صدرت عن مؤسسة ژين لإحياء التراث الوثائقي والصحفي الكُردي عام 2012، (الملفة الشخصية الهواء الرمز عبد الكريم قاسم) قدم لها د. عماد عبد السلام رؤوف، بواقع (182) من الحجم الوزيري .

الملف الشخصي للرمز قاسم تحت أضواء الحاضر، من الملفات الوظيفية في إعادة كتابة التاريخ بعيداً عن السرديات الإنشائية أو العاطفية، نسلط الضوء على شخصية محورية في تاريخ العراق المعاصر، من زاوية الوثيقة الصماء التي لا تجامل ولا تحابي.

نعتبر الملف الشخصي كمختبر للحقيقة التاريخية، وتعتبر أصْدق من المذكرات الشخصية والروايات الشفهية لأنها ​تحسم الخلافات الزمكانية مثل تاريخ الولادة الدقيق ونسب العائلة. ​الملف يكشف المسكوت عنه كالأزمات الصحية أو الديون المادية التي قد يخفيها الزعماء للحفاظ على صورتهم الكاريزمية. ​تفسر السلوك الإنساني لكثرة الإجازات أو كتب الشكر والعقوبات تعطي انطباعاً دقيقاً عن الانضباط المهني والعلاقة مع السلطة قبل الوصول لقمة الهرم.

​​تكمن إثارة ملفة الزعيم عبد الكريم قاسم أنها تغطي حياته منذ كان طالباً (1932) وحتى ما بعد رحيله ولغاية اكتساب عائلته حقوقهم عام (1978)، وهذا يوفر دراسة مقارنة بين ​قاسم الطالب والضابط، الذي يغير اسم والده (من جاسم إلى قاسم)، في نزعة ربما تعكس رغبة مبكرة في التميز أو التغيير وكيفية تعامل الدولة مع إرثه المالي وتقاعده حتى بعد سنوات من مقتله، مما يعكس البيروقراطية العراقية وتقلبات السياسة.

تُقدم هذه الوثائق التاريخية صورة مغايرة تماماً للصورة النمطية المعتادة عن الزعيم عبد الكريم قاسم، حيث تسلط الضوء على الجوانب الإنسانية، الاقتصادية، والصحية المعقدة في حياته قبل وصوله إلى السلطة.

كشفت الوثائق عن مفارقة حزينة في علاقة عبد الكريم بوالده؛ فبدلاً من أن يكون التخرج مناسبة للاحتفال، تحول إلى عبء مالي وقضائي من خلال اضطرار والده لرفع دعوى قضائية ضده بسبب الفقر الشديد، وحكمت المحكمة بنفقة قدرها (4 دنانير و600 فلس)، استقطعت من راتبه من رتبة ملازم ثانٍ واستمرت لقرابة 19 عاماً حتى عام 1951.

أما ​الديون المتراكمة فرغم كونه أعزباً ويسكن في دار الضباط (سكن شبه مجاني)، إلا أنه كان يستدين باستمرار من تجار يهود وأفراد، وكان يعجز عن السداد لدرجة الحجز على ربع راتبه شهرياً.

أما ​المستحقات العسكرية فحتى المؤسسات العسكرية (نادي الضباط والدار) لم تسلم من تعثره المالي، حيث كانت ترفع مذكرات للجهات العليا لتحصيل ديونها منه. ​يبدو أن المشاكل الصحية أثرت بشكل مباشر على طموحاته العسكرية المبكرة من ​التهاب الجيوب الأنفية، إذ كان السبب المتكرر لإجازاته المرضية الطويلة وعمليات الغسيل التي أجراها في مستشفى الرشيد العسكري. كما أدت إلى ​الفشل في اختيار الطيران. الوثائق تربط بوضوح بين حالته الصحية (الجيوب الأنفية) وبين عدم أهليته للطيران في فحص عام 1935، إضافة إلى فشله في دورة السواقين عام 1937.

​​تعتبر الاجابة الغامضة، الفقرة الأكثر إثارة للتساؤل في الملف الشخصي لعبد الكريم قاسم، إذ حصل على إجازة لمدة 120 يوماً لزيارة عدة دول، لكنه استقر في إنجلترا دون إبلاغ السفارة العراقية، مما جعل مصيره مجهولاً للسلطات لأشهر بعد انتهاء مدة إجازته.

فضلاً عن ​التناقض في التبرير، ادعى لاحقاً أنه كان يرقد في مستشفى بلندن للعلاج على نفقته الخاصة، لكن الوثائق تظهر تخبطاً في توضيح تواريخ الدخول وسبب تحول الإجازة من اعتيادية إلى مرضية مفاجئة.

الملف الشخصي للزعيم قاسم يسلط الضوء على جوانب بيروقراطية وإدارية مثيرة للجدل في حياته قبل ثورة تموز 1958، ويطرح تساؤلات حول طبيعة علاقاته العائلية، وسجله القانوني، وحتى الغموض الذي لفّ تحركاته وإجازاته الطويلة.

ومن ​أهم النقاط التي كشفت عنها الملفة الشخصية، ​الغموض الإداري عام 1947، قضية الإجازة الطويلة (حوالي سنة) التي مُنحت له براتب تام تحت ذريعة المرض، بينما أرى عدم وجود تقارير طبية أو مبررات واضحة، مما يفتح الباب للتساؤل: هل كانت غطاءً لنشاط سياسي أو عسكري سري؟

فضلاً عن التناقض العائلي، عام 1953 طلب إجازة لعلاج والده في لندن، وهو ما قارناه بموقف قاسم السابق من والده (النفقة الزهيدة)، ليشير ربما إلى تغير في وضعه المادي أو الاجتماعي، أو لاستخدام علاج الوالد كمبرر للسفر.

وفي عام 1951 تمت تبرأته ​قضائياً من تهمة مجهولة استمر ارتكابها لعدة سنين، وانتهت بالبراءة لعدم كفاية الأدلة. هذا التفصيل يغذي فرضية مراقبة الاستخبارات العسكرية لنشاطاته قبل الثورة.

مع هذا هناك منهجية في ترتيب ملفته الشخصية زمنياً، والحفاظ على أصولها، مما يعزز من قيمة الكتاب كمرجع تاريخي بعيداً عن السرديات الإنشائية.