يبرق طلاء الجدار. ويحيل ومضاته لسحر وخوف واندهاش تختلط الوانه بألوان قوس قزح . قرب الزاوية لوحة تحتل مساحة في غرفة مرسمها المبعثر. تختلط الوانها بين البريق والعتمة أيضا . موحية باندلاع حمرتها القرمزية كأنها لون الشفق. خطوطها معبرة عن وجوه بشرية صارخة ربما تعني الرسامة استغاثتها . هناك ( خربشة ) محيرة متقاطعة مع بعضها تبرز للناظر وجه رجل غائر فمه وجاحظة عيناه تتسع جبهته حتى منتصف رأسه . اما ذقنه فينتهي بنهاية مدببة على شكل مخروطي هزيل تمتد يده اليمنى نحو الطرف الآخر للوحة حتى تتراءى للناظر كأنها خارجة عن حافة الاطار الذي يحاصرها من جهاتها الاربع . أما يده الاخرى فكان يومئ بها للمرأة الواقفة أمامه يومئ لها ان تقترب منه . فهي تراه خيالا أو رجلا ضبابيا وأحيانا أخرى تراه شيطانا خارجا من ناره الازلية . يطلب الرحمة والتوبة . لكنها لا تدري بالضبط أهو من صنع خيالها أم انه شبح يطاردها عن عمد .أو ربما شيطان موغل بعدائه للبشر وحانق أشد الحنق على الانثى . ولكن الشمس أنثى . والبئر انثى والنخلة أنثى والملائكة أنثى .
وضعت المرأة كلتا يديها فوق وجهها . ثم استسلمت لإغفاءة قليلة . في منامها رأت قطيعا من الكلاب السائبة تأكل بعضها وتنهش بجسدها وهي تستغيث . فأخذت المرأة تلهب بسوطها أجسادا موغلة بقذارتها .
لكن المرأة قررت عدم افشاء سرها خوفا ان تنعت بالجنون خرجت مسرعة وحاولت ان تغلق الباب خلفها . إذ سرعان ما سمعت صوتا يناديها بإسمها لم تطرق نبراته على مسامعها من قبل ولم تسمع بحشرجة مقيتة مشابهة لما تسمعه الان وحين التفتت الى اللوحة وجدت صاحب الفم الغائر يبتسم لها ثم يخرج يده لمصافحتها . تملكتها جرأة وقوة خارقة لمعرفة نواياه . وعندما مدت يدها لتلامسه تلطخت يدها بالدم القاني . صرخت روحها صرخة مكتومة داخل جسدها ثم انتفضت كأن اعصارا أصاب روحها فاقتلع كل مسامات سكينتها وهدوئها . تفحصت اللوحة مجددا ثم بصقت . دون ان يشعر بها أحد . فاللوحة كانت في مرسمها الذي يقبع في الركن المنزوي خلف دارها . وحين استفاقت من قيلولتها تفحصت اللوحة مجددا فلم تجد غير لوحة صماء ساكنة .
كانت تدمن على هلوستها وزيارة قبر أبيها . وقراءة الدعاء لسلامة عودة طفلها من المدرسة. والدعاء الآخر من أجل ان لا يترك أحدهم سيارته قرب دارها مما يضطرها ان تدخل بدوامة مرعبة جديدة حتى يظهر صاحبها الذي يبادر للتأسف وطلب السماح من الناس الذين تجمعوا حولها . يسأل بعضهم بعضا لكنه . ذهب لاستلام طفله من الروضة ( تلاحقها الدوامة ) التي توارثتها مذ كانت نطفة في الارحام فقد سمعت قارئ القرآن عند موت أبيها في أحد حروبنا الخاسرة . فمن ابسط حقوقها ان تحصل على قسط من الراحة .
كان الجو يعبق برائحة القداح ورائحة التراب حين يتساقط عليه رذاذ المطر في شهر آذار . حملت مظلتها وسارت تستنشق هواء عذبا تحت المطر . تخفي ضفيرتها بين طيات شالها و عباءتها السوداء وهي تتمتم . المشكلة انكم لا تصدقوني حين أخبركم .
اني لا أمتلك لوحة ولا مرسما ولا أجيد فن الرسم ولا أعشقه . لكني أبحث في الرمال عن وجوه مرهقة مثلي . الضجيج يملأ رأسي . والتأهب لما كان وسيكون يقتل فرحي وهدوئي . ونشرة الاخبار غانية لعوب . والحروب لعبة التاجر والمقامر, وقارورة العطر على الارض هشمتها الرياح.