روايته "حنين لسوريا"، للروائي المغترب كريم عباس حسن، مفعمة بالفكر والمشاعر الإنسانية المتدفقة. استطاع الكاتب أن ينسج عالماً يمزج فيه بين الوجدان الشخصي والواقع السياسي المعقد.
بدأ الكاتب روايته مستعرضاً المشهد السياسي في سوريا، ومسلطاً الضوء على حقبة تاريخية مفصلية تمثلت في سقوط النظام الذي جثم على صدور السوريين لسنوات طويلة. لم يحبس الكاتب نصّه في إطار تاريخي جامد أو تواريخ مقيدة، بل جعل من الزمن حاضراً مستمراً تتجلى فيه رواسب الماضي وأحداثه، وانعكاساتها المباشرة على الواقع المعاصر. لكنهُ طرح رؤية عميقة لقضايا اجتماعية وسياسية شائكة، متمكناً من سبر أغوار الواقع المتردي الذي عاشه البلدان الشقيقان سوريا والعراق.
من خلال قراءتي للرواية، يظهر سليم كنموذج للمثقف العضوي الذي يرفض الشماتة؛ ويستبدلها بالوعي بحجم التضحيات. ويمارس الوفاء؛ لا يكتفي بالتحليل السياسي، بل يذهب للبحث عن "الإنسان"، الذين يمثلون الأصدقاء والرفاق. لكن كاتب الرواية يحتضنه القلق؛ ويدرك أن ما بعد رحيل الطاغية ليس مفروشاً بالورود، بل هو عمل شاق لاستعادة الدولة والمجتمع. وهذه الجملة (العقل السليم هو الذي يسمح للقلب بالتنفس بعد اختناق طويل) هي مفتاح فهم الشخصية؛ فالتوازن بين ضرورة الفرح وواجب الحزن هو أقصى درجات النضج الإنساني.
وشخصية "سليم" في الرواية تجسد الحكمة التي تأتي بعد المعاناة؛ فهو لم يكتفِ بمراقبة سقوط الديكتاتورية كحدث سياسي، بل حوله إلى طقس رمزي من خلال (إشعال الشمعة)، وقد عكس فلسفته الشخصية في مواجهة الظلام. واختيار سليم لإشعال شمعة بدلاً من "لعن الظلام" يعكس مبدأً أخلاقياً رفيعاً. فبينما يغرق الكثيرون في اجترار آلام الماضي أو لعن الحقبة الديكتاتورية، فيختار سليم العمل الرمزي الإيجابي. الشمعة هنا ليست مجرد نور، بل هي إعلان عن انتصار الأمل على المرارة اللاذعة التي عاشها شخصياً في سوريا. والنص يربط ببراعة بين الحالة العراقية والسورية، التي تمثل في الفكر الماركسي (الحتمية التاريخية) أي سقوط الطغيان، مشيراً إلى أن الأنظمة الدكتاتورية تتشابه في إنكار الواقع حتى اللحظة الأخيرة. فوصف النهاية بـ"الحتمية" ليمنح القارئ شعوراً بالعدالة التاريخية، خاصة عندما ينتهي الأمر بالديكتاتور وحيداً، هارباً، ولا يأسف عليه أحد.
وما يميز سليم هو قدرته على تحويل التفاؤل من مجرد شعور إلى طاقة إيجابية لمواجهة الأحداث، بالرغم من العامين الصعبين اللذين قضاهما في سوريا، لم يغرق في الحقد، بل استثمر تلك التجربة ليكون أكثر تقديراً للحرية للشعب السوري أخيراً في أواخر عام 2024 حسب سياق النص. يتجاوز الكاتب في روايته حدود الجغرافيا، ليرسم لوحة الألم والأمل المشترك بين الشعبين. واختار الكاتب بطله سليم بعناية فائقة ليكون ليكون مرآة الجيل، فهو صفوة الشباب العراقي اللاجئ إلى سوريا.
ولكن في الرواية نلاحظ سليم قد جسد نموذج الشاب الواعي، الصابر، والمثقف الذي يحمل هموم وطنه في غربته، فاختيار بطل عراقي في بيئة سورية يعزز وحدة المصير الإنساني والسياسي الذي يجمع البلدين. ومن سياق النص يمكننا إتمام الفكرة بناءً على الرؤية الفنية والتحليلية التي بدأ بها، فالعمل هنا ليس مجرد وسيلة للبقاء، بل هو مرآة تعكس صراع البطل الداخلي وإصراره على التمسك بإنسانيته رغم قسوة الظروف. إن انغماس الكاتب في التفاصيل النفسية يجعل من (المهن الأحد عشر) محطات لتشكيل وعي البطل، حيث يتحول (كيّ الملابس) من مجرد وظيفة رتيبة إلى مساحة للقاء إنساني مع سميرة ليفتح نافذة للأمل وسط ركام التعب.
من خلال مطالعتي للرواية؛ يظهر أن الكاتب نجح في جعل دمشق بأحيائها كـاليرموك؛ ليست مجرد مسرح للأحداث، بل شخصية قائمة بذاتها تؤثر وتتأثر بالأبطال.
أما تركيز الروائي على أسرة (أبي وسام) كنموذج للمحبة يعزز من فكرة البوصلة التي ذكرته بالأصدقاء، والأهل هم الضمانة الوحيدة لعدم الضياع في الغربة. وقد استخدم الروائي سردية الوصف بعمق نفسي يعكس احترافية الكاتب في تحويل الموقف العادي إلى مشهد درامي محمل بالدلالات الفكرية. ويبدو أن الكاتب استخدم أبو راغب ليس فقط كشخصية بخيلة، بل كرمز لمحاولات الاستغناء التي تنتهي بالاعتراف بالعجز أمام المهنية التي يمثلها سليم.
وقد وظف الروائي الثنائيات وهي ليس مجرد ترف أدبي، بل هو أداة لتعميق واقعية الرواية وربط المصيرين العراقي والسوري بذكاء من خلال الإسقاطات السياسية. كما ظهر في صراع أبو راغب وسليم؛ هي مفارقة تعكس الصراع بين الرغبة في توفير المصلحة المادية وبين الاتقان والخبرة. أما الأغاني والقصائد فمن خلالها سلط الضوء الروائي الذاكرة من خلالها ليثبّت الهوية الثقافية الأصيلة في مواجهة واقع اقتصادي أو اجتماعي مشوه أو قبيح. لذلك استخدام الشعر والموسيقى والأغاني العراقية والسورية ليعمل منها كـجسر شعوري؛ فهو يخرج الرواية من حيز الحكاية الجافة إلى حيز التوثيق الوجداني. هذه الإسقاطات تعطي القارئ مفاتيح لفهم الحالة النفسية للشخصيات دون حاجة لشرح مباشر من الكاتب.
وأخيراً وليس آخراً وفق الروائي في تسليط الضوء على نقاط جوهرية في بناء الرواية، ومنها: الثنائيات الضدية بين الغرب المتمدن والشرق المتخلف. فضلاً عن الصراع والواقعية التي تمثل عدم الاستقرار. أما في الموروث العراقي، فمدينة الديوانية ليست مجرد غرفة استقبال؛ لكن هي مؤسسة اجتماعية تُعلم الفرد كيف يكون مجموعاً.
تحية للكاتب كريم عباس حسن على هذا المجهود، ولذائقته الأدبية التي استطاع تلخيص جوهر العمل بهذا الأسلوب الراقي.