في مدينة الحلة، حيث تتعانق النخيل مع التاريخ وتتنفس القصائد من أفواه الفرات، وُلد جواد كاظم حسون في السادس والعشرين من تموز عام 1957، فكان منذ بداياته نبتًا خصيبًا في تربة الأدب والفن، ينصت لتنهيدات الأزقة، ويصغي للحكايات التي تسكن عيون الشيوخ، ويترجمها حروفًا فوق الورق أو مشاهد فوق الخشبة.
التحق بكلية الفنون الجميلة في جامعة بابل، وهناك، بين دفاتر المسرح وحواراته، بدأت رحلته الجادة مع الفن: رحلة مشتهاة لم تكن سهلة، لكنّه خاضها بإيمان العاشق وسلاح المثابر. لم يكن المسرح عنده مجرد تخصص أكاديمي، بل كان فضاءً شعريًا وميدانيًا في آنٍ معًا، يتيح له أن يصوغ العالم كما يشتهي الخيال وكما يوجعه الواقع.
في باكورة أعماله القصصية "ذكريات الزمن الغابر"، التي صدرت عام 2002، تظهر نزعة جواد الحسون نحو الحنين بوصفه رؤية، لا مجرّد شعور. هو لا يستعيد الماضي ليبكي عليه، بل لينقّب في طبقاته، ويوقظ رموزه، ويصوغ منها سردًا معاصرًا. شخوصه تحمل عبء الذاكرة، لكنها لا تتخلى عن شهوة الحياة، وكأنها تقول: نحن أبناء الوجع لكننا لا نركع له.
لم يكن الحسون قاصًا فقط، بل اختار أن يُشيد عوالمه أيضًا على الخشبة. في عالم المسرح، كتب أعمالًا لافتة، بعضها للكبار، وأخرى لبراءة الطفولة، وكأنّه يرى في الطفل جمهوره الأصدق. مسرحياته مثل "العراف والملك"، "الثعلب الحكيم"، "رحلة إلى القمر"، و"أحلام جمهورية الأطفال"، لم تكن مجرد نصوص تعليمية أو عابرة، بل كانت محاولات جادة لزرع القيم بلغة مسرحية مرحة وعميقة.
وقد كتب "نهايات مغلقة"، عنوانًا لمجموعة مسرحية وقصصية، كأنّه يرصد اختناق المصائر في زوايا الواقع، ويمنحها فضاءً من التأمل والتساؤل. في نصوصه، لا نجد الجواب حاضرًا، بل السؤال الوخز، والانتباه البطيء إلى مأساة الإنسان العادي.
أوسمة الضوء: الجوائز تتحدث
في عام 2004، حصلت مسرحيته "الحفر الظاهر"، من إخراج سعد العميدي، على جائزة أفضل عمل مسرحي في مهرجان السلام الأول في كربلاء. وكان هذا التكريم إشارة مبكرة إلى طاقته الكتابية القادرة على مزج الرمز بالواقع، والحكاية بالفكرة.
أما مسرحيته "ابن آوى والديك الأسود"، فقد توّجت بالجائزة الأولى في المهرجان المسرحي الثاني الذي أقامته مديرية النشاط المدرسي، حيث أظهرت براعته في مخاطبة الطفولة دون تعقيد أو تسطيح، بل بحس درامي عالٍ ورؤية تربوية ذكية.
ولم تتوقف إبداعاته عند النصوص، بل كتب الأوبريت، فكان "عراقنا المبارك"، الذي نال الجائزة الأولى في مجال الموسيقى والإنشاد الوطني، عملًا يمتزج فيه الشعر باللحن، والوطن بالوجدان.
يرى النقاد في جواد الحسون كاتبًا "يعمل بصمت لكنه يترك أثرًا لا يُمحى"، كما وصفه الناقد المسرحي علي حسن عبد في ندوة أقيمت عنه في بابل، مشيرًا إلى أن "نصوصه المسرحية تستبطن طبقات الواقع العراقي، وتعيد تفكيكها بلغة سلسة لكنها مكثفة، تستدعي التأويل".
أما الناقد قاسم مطرود، فكتب في إحدى مقالاته: "إن جواد الحسون من أولئك الذين لا يُطاردون الضوء بل يصنعونه في الظلال، يؤمن بأن الكلمة لا تُقاس بكثافة حضورها بل بعمق أثرها، وهذا ما يمنح كتاباته بُعدًا فنيًا وأخلاقيًا معًا." و أسلوبه القصصي قائم على التكثيف واللغة الرشيقة، وفيه خيط واضح من الألم النبيل، لا استجداء فيه ولا نواح، بل مقاومة شجاعة للخراب."
الكاتب الذي لا ينسى أن يكتب
جواد كاظم الحسون هو الكاتب الذي لم يغادر مساحته الخاصة، لكنه جعل منها مسرحًا يعجّ بالشخصيات، قصصًا تحتفظ بنبض الحياة، ومشاهد تنبض على الخشبة كما تنبض في ضمير القارئ. وهو صوت يعرف كيف يتنقّل بين همّ الواقع وجمال الفن، بين وجع الطفولة ودهشتها، بين الزمان الغابر والحاضر المفتوح على جراحه. وإن كانت نهاياته مغلقة، كما اختار لعنوان بعض أعماله، فإنّ أثره مفتوح على قراءات جديدة، وعلى امتداد دائم في ذاكرة الأدب العراقي المعاصر.