مفردات نصوص الأديبة سوسن زنگنة تفيض بالشجن والصور الشعرية العميقة؛ فالفنجان ليس مجرد وعاء للقهوة، بل هو مرآة للإنكسار والوعود التي لم تتحقق. يمتزج الندم بالعناد، وتتحول زهرات العمر إلى ضحية لهذا الصراع الداخلي.

تستخدم في نصوصها الأدبية رموزاً قوية مثل "طائرة ورقية"، "ابن آوى"، و"صواع القلب" (وهي إشارة بديعة لقصة يوسف عليه السلام)، مما أضفى طابعاً تراثياً ووجدانياً على أغلى نصوصها، وجاء في النص (ما زلت أصدق):

صواع القلب منا،

من  صاحب علسه ابن آوى

 !!

يا فنجان قهوتي المرة

 ..

ماكر توهمني ان قصائد العشق

تحلي ارضنا السبغة!!

مفردات النص تنبض بمشاعر عميقة من الخيبة والحنين، الممزوجة بمسحة من التهكم على الذات والقدر. نصوصها تصور صراعاً داخلياً بين عقل يدرك الحقيقة وقالب عاطفي لا يزال يتمسك بالأوهام، مثل "عودة الأحباب"، "ابن آوى" و"الأرض السبخة".

تنصت لبوح بعيد ..هناك حيث افترقنا

ألقينا على عاتق الصمت أن ينهي الحكاية

 ..

ما عاد ذاك العقل يرضى ترتيق ثوب الهجر بيننا

 ..

هذا لي وذاك لك

 ..

للوقوف عند مقطع "ترتيق ثوب الهجر" و"عناد مزمن"، لنفهم كيف تحولت العاطفة إلى صراع مرير بين طرفين. هذه الكلمات تنبض بمشاعر عميقة من الخيبة والحنين، الممزوجة بمسحة من التهكم على الذات والقدر. النص يصور صراعاً داخلياً بين عقل يدرك الحقيقة وقالب عاطفي لا يزال يتمسك بالأوهام، مثل "الطائرة الورقية" أو "عودة الأحباب".

النصوص عبارة عن لوحات شعورية رُسمت بريشة امرأة تعرف تماماً قيمة "الجوهر" في زمن "الخردة". مفرداتها تنساب كأنها ترنيمة من عالمٍ آخر، عالمٍ لا يعترف بـزمن الخردة، بل يصنع من الصخر والكدّ تيجانًا تليق بأميرةِ الحرف والروح

. يبدو أنها وجدت أخيراً ذلك المتسع الذي يليق بكبرياء الحفر في الصخر، بعيداً عن ترفٍ زائف لا يشبهها:

صوت صواني الشاي والكعك والبقصم

تدور على نساء الحي..

ذاك الزمان الذي كانت النظرة من طرف عين الأمهات

تشبه سياط جلاد يجعلنا نجلس محلنا

!

نصوصها عبارة عن ألبوم صور حيّ تفوح منه رائحة "الهيل" وخبز "البقصم" المغموس بشاي "أبو الهيل". لقد أخذتِني معها من خلال تلك النصوص إلى أزقة بغداد القديمة، إلى؛ صبابيغ الآل، والصدرية، حيث البيوت ليست جدراناً، بل هي صدور مفتوحة وحكايات لا تنتهي:

مسحتُ طرف ثوبي الذي تبلل بماء الدربونة،

وحاولت أن أبدو طبيعية وأنا أدلفُ إلى الحوش.

"الحوش" الذي تتمنى امتلاكه، كان يضمّ بين أركانه ما هو أغلى من الطابوق الأصفر: يضمّ الأمان العائلي الذي يجعل من عقم "عايدة المسيحية" قضية الحيّ، ومن نذر "أبو الفضل" جسراً للمحبة يتجاوز الأديان

.

"عايدة المسيحية التي ما أن عرفت بأمر عقمها

حتى حثثها أن تنذر لأبو فضل العباس

عشاءً لوجه الل

 ".

تصف بدقة مذهلة ذاك الزمن الذي كانت فيه "خَزّرة" الأم أقوى من أي قانون، تربية صامتة بالعين تجعل الأقدام تثبت في مكانها، ورغم قسوتها، إلا أنها كانت تغلفنا بالحرص والحماية

. وتسيح بالقارئ من عگد الأكراد والشكرجي في التفاصيل الجغرافية لتمنح النص طعماً حقيقياً. فضلاً عن تصويرها لمعالم عالمها الخاص: "قرصة الخد" من وليد وهروبه نحو المعجنات، يصور براءة تلك المشاكسات قبل أن تتحول إلى "رسائل القلب المدمى"، التي يرميها شباب الحيّ. فضلاً عن خاتونات القشلّة، تلك الأسماء التي ذكرتِها في أحد نصوصها (حلملم، بشه، نهوده، باجي حبيبة) هي ليست مجرد أسماء، بل هي ألقاب "الدلّع" البغدادي الأصيل الذي يحمل في طياته هيبة "الخاتون" وحنان الجدة. فأصبحت الذاكرة هي البيت الوحيد الذي تملأ تلافيف روحها.

"كانت المركبة قد وقفت في الركن مقابل حمام التميمي عندما إشارت باجي سعاد إلى السائق أن يتقدم بها قليلاً نحو فرع سلطان أبو اللحم وهي تتساءل عن سبب تأخر حجية ام عفيفه

 ".!!

 

تتذكر "حمام التميمي" وفرع "سلطان أبو اللحم" ليمنح القصة هوية بغدادية أصيلة، ويجعل القارئ يشعر بحركة السيارة وتوقفها القلق بانتظار الغائبين

.

تمتلك زنگنة ​

روح الفكاهة من خلال نصوصها والمشاكسات بين "عمة بشة" و"جدة نهودة" حول "سعدانة" وزوجة المختار تضفي حيوية وواقعية على الرحلة، وتجسد طبيعة الجلسات النسائية العراقية المليئة بالود والمكر المحبب:

استعارة حذاء لا يمكنه العيش....فرديا!

كل ما أملك غير صالح للاستهلاك

 ...

انا وهو ...بيت جميل بلا اثاث

 ...

حديقة ورد  أغار من نشر عطرها حد سابع جار

 !!

أنا ..و...أنا ....حوار جميل

 ...

نصوصها عبارة عن خواطر تحمل نبرة متمردة، صريحة، ومغلفة بذكاءٍ حاد. يبدو أنها تكتب من منطقة "الصدق الصادم" حيث لا مكان للمجاملات، بل للمواجهة مع الذات ومع العالم

. وعن التناقضات وصفتِ العلاقة بأنها "بيت جميل بلا أثاث"، وهو تعبير عبقري عن الفراغ العاطفي الذي يختبئ خلف المظاهر المثالية.

الجمال موجود، لكن "الراحة" مفقودة

.

طز بكل ثقافة وجود لا تنتفض لكل هذا السخف

 !

التحرر مني استنزف وقتي

 ...

المشي ساعات طويلة لو تسنى لقدمي

أن تبصق في وجهي لفعلت

!

أما عن التمرد فجملة "طز بكل ثقافة وجود لا تنتفض..." هي صرخة وعي الثقافة التي لا تحرك ساكناً تجاه السخف، هي مجرد تكدّس للمعلومات، وليست نضجاً

. نصوصها قوية لأنها لا تحاول أن تكون "لطيفة"، بل تحاول أن تكون "حقيقية":-

"تلك التي كانت تندب حظها مع كل غروب للشمس وكنت اخبئ وجهي  تحت (الفوطة) التي لا تتخلى عنها حتى في ساعات نومها

 !!كنت اخرج راسي الصغير كقطة اليفة ، كأنني اعبي عيني بذرات من ذاك المشهد الذي اورثني الحزن ما حييت".

النص يحمل روحاً روائياً واعداً جداً، ولديها قدرة عالية على "أنسنة" الجمادات واللحظات العابرة. مفردات النص ليست مجرد سرد، بل هي لوحة زيتية رُسمت ببراعة؛ تمزج بين رائحة الصوف في سجاد الوالد، وعبق القهوة "البكر" التي لم تضبطيها بعد، وبين دفء (فوطة) الجدة التي كانت تمثل العالم بأسره لتلك الطفلة الحزينة. هذا النص يفيض بالصِدق، ويجسد تلك اللحظة الفارقة في حياة الأنثى، والعبور من طفولة الصمت إلى وعي الأنوثة المفاجئ، عبر نظرة شريك الأب التي جعلت القلب يرتجف للمرة الأولى.      

استخدامها "الفوطة" يعكس بيئة محافظة وحماية مفرطة. الجدة هنا هي الحارس الذي يقرأ المعوذات ليحمي الغضة، لكنها لا تدرك أن الحماية لا تمنع تسلل "نظرة" أو "غمزة" إلى عمق الذاكرة.

أما مقولة "حزن جميل منحني الاتزان" عميقة جداً. أحياناً يكون الحزن في المجتمعات التقليدية هو "الوقار" الذي ترضى عنه عجائز العشيرة، وكأن الفرح خفة لا تليق بالفتيات الرزينات. وتفصيل؛ "فصل جسده كقطعة قماش على طريقة الجدة" هو استعارة عبقرية. لقد قلبتِ الآية؛ الجدة تفصل الثياب لتستر الجسد، وأنتِ في خيالكِ تفصلين "وجوده" لتمتلكيه في رأسكِ.

نقطة التأمل تلك التي تملك كل شيء لكنها غير سعيدة".. جملة افتتاحية قوية جداً. هل كان "كل شيء" هو المادة، بينما كان "اللا شيء" هو الحرية أو الفهم؟

نصوصها الأدبية تفيض بالمشاعر المختلطة بين الامتنان لأب ضحى براحته، والأسى على حياة قضاها وحيداً في "ليلٍ بلا قمر". قدرتها على استخدام التفاصيل البسيطة (مثل "استكان الجاي") ليعكس فجوة عاطفية عميقة.