صخب عنيف يصدر  من أفواه  عديدة . كانت جريرتي إني أطلقت قهقهة عالية بوجه البهتان ثم مضيت بطريقي . طريقي محفوف  بمنحدرات قاسية   لذلك كنت أسير ببطء شديد  . كتبت اعلانا في الصحف والمواقع باحثا  عن عصا أتكئ عليها .

شهق الجميع حين أعلنت  قراري .  انها رغبتي التي عبرت بها عن برد صمتي . حين انتحر الدفء بداخلي .

تجمهر الناس حولي بين مغتبط  في سره . وبين لائم بصدق . فيما لاذ الاخرون بصمتهم . لكني حسمت امري . أن أكتب بلا تردد. فصمتي  لا يصب في مجرى انسانيتي .

استيقظت فجرا لأجد نفسي داخل زنزانة مظلمة تتدلى فوق نوافذها أغصان شجرة قريبة امتدت أغصانها داخل الزنزانة  . كانت هناك خرق بالية تتدلى هي الاخرى  كان الهواء يحركها فتميل يمينا وشمالا    فتحولها خيالاتي الى  أفاع   متدلية  تتحين اللحظة المناسبة لتنقض على رقبتي مضيت ليلتي  أراقبها بقلق . حتى  تسرب الخوف  بين مسامات عقلي   فشل تفكيري وأوهنت الظلمة روحي شيئا فشيئا .

يدخل سجاني . يلوح بعصاه . فيجلد كل من تسول له نفسه ان يبتسم . ويرضى  كل الرضا عمن  يبكي بشدة وينتحب . ويتوسل...

بحذر شديد كنت أراقب سجاني  وهو يغط بنومه العميق تدل ملامحه على هدوئه واستقراره . أما طبقه المفضل عند  الغداء فهو  حساء الغزال  الساخن يرتشفه وهو يستمع لقراءة مرافقه الشخصي لدفاتر حساباته .  عندها يندلق الحساء من بين  جانبي فمه .

لم أتعود النفاق  . ! . بل تعودت على  صمت القديسين  . فقد تعلمته كما اتعلم  الصنعة . وحين أختلي بنفسي تبدأ مرحلة هذياني وخيالاتي  . فأسمع أصوات الموتى وصراخ أمي خلف جنازة أبي . أتذكر المشيعين .  كانوا  في حالة من الصمت الجليل لحظة انزال جثته . يتعالى صوت الدفان ملقيا وصيته لروح أبي يلقنها ما ينبغي قوله ساعة الحساب. بينما تنزل الجثة الى أسفل  . لتختفي في شق طولي على أحد جانبي الحفرة  .

انتزعت صورة ذلك المشهد كل مخاوفي من الموت . ومن السجن والسجان  .

لكنها لم تنتزع تأملاتي وهيامي وأحلامي ولم تجعلني  رجلا عاجزا لاني  كنت أعرف كيف أوجه دفة قاربي .

سجين أنا منذ مدة لا أعرفها . لجرم لا أعرفه ولأسباب ومقدمات لا أعرفها أيضا  شحيح زادي  حين يصل غرفتي  فهو بالكاد يسد رمقي أو لا يسد  . !!

في ساحة فسيحة خالية الا من بعض شجيرات الاس وأزهار متفرقة  كان  يطلق سراحي أحيانا مع بقية السجناء  . وأحيانا أخرى يلتقي السجناء بزائريهم  . انا لم يبق لي  من يزورني .

أرفع رأسي صوب الفضاء حالماً . أغرق بتأملي نحو ضوء الشمس  . أتامل شواطئ دجلة  التي تراءت لي  من بعيد منسابة هادئة حالمة هي الاخرى .

أحسست بحرج شديد حين التقت عيناي  بعينيَ  خطيبتي التي فارقتها قسرا  وانهينا خطوبتنا منذ عام  وكل ظني ان لاتلاقيا !!

حضرتْ  توا لزيارتي يا لدهشتي . انها لم تتغير  انسابت مني  دمعة خجلة مسحتها على استحياء .

أصبحت مستاءا قلقا لا أستقر بمكان فلم أنتبه لمسألة ضيافتها رغم حاجتها لكأس ماء بارد في ذلك الصيف القائظ . صاحت بانفعال شديد  . تصرفك غير لائق ولا يدخل ضمن قناعتي  . أتحاول الصمت هاربا  من تعفن غدر المتاهة . ؟؟

قاطعها صوت شيخ وقور . دعوني أصلي من أجله .

زيارة خطيبتي  غيرت مجرى حياتي . فقد جلبت لي عشبة غريبة من نوع خاص  ...ما كاد مفعولها    يسري بمسامات جسدي وعقلي  . حتى  احسست اني املك رصيدا عاليا من الحكمة والدهاء .

أصدر قاضيهم حكما جائرا ضدي . لكنه لم  يستطع تنفيذ بنوده لاني ببساطة تامة بدأت   أتكاثر  بالانشطار في كل ليلة  .