والتحولات.

كتبت قصيدة بعنوان "إلى نورس الحلة" مهداة إلى الشاعر الراحل موفق محمد أبو خمرة، تمثّل لحظة وجدانية مكثفة، تتقاطع فيها الذات الشاعرة مع ذات المُهدى له، في مشهد إنساني مؤثر، تتشابك فيه مشاعر الحب، والألم، والتقدير، والرجاء.

القصيدة تبدأ بصورة مكثفة وحنونة:

" يرقد في المشفى عصفور"

    هنا، تشبيه الشاعر المريض بالعصفور يوحي بالهشاشة والرقة، لكنه أيضًا يختزن معاني الطيران، والحرية، والجمال، وكأن البياتي ترثي المرض دون أن تستسلم له، بل تمهّد للأمل.

وتشير الى البعد المكاني والروحي في قولها:

"    شرب الحلة قطرة قطرة"

    هذا السطر يُظهر الشاعر أبو خمرة كشخص تغذّى من روح مدينته وتماهى معها، فهو ليس غريبًا عنها، بل جزءٌ من نسيجها – "بستان، شط، أغنية"، كلها صور ترتبط بالحياة والخصب والجمال.

    "حتى في حي الشهداء"

    ربط رمزي بمكان الألم والتضحية، ليظهر أن الشاعر كان شاهدًا على الجراح، بل عاشها من خلال مأساة شخصية:

" كان كثيرًا ما يتأبط مأساة ولده المغدور"

والقصيدة تتخذ طابعًا نِدائيًا – دعوة للانبعاث والعودة:

"    انهض من نومك يا (خُمرة)"

    تتجاوز البياتي السكون الجسدي للمريض، لتنادي فيه الشاعر الذي يسكنه، ذلك الذي يمثل:

    "مخاضًا، زئيرًا، نشيدًا حين يثور"

    وهي صور تعبّر عن شاعر لا يكتب من فراغ، بل من ألم وتجربة وتحوّل.

 ويتراءى لها  الأمل والضوء:

"    سترى حب الناس كثيرًا، سترى شعرًا، سترى النور"

    الختام مشرع على النور والأمل. إنه تطمين واحتضان شعري. لا يغيب فيه الحزن، لكنه مضمّخ بحب الناس واعترافهم بمكانة الشاعر في قلوبهم وذاكرتهم.

والقصيدة تُظهر قدرة الشاعرة زينب البياتي على الجمع بين الإحساس العميق والصورة الشعرية المشحونة بالرمز. فهي لا ترثي، بل تُحاور الحياة، وتستنهض فيها الشاعر الكامن خلف أوجاع الجسد. نص إنساني نقيّ، مشغول بعاطفة صادقة وتقدير شعري نبيل.